بعض الأيام فى التاريخ، تقع فيه حوادث فارقة، تكو ن مؤثرة على البلاد والعباد، آثارا كبيرة وممتدة، ومن هذه الأيام يوم " 4 فبراير 1942" الذى شهد قيام "مايلز لامبسون"
بعض الأيام فى التاريخ، تقع فيه حوادث فارقة، تكو ن مؤثرة على
البلاد والعباد، آثارا كبيرة وممتدة، ومن هذه الأيام يوم " 4 فبراير 1942"
الذى شهد قيام "مايلز لامبسون" سفير "بريطانيا العظمى" بالقاهرة، باقتحام "قصر عابدين" ومعه القائد العسكرى "ستون" لإرغام "الملك فاروق" على تكليف
"مصطفى النحاس" زعيم حزب "الوفد" بتشكيل الحكومة، أو التنازل عن عرش مصر فى حال عدم تنفيذ هذه الرغبة البريطانية.
فى العام 1942، صعد نجم "هتلر" واكتسحت قواته أوروبا كلها، وواصل حربه ضد الاتحاد السوفييتى، وتقدمت قوات القائد "روميل" داخل الأراضى المصرية، حتى بلغت منطقة "العلمين"، بعد أن وضع قواته داخل الأراضى الليبية المجاورة لمصر، والواقعة تحت الاحتلال الإيطالى، وكانت "ألمانيا" و"إيطاليا" تشكلان قاعدة "المحور" الذى يخوض الحرب ضد "الحلفاء"، المعسكر المعادى الذى ضم "بريطانيا" و"فرنسا" و"أمريكا" و"الاتحاد السوفييتى".
وقبل العام 1942، كانت "بريطانيا" التى تحتل مصر منذ العام 1882، قد وقعت مع "حزب الوفد" ـ بمشاركة من جانب القوى السياسية المصرية ـ معاهدة 1936 التى أعطت بريطانيا حق الدفاع عن مصر فى حال تعرضها لعدوان خارجى واستخدام الأراضى والمطارات المصرية، متى فرضت الضرورة ذلك، وحزب "الوفد" هو حزب الأغلبية الذى تشكل خلال ثورة 1919 تحت قيادة الزعيم الوطنى "سعدزغلول"، وله قبول واسع لدى الشارع المصرى.
ولأن بريطانيا كانت تعرف هذا كله، اختارت "الوفد" ليشكل الحكومة التى تحكم مصر أثناء الحرب العالمية الثانية، خاصة فى ظل تفوق "هتلر"، ودول المحور، حتى تضمن تطبيق معاهدة 1936، وتضمن استقرار المجتمع المصرى وعدم تفجر المظاهرات التى تطلب من بريطانيا الجلاء بقواتها عن مصر، فى ظل ما توافر لديها من معلومات حول وجود تقارب بين "الملك فاروق" ودول "المحور" التى تخوض الحرب ضدها، والمعروف ـ تاريخيا ـ وجود صداقة عميقة بين "أسرة محمدعلى" التى ينتمى إليها "فاروق" و"إيطاليا"، فهى من الدول التى أرسل إليها "محمد على" البعثات الدراسية لاستلهام خبراتها الصناعية والعسكرية، واختارها "الخديو إسماعيل" جد "فاروق" لتكون دولة "المنفى"، وفيها قضى "الملك فؤاد" سنوات طويلة صحبة والده، قبل أن يختاره الإنجليز لتولى عرش مصر، بعدعزل "الخديو عباس حلمى" ووفاة "السلطان حسين كامل" خلال سنوات الحرب العالمية الأولى. هذه هى الخلفية التاريخية والسياسية التى صاغت ما جرى فى يوم "4 فبراير 1942"، وهو اليوم الحاسم فى تاريخ مصر المعاصر الذى ترتبت عليه أحداث كبرى، صاغت صورة العلاقة بين "حزب الوفد" و"القصر الملكى"، والعلاقة بين"الملك" والجيش، وكل القوى الحية فى المجتمع آنذاك ،فعندما أبدت "بريطانيا" رغبتها فى قيام "فاروق" بتكليف "النحاس" بتشكيل الحكومة، من خلال تواصل جرى بين "مايلز لامبسون" سفيرها فى القاهرة، و"أحمد حسنين باشا" رئيس الديوان الملكى، وقعت "مراوغة" من جانب "فاروق"، تمثلت فى استدعائه كل قادة الأحزاب المصرية، ومطالبته لهم بتشكيل حكومة "ائتلافية" برئاسة "النحاس"، وبذلك يكون قد أمسك العصا من المنتصف، فلا هو رفض الرغبة البريطانية، ولا هو التزم بها التزاما حرفيا، ولكن "بريطانيا" كانت تعيش ظرفا عسكريا وسياسيا حرجا، لايحتمل مراوغة الملك ورئيس ديوانه، فطلبت من سفيرهاـ مايلز لامبسون ـ أن "يلوح بالقوة" فى وجه الملك المراوغ، فكتب السفير "وثيقة تنازل عن العرش"، واصطحب القائد البريطانى "ستون" وعددا من الضباط والقوات المدرعة، وحاصر "قصر عابدين"، واقتحم مكتب "رئيس الديوان"، واقتحم مكتب "الملك" ووضع أمامه الوثيقة، وطلب منه التوقيع عليها، لكن "أحمد حسنين باشا" رئيس الديوان، طلب من "الملك" ـ باللغة العربيةـ ألا يوقع، وأن يستمهل "لامبسون" ويطلب فرصة أخرى حتى ينفذ رغبة بريطانيا ويستدعى "النحاس" ويكلفه بتشكيل الحكومة.
ومن المهم أن نعرف أيضا أن "بريطانيا، رصدت اتصالات تمت بين "القصر الملكى" ودول المحور، وطالبت بعزل الموظفين الإيطاليين الذين يعملون فى خدمة "فاروق"، ولما رأت منه المراوغة والميل إلى جانب المعسكر المعادى، اعتزمت عزله عن العرش، وجهزت البديل "محمد على توفيق" ـ ولى العهد ـ وأكبر أفراد عائلة "محمد على"، وكانت معاهدة لندن 1840 التى وقعتها الدول الأوروبية مع "محمد على" قد نصت على أن يكون حكم مصر له ولأولاده من بعده وأن يتولى الحكم أكبر الذكور سنا، والأمير "محمد على" ولى عهد فاروق كان يتمنى حكم مصر، ولكن نصيحة "رئيس الديوان الملكى" للملك فاروق أنقذت العرش والجالس عليه، لكنها فتحت عليه أبوابا أخرى، تمثلت فى إعداد خطة الانتقام من "الوفد"، وتعديل وتبديل أوراق الحكم بما يضمن عدم تكرار ما حدث فى "4 فبراير 1942".
ونقل الكاتب الراحل "محمد حسنين هيكل" فى كتابه "سقوط نظام" الصادر فى القاهرة عن "دار الشروق" فى العام "2003" صورة لما عاشه "القصر الملكى " وما شهدته الساحة السياسية المصرية عقب واقعة اقتحام القصر ومحاولة إرغام الملك على التنازل عن العرش، فقال إن "الملكة فريدة"، و"الملكة نازلى" تشاجرتا وهما جالستان لتناول وجبة الغداء، فقد تساءلت الملكة الزوجة "فريدة" عن سر تخاذل "الحرس الملكى" وعدم تصديه للقوات البريطانية التى حاصرت القصر، وأهانت "جلالة الملك" الذى له عليهم حق الولاء والطاعة والدفاع عنه حتى الموت، فاستنكرت ـ الملكة الأم ـ سؤالها وقالت ما معناه إن غياب الحرس الملكى عن مسرح الأحداث أنقذ البلاد من مذبحة، ولم يكمل "فاروق" وجبته وانصرف غاضبا، ولكن "أحمد حسنين باشا" رئيس الديوان الملكى، وضع خطة ذات شقين، الشق الأول يستهدف تدمير "حزب الوفد"، والشق الثانى يستهدف تجنيد "ميليشيا" من داخل "الجيش" تكون جاهزة لتنفيذ ما يطلبه منها فى أوقات الخطر.
أما تدمير "حزب الوفد" فكانت الظروف فى صالح "الملك" المهزوم ، لأن صراعا بين "مكرم عبيد" و"مصطفى النحاس" كان مخفيا، ثم ظهر إلى العلن، بسبب عدم قبول "زينب الوكيل" العلاقة التى ربطت بين "مكرم عبيد" وزوجها "مصطفى النحاس"، وهذه لم تكن رغبتها وحدها بل كانت رغبة "فؤاد سراج الدين" الذى كان الوسيط فى إتمام زواجها من "النحاس" وكان هدفه إزاحة "مكرم" واحتلال موقعه الحزبى، ودخل "أحمد حسنين باشا" على خط الصراع، ووقع العداء بين "مكرم" و"النحاس" بصورة جعلت "مكرم" يخرج من "الوفد" ويشكل حزبا مستقلا وينضم إلى معسكر الملك الجريح.
وفيما يخص تشكيل "الميليشيا" الموالية للملك داخل الجيش، تشكل "الحرس الحديدى" بقيادة الضابط الطبيب "يوسف رشاد"، وكلف "الملك" هذه الميليشيا باغتيال النحاس باشا، لكنه نجا، وكان "النحاس" يعرف أن "الملك" هو من حاول أن يغتاله انتقاما لقبوله تشكيل الحكومة ، ولكن ـ الدكتور محمد فريد حشيش ـ ذكر فى كتابه" حزب الوفد 1936 ـ 1952" أن "الملك" ورجاله، هم من روجوا لفكرة "خيانة الوفد" ولكن الحقيقة أن "الوفد" لم يخن ولم يخضع للإنذار البريطانى وحده، لأن الملك هو أول من قبل الإنذار، وبموجبه استدعى رؤساء الأحزاب فى قصر عابدين وطلب منهم الاتفاق على تشكيل حكومة "ائتلافية" بشرط أن يكون "النحاس باشا" هو رئيسها، ووافق رؤساء الأحزاب على مطلب الملك، لكن "النحاس" هو الذى رفض فكرة الائتلاف، لأنه يرفض قبول التعاون مع "أحزاب الأقلية" الموالية للقصر، وموقفه السياسى منذ بداية الحرب العالمية الثانية كان منحازا إلى قوات الحلفاء، باعتبار الحلفاء دولا ديمقراطية تحارب ضد النازية الألمانية والفاشية الإيطالية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كثير من المنازل السعودية تتكرر شكوى شائعة بين المستخدمين، وهي أن بعض الأجهزة المنزلية تتعطل مرة أخرى بعد فترة...
في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية