أحمد الخميسى: والدى لم ينل أى تكريم من أى مؤسسة مصرية

كان عبدالرحمن الخميسى مؤسسة ثقافية وفنية متنقلة، كما كان متعدد المواهب، شاعراً وقاصاً ومسرحياً وممثلاً ومخرجاً وسياسياً، ساهم فى إثراء الحركة الثقافية بشكل كبير، كما

كان عبدالرحمن الخميسى مؤسسة ثقافية وفنية متنقلة، كما كان متعدد المواهب، شاعراً وقاصاً ومسرحياً وممثلاً ومخرجاً وسياسياً، ساهم فى إثراء الحركة الثقافية بشكل كبير، كما كان له الفضل فى اكتشاف العديد من المواهب، وعلى رأسهم السندريلا سعاد حسنى، إضافة إلى فؤاد المهندس وشمس البارودى وشكوكو وغيرهم، كما كان له مواقف شهيرة مع سياسيين كبار، إضافة إلى مروره بتجربة دخول السجون لأسباب سياسية، وانتهى به المطاف للاغتراب والعيش خارج مصر.. فى الحلقة الثانية من حوارنا يواصل الكاتب الكبير أحمد الخميسى حديثه عن والده الراحل وأشهر مواقفه ومحطات حياته الفارقة فى ذكرى الاحتفال بمرور 100 عام على ميلاده.

عبدالرحمـــن الــخميسى شـــــاعــر ومؤلف موسيقى وكاتب ومخرج وفوق كل هذا كان ممن يسمونهم ظرفاء العصر.. كيف كانت شخصيته كأب وإنسان؟

كان يعشق الطعام والفرح والشعر والبهجة والأصدقاء، وبيتنا كان دائما مملوءًا بالزوار ليلاً ونهاراً، ولم يكن يقيم وزناً للفلوس فى حياته، كان ينفق كل ما فى جيبه، وكنا طالما هناك نقود نأكل فاصوليا وبطاطس وأرز مثل كل الناس، لكن عندما يفلس والدى كان يتصل بمحل كباب صاحبه اسمه «شعراوى» ويطلب منه «كباب وكفته» على النوتة، وكنا نفرح جداً حين يفلس، لأن معنى ذلك أننا سنأكل كباب! حتى إن أمى سمعت مرة أختى عائشة تدعو وتقول «يارب بابا يفلس بقى»! فنهرتها وقالت لها «حد يدعى كده على أبوه؟». فقالت أختى «ما هو يا ماما لما بيفلس بناكل كباب وكفتة»! وعند سفره من القاهرة سنة 1973 كان مديناً للكبابجى بنحو «500» جنيه، وهو مبلغ ضخم فى هذا الوقت، وساعتها قال «500 جنيه مرة واحدة؟ يعنى أنا أكلت 5 بقرات مثلا؟ مش باين عليا يعنى؟!» وسددت والدتى المبلغ على دفعات.

 ما أشهر مواقفه مع الفنانين ككاتب ومخرج؟

كتب مسلسلاً إذاعياً اسمه «البهلوان المدهش» كان من إخراجه أيضاً، وبطولة «سميحة أيوب» التى كانت تجسد شخصية مدربة أسود تحب زميلاً لها اسمه «أحمد كشكش» يمشى على الحبل. المهم أن «سميحة» لم تكن تلتزم بموعد البروفات، رغم أن الخميسى لفت نظرها إلى ذلك، كان المسلسل عبارة عن ثلاثين حلقة، لكن الخميسى ضاق بما تقوم به سميحة رغم تقديره الفنى لها، وهكذا فى الحلقة الثامنة ولم تكن هى مشاركة فيها، طلب أن يهتف جمهور السيرك بأن الأسود هجمت على المدربة وقتلتها، مع صيحات من نوع «ألف خسارة»، و«لا حول ولا قوة إلا بالله». وكانت سميحة فى منزلها تستمع إلى الحلقة وفوجئت بأنها كبطلة مسلسل توفيت لأن الأسد أكلها! فاتصلت بوالدى وتصالحا شرط الالتزام بالمواعيد، وفى الحلقة التالية جعل والدى الناس فى مستشفى يقولون «الأسد هجم عليها لكن الحمد لله.. ذراعها بس اللى انجرح.. وربنا كتب لها حياة جديدة»، وهكذا عادت للمسلسل. والدى أيضاً أول من قدم شمس البارودى فى فيلمه «الجزاء» الذى كان من إخراجه، وقدم فؤاد المهندس وكان يجلس فى طرقة الإذاعة فى انتظار أخته «صفية المهندس»، كما قدم حسين الشربينى، وغيرهم، وكان عنده بعد نظر عجيب، عادل إمام كان وجها جديدا وأسند إليه والدى دورا فى فيلم «زهرة البنفسج» وسأله عند التعاقد معه «أجرك كم؟». قال عادل «300 جنيه» ضحك والدى وقال له «على إيه؟ ده أنت حتى ما بتعرفش تمثل.. 200 جنيه كفاية». قال عادل «يا أستاذ خميسى ده أنا لو قريت القرآن الكريم الناس ها تضحك»!

 ما ملابسات دخوله السجن وكيف أثرت فيه هذه التجربة؟

كان من المؤمنين بالجوانب الإيجابية فى التجربة الناصرية، وقبل الثورة كان صحفياً فى جريدة المصرى الوفدية، وذات يوم وهو جالس فى مكتبه مشغول بالكتابة دخل عليه شخص وسأله «لو سمحت الأستاذ أحمد أبوالفتح (رئيس تحرير الجريدة) وصل؟». فرد عليه والدى بعصبية «الله! هو أنا استعلامات؟ ما تروح تسأل عنه فى الاستعلامات!» وكان السائل هو «جمال عبدالناصر» الذى كان قبل الثورة يتردد على الصحف لحشد الكتاب مع الثورة المرتقبة. عبدالناصر قام بعد الثورة وبعد أن أصبح معروفاً أنه زعيمها بزيارة أخرى لجريدة المصرى! وفى هذه المرة كان والدى مع الحاضرين من أبرز كتاب الجريدة، التقى بهم عبدالناصر، وظل يتحدث ثم نظر إلى والدى نظرة ذات مغزى وقال له «أظن احنا اتقابلنا قبل كده يا أستاذ خميسى؟». فصاح والدى فيه ضاحكا «وأنا كنت أعرف منين إنك هاتبقى رئيس جمهورية؟!». قضى والدى فى المعتقل 3 سنوات، لأنه وقف مع الذين طالبوا بعودة الجيش إلى الثكنات، وقد زرته فى المعتقل وكان عمرى نحو 8 أعوام، انتظرنا أنا وأمى فى حجرة المأمور، وبعد وقت دخل علينا والدى ويده مقيدة بالحديد إلى يد عسكرى، لكنه رفع يده إلى أعلى يقول لى «شايف؟» وأشار إلى العسكرى «أنا سجنت الرجل ده لأنه بيعمل حاجات وحشة» كان يريد أن يطمئننى، فابتسمت له وادعيت أننى أصدق ما يقوله.

 كأحد الظرفاء.. ما أشهر المواقف له فى السجن؟

من نوادره فى المعتقل ما حكاه لى الأستاذ محمد عوده حين كان الاثنان فى سجن روض الفرج، فخرج عليهما ثعبان من شق فى الزنزانة، فأخذ والدى يتحدث إلى الثعبان بهدوء شديد ويقول له «أنت تعبان طيب وصاحب عيال، وأنا كمان صاحب عيال.. ليه تحاول تؤذينى أو أنا أحاول أقتلك؟ أنت بتحب الحياة وأنا كمان.. أحسن حاجة تنصرف فى أمان». يقول عودة «العجيب أن الثعبان رجع ببطء إلى الشق الذى خرج منه». وقد حكى صلاح عيسى فى مقال له عن لقاء الوالد بوزير الداخلية حينذاك شعراوى جمعة، وكان الوزير يحاول إقناع والدى بالانضمام إلى التنظيم الطليعى الحكومى، وكان المفترض أنه تنظيم سرى، رغم أن رئيسه وزير الداخلية، فقال له الخميسى «الحقيقة ده تنظيم سرى وأنا لسانى فالت.. لا تبل فيه الفوله، وربما بعد أحد الاجتماعات أخرج وأفشى بعض الأسرار ويقبضوا عليكم!» وضحك شعراوى وأدرك أنه لا يريد الانضمام إليهم.

 الغربة تكون أشد على من يعشقون تراب الوطن مثل القديس كيف كانت مرحلة اغترابه خاصة أنها انتهت بوفاته وأنت كنت جزءًا من هذه التجربة؟

والدى أيقن من البداية أنه لن يستطيع أن يكتب بحرية فى مرحلة السادات، خاصة مع تصريحاته المتكررة بأن الديمقراطية لها أنياب، فهاجر من مصر مع الكثيرين الذين أطلق عليهم حينذاك «الطيور المهاجرة» وكان منهم الشاعر أحمد حجازى، ومحمود أمين العالم، ونبيل زكى، وغيرهم. سافر إلى لبنان، ثم العراق، وفرنسا، وبعدها سافر للاتحاد السوفيتى، وكنت وقتها طالباً فى الكلية التحضيرية أدرس لغة، زارنى فى الكلية ولم يكن يعرف كلمة روسية واحدة، لكنه عندما استقر هناك لاحقاً تمكن فى وقت قصير من مصادقة الكثيرين، وكانت شقته مكاناً لاستقبال الجميع، وكان يتدخل لحل مشكلات بعض الطلبة هناك، ومرة طالب مصرى طلب منه أن يساعده ليحصل على منحة دراسية، وذهبنا إلى منظمة التضامن السوفيتية، وتحدث والدى مع موظف عادى هناك، وبعد أن مشينا قال لى «الموظف ده هايبقى رئيس جمهورية»! العجيب أنه بعد وفاة والدى وزوال الاتحاد السوفيتى أصبح ذلك الموظف رئيساً بالفعل لإحدى الجمهوريات التى انفصلت. وذكرنى ذلك بحكاية أنه رأى سعاد حسنى، وبعد نظرتين قال: هذه البنت نجمة. كانت لديه قدرة عجيبة على رؤية الأشياء البعيدة. وفى الغربة كتب قصائده الجميلة مثل:

كسروا ذراعى

لكنى حفرت على جدران مصر أناشيدى بأظفارى

دمى هنالك مكتوب

وإن طمسوا حروفه

أجىء فى الظلماء كالنار

وحيث هم صلبونا

كلما بزغت شمس

رأى الناس فيها لون أشعارى.

وكانت وصيته أن يدفن فى مسقط رأسه فى المنصورة، ويكون بجوار قبره شجرة، وقال «لأنى سأعود عصفوراً، ولابد أن أجد مكاناً حتى أغنى من فوق أغصانه».

 ما مدى تأثرك به فى حياتك وكتاباتك؟

«لم أتأثر به ككاتب، ولكن شخصيته أثرت فى كتاباتى، وأعتقد أننى أخذت منه ما أعتبره عيوباً، أقصد عدم الاهتمام بالفلوس وعزة النفس. ويحزننى بالطبع أن مبدعاً بحجم والدى «القديس» لم ينل حتى الآن أى تكريم من أى مؤسسة، ولا رصدت جائزة باسمه بالرغم من تكريم الدولة اليومى تقريباً للكثيرين. على أى حال تبقى أعماله، وشخصيته، شاعراً وقاصاً ومسرحياً وممثلاً ومخرجاً وموسيقياً، ولعله الوحيد فى الثقافة المصرية الذى تقلب بين كل الفنون، وكانت كلها ملعبه على حد قول أحمد بهجت.


 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد