كوثر هيكل.. أحبت «أبو بكر عزت»42 سنة وأوصت بدفنها إلى جواره

تسبب حسين كمال، المخرج المجنون العبقرى، فى تغيير مسار ومصير حياة كوثر هيكل، المهنى والإنسانى، فهو الذى اكتشف فيها تلك الموهبة الأصيلة فى الكتابة الدرامية، وأعطاها

تسبب حسين كمال، المخرج المجنون العبقرى، فى تغيير مسار ومصير حياة كوثر هيكل، المهنى والإنسانى، فهو الذى اكتشف فيها تلك الموهبة الأصيلة فى الكتابة الدرامية، وأعطاها الفرصة لتكون شريكته فى أيقونات سينمائية خالدة، جعلها رغم قلة أعمالها - واحدة من أبرز كاتبات السيناريو والحوار فى السينما المصرية..وهو كذلك حسين كمال الذى تسبب دون أن يقصد فى أن تتقاطع حياتها مع هذا الفنان الذى أصبح سيد قلبها وحبيب عمرها وشريك رحلتها..

المدهش أن علاقة كوثر هيكل وأبو بكر عزت بدأت متوترة لا ود فيها، ولا تشى بداياتها بما آلت إليه فى النهاية من عشق كان مضرب الأمثال..فقد كان "بكر" زميلها فى كلية الآداب بجامعة القاهرة، وكانت سمعته كدنجوان وساحر للنساء تسبقه، ولهذا السبب وجدت نفسها تنفر منه وتبتعد عنه وتتحاشى حتى الكلام معه أو مجرد السلام عليه، حتى لا يطولها رذاذ الشائعات وجلسات النميمة!

(1)

كان يسبقها بسنوات قليلة فى الدراسة وتخرج قبلها وكادت تنساه لولا أن وجدته يظهر فى حياتها من جديد بعد التحاقها بالعمل فى التليفزيون، حيث أصبح ضيفا دائما على مكتبها، وبالأدق على شريكها فى المكتب المخرج الشاب حسين كمال، صديق بكر وبطله فى أعماله الدرامية الأولى.

وواصلت كوثر موقفها القديم من بكر، فتتحاشى السلام والكلام فى وجوده، ولم تستجب لمغازلاته وملاطفاته ومحاولاته للقرب منها ولفت نظرها لإعجابه بها، وهو الأمر الذى يبدو أنه استفزه كثيرا وأشعل فى قلبه نار الحب تجاهها، لكنه ظل لفترة حبا من طرف واحد، إلى أن قرر أن يفاتحها بحبه، وسنحت له الفرصة عندما تعمد أن يجلس بجانبها فى حفل أقامه أصدقاء حسين كمال للاحتفال بنجاح مسرحيته الجديدة "الناس والبحر" ..

وفى تلك السهرة على شرف حسين كمال فوجئت كوثر بوجه آخر لبكر ، وجهه الحقيقى الذى يحاول جاهدا أن يخفيه وراء تلك الحياة العابثة والغراميات الملتهبة والابتسامة التى لا تفارق وجهه والنكات المتصلة على لسانه، فوراء الابتسامات والنكات والغراميات كان صاحبها يعيش مأساة بمعنى الكلمة..!

حكى لها بصدق كامل وصراحة مدهشة تفاصيل مأساته التى بدأت بعد شهرين فقط من وصوله إلى الدنيا، فقد رحل والده فجأة، وضرب مرض غريب عقل والدته فأفقدها الذاكرة، فأصبحت لا تتعرف عليه وهو ابنها الذى يعيش معها فى بيت واحد، ثم أنه كان عليه أن يعمل بجوار دراسته ليوفر مصاريف العلاج الباهظة لمرض الزهايمر الذى تعانيه أمه منذ سنوات طويلة، ورغم انشغاله فى الدراسة بمعهد الفنون المسرحية، ورغم طموحاته وأحلامه العريضة كممثل، فإنه ارتضى أن يعمل مدرسا فى المعهد الفنى الصحي، وما تراه من حياة عابثة ما هى إلا محاولة للهروب من هذه المأساة التى يعيشها كل يوم..ووجدت كوثر نفسها تتعاطف معه وتشاركه المأساة، ربما لأنها هى الأخرى ذاقت مثله مرارة اليتم منذ طفولتها..وسرعان ما تحول التعاطف إلى حب جارف، وأصبح "بكر" هو اختيارها الوحيد، ودخلت من أجله فى معركة مع أسرتها لتقنعهم بالموافقة على زواجها من فنان.. ومفلس كمان!

وكما بدأت قصة حبها وزواجها من أبو بكر عزت بطريقة درامية ومثيرة، فإن النهاية كانت أكثر إثارة وغرابة، فبعد 41 سنة زواجا سبقتهم سنة خطوبة، اختار أبو بكر عزت أن يرحل فجأة وفى يوم عيد زواجهما، فى مشهد عجز خيالها وهى المؤلفة المرموقة أن يستوعبه، فقد كان أغرب من الخيال!

(2)

على أى حال منحها ارتباطها بالرجل الذى أحبته حالة من الاستقرار النفسى والعائلى كان بالقطع سببا قويا فى تألقها: المهنى ككاتبة سيناريو، والوظيفى كواحدة من أبرز قيادات التليفزيون المصري.

فإلى جانب تجربتها المهمة فى السينما مع حسين كمال، كان لها كذلك بصمات واضحة فى الدراما التليفزيونية، ومن المؤكد أن الجمهور المصرى الذى تابع بشغف بدايات الدراما لن ينسى أعمال كوثر هيكل الأولى، سواء أفلامها التليفزيونية أو مسلسلاتها، بداية من "وصية زوجتي" و"تفضلوا بقبول الحب" الذى كان سببا فى اكتشاف وجوه جديدة لمعت فيما بعد مثل ليلى علوى وإسعاد يونس ومجدى إمام.

وكان أبو بكر عزت حاضرا دائما فى أعمالها الدرامية، وبطلا لأغلبها، وفى القلب منها "مكان فى القلب" أمام إلهام شاهين، وهما كذلك بكر وإلهام- كانا بطلا "على نار هادية" آخر عمل يجمع كوثر هيكل كاتبة وأبو بكر عزت ممثلا.

لكن تبقى أيقونة مسلسلاتها "عصفور فى القفص" الذى حصلت عنه على جائزة الدولة التشجيعية عام 1984، فى سابقة كانت تحدث لأول مرة، فلم يسبق أن حصل نص تليفزيونى على الجائزة، فالمعتاد قبلها أن تُمنح لرواية أو كتاب، لكن لجنة الجائزة برئاسة الكاتب والشاعر الكبير عبد الرحمن الشرقاوى رأت أن المسلسل بفكرته ومعالجته يستحق الجائزة.. وعن جدارة.. وفوق الجائزة فإن المسلسل كان مباراة ممتعة فى الأداء بين أبو بكر عزت وسناء جميل، وصلا فيها إلى ذروة أثارت الإعجاب، واعترفت سناء جميل أنه واحد من أروع أدوارها على الإطلاق.

قلة أعمال كوثر هيكل (1937/ 2021)، مقارنة بموهبتها وشهرتها، كان اختيارا منها فى الأساس ، فبلغة السوق كانت "نمكية" جدا، يستغرقها العمل زمنا، وتجود فيه حتى ترضى عنه وتوافق على أن تضع عليه اسمها، إن كل حرف تكتبه كانت تحرص على أن يكون له قيمة، ولذلك تميزت بحواراتها المكثفة التى كانت أشبه بطلقات الرصاص.. أضف إلى ذلك كبرياءها واعتدادها بموهبتها، فكانت مستعدة لأن تستمع لوجهة نظر المخرج وتقبل ملاحظاته الوجيهة، فإذا ما جرى الاتفاق ودارت الكاميرات لا تسمح لأى مخلوق بأن يعدّل حرفا فى السيناريو، وهناك وقائع عديدة لأعمال قررت أن توقف تصويرها وتعيدها إلى أدراج مكتبها بعدما تجرأ مخرجها أو منتجها على التدخل فى السيناريو دون الرجوع إليها.. إنها "جريمة" فى رأيها لا تغتفر!


(3)

مسيرة كوثر هيكل الوظيفية كانت هى الأخرى مبهرة، فبعد بداياتها اللافتة فى البرامج النفسية والتسجيلية، ترقت حتى وصلت إلى رئاسة إدارة البرامج الثقافية فى القناة الثانية، وخلالها قدمت البرامج الثقافية الأهم والأكثر تنوعا فى تاريخ التليفزيون، وكانت بصماتها واضحة فى تلك البرامج التى لا تزال حاضرة فى الذاكرة، يكفى أن نذكر منها: الموسيقى العربية، عالم البحار، فن البالية.. والثابت أنها كانت صاحبة أفكار أشهر البرامج السينمائية فى تاريخ التليفزيون، فهى التى اقترحت على يوسف شريف رزق الله فكرة برنامج "أوسكار" الذى قدمته سناء منصور لسنوات.

وعندما انتقلت لرئاسة القناة الأولى اقترحت على عبدالرحمن على فكرة برنامجه "سينما لا تكذب ولا تتجمل"، كما تحمست لبرنامج "زووم" الذى قدمته سلمى الشماع، وبرنامج آخر يعيد اكتشاف كلاسيكيات السينما تولى إعداده على أبو شادى وكمال رمزي، تسببت حلقته الأولى فى أزمة كادت تعصف بالبرنامج قبل مولده، إذ وقع الاختيار على فيلم من بدايات السينما المصرية، وهو فيلم "لاشين" الذى كانت أحداثه مليئة بالألغام والإسقاطات السياسية، فتسببت الحلقة فى ضجة وفى اتهامات بأن "اليساريين" يتسللون بأفكارهم إلى الشاشة!

وفى فترة رئاستها للقناة الأولى ساهمت كوثر هيكل فى صناعة نجوم جدد من جيل الشباب، كان منهم جمال الشاعر وأحمد مختار ، كما ساهمت فى إعادة اكتشاف فريال صالح وراوية راشد ..وظلت تواصل عطاءها حتى خروجها على المعاش فى نهايات التسعينيات.

 (4)

ارتبطت كوثر هيكل بعلاقات صداقة واسعة، لكن دائرة أصدقائها المقربين كانت مختارة بعناية، ويحكى لى د.خالد منتصر الكاتب المعروف وزوج ابنتها سماح والذى اعتبرته بمثابة ابنها: فى صداقاتها المهنية ستجد على رأس القائمة حسين كمال وصلاح أبو سيف والمخرج محمد شاكر ويوسف مرزوق، وحتى كتاب سيناريو مثل وحيد حامد، فكان من أقرب أصدقائها وعلى اتصال دائم به ومن المعجبين بنجاحه وتميزه ولم تشعر لحظة معه بأى غيرة أو منافسة.

وعلى المستوى الإنسانى كان الأقرب إليها فاروق شوشة وآمال العمدة، ولذلك كانت تحرص على أن توفق إجازتها الصيفية السنوية لتكون رحلة عائلية ثلاثية: هى وأبو بكر عزت، آمال العمدة ومفيد فوزي، فاروق شوشة وهالة الحديدي.. وسافروا أكثر من مرة إلى بلغاريا وقت أن كان أشقاء فاروق شوشة يدرسون هناك لدرجة الدكتوراه.. لكن غالبا كان مصيفهم فى العريش، مدينتهم المفضلة، وفى فندق بعينه.

وكانت نجلاء فتحى من أقرب صديقاتها فى الوسط الفني، ولها مع نجلاء تجربة مدهشة فى مسلسل لم يُصور منه سوى ثلاث حلقات فقط اسمه "اللحظات الأخيرة"، كانت فكرته أن تكون كل حلقة بنجم ومخرج مختلف، ومن بين المخرجين الذين تم الاتفاق معهم للمشاركة فى العمل: محمد خان وعاطف الطيب.. ولكن المسلسل توقف بعد ثلاث حلقات فقط لأسباب إنتاجية.

(5)

وعلى مستوى المثقفين والأدباء كان أنيس منصور هو الأقرب لقلبها، خاصة وقد عرفته فى بدايات مشوارها وشاركها فى الإعداد التليفزيوني، وكان لتعمقه فى التحليل النفسى من أسباب هذا القرب.

وربما للسبب نفسه كان إحسان عبد القدوس هو كاتبها الروائى المفضل، وكانت ترى أنه من أعمق الذين غاصوا فى المجتمع المصرى والنفس البشرية، وكانت على قناعة أنه لم يأخذ حظه من التقدير والاهتمام النقدي، بحكم أن نقاد اليسار الذين سيطروا على الساحة الثقافية والنقدية طردوه من جنتهم لأسباب أيدولوجية وغير موضوعية!

وبالطبع كانت تعشق نجيب محفوظ رغم أنها لم تتعامل معه.. ومن الأجيال التالية كانت تحمل إعجابا خاصا بالمنسى قنديل، خاصة وأنها عرفته خلال زواجه من تلميذتها راوية راشد.

المدهش أن آخر كتاب قرأته، وطلبت نسخته بالذات من د. خالد منتصر ، هو كتاب د. فرج فودة الشهير "الحقيقة الغائبة"!

وليس سرا أن كوثر هيكل كان لها موقف واضح من الإسلام السياسي، فقد عارضت المد الوهابى ورأت أنه خطر على الهوية المصرية، بل رأت أنه تجارة بالدين لا تليق بعظمة الإسلام، ودخلت مرة فى معركة مع واحد من رموز هذا التيار وهو الشيخ صلاح أبو إسماعيل، وفى فترة رئاستها للقناة الأولى عارضت إذاعة التلاوات القرآنية بأصوات خليجية التى كانت قد راجت وقتها، وأصرت أن المدرسة المصرية فى التلاوة ورموزها مثل عبد الباسط ورفعت ومصطفى إسماعيل والمنشاوى هم الأقرب للروح والذوق المصرى.

ورغم أنها عاشت زمن المد الناصري، ورغم صداقاتها القوية مع دراويش من الناصريين، إلا أنها ظلت محافظة على استقلاليتها، فلم تنتم لحزب أو تيار سياسي، فقد كان انتماؤها الوحيد للوطن.. للوطن وحده.

 (6)

قبل رحيلها كان لكوثر هيكل وصية وحيدة وقاطعة، وهى أن تُدفن إلى جوار حبيب عمرها وشريك حياتها أبو بكر عزت.. فى المقبرة التى كان بكر قد اشتراها على طريق الواحات، وفى اليوم نفسه والمكان نفسه مع صديق عمره الفنان القدير صلاح السعدنى متعه الله بالصحة وطول العمر.

رحلت كوثر هيكل.. لكن أعمالها ستبقى طويلا فى وجدان المصريين.

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد