القهوة .. رائحة الخيال وطعم الذكريات

القهوة.. كتب عنها كل مبدع باعتبارها شريكة الدرب، ولكن اختلفت التفاصيل التى ربما تذوب فى حبات القهوة المطحونة، لتعطى كل كاتب سر اختلافه، فهى نداهة الأفكار وجنية الشعر،

القهوة.. كتب عنها كل مبدع باعتبارها شريكة الدرب، ولكن اختلفت التفاصيل التى ربما تذوب فى حبات القهوة المطحونة، لتعطى كل كاتب سر اختلافه، فهى نداهة الأفكار وجنية الشعر، هى كالعجوز المعمرة التى لها أحفاد بررة، يقبلونها كل صباح ومساء.. ولها أحباب من المبدعين والكتاب تمنحهم رائحة الإلهام، ولهم معها أسرار وحكايات يتذكرونها فى اليوم العالمى للقهوة الذى يوافق أول أكتوبر من كل عام.

«الإذاعة والتليفزيون» دعت نخبة من المبدعين على «فنجان قهوة» وبدورهم بادروا باستقبال الدعوة بأفضل منها؛ ليقولوا لقارئ المجلة: «قهوتك عندى».

سيد الوكيل: «الراديو» طقس يومى مع قهوة الرابعة

الروائى والناقد سيد الوكيل يتذكر قهوة جدته وطقوسه فى شرب القهوة مع الراديو، ومساعدة القهوة له فى إنجاز أهم كتبه، ويقول: مساءً ندير مؤشر الراديو على إذاعة الأغانى لنسمع معا محمد عبد الوهاب. يبدو أن الطقس والالتزام به يمنحنا حالة خاصة من البهجة، ويضبط الإيقاع النفسي. لقد اكتشفت أثر القهوة على منحى درجة من صفاء الذهن، وانبثاق أفكار طازجة وعميقة أشبه بحالة تأمل ساعدتنى فى إنجاز كتابى "عملية تذويب العالم" وهو كتاب يرصد أثر التكنولوجيا على الحياة اليومية، وهو موضوع جديد كل الجدة على الثقافة العربية.

ويواصل: كلما كنت أوغل فى الكتابة كنت أحتاج المزيد من القهوة، فأصبت بوعكة واضطراب ذهني، لهذا رحت أقرأ عن القهوة وأفهم أسرارها العلمية حتى عرفت أن المزيد منها يحول الانتباه واليقظة إلى قلق وتشتت، ومع الوقت تفقد مفعولها، وأن ثلاثة فناجين موزعة على النهار كافية لليقظة والمزاج الرائق.

ويضيف: أبدأ الصباح بفنجان. وفى منتصف النهار بالضبط أشرب الثاني، وأحافظ على طقس الرابعة الذى أصبح اسمه قهوة عبد الوهاب. لكن الحقيقة أن شرب القهوة يفرض حالة طقوسية. كانت جدتى تطحن البن بنفسها وتمتلك صندوقا يحتوى عدة القهوة تضعها أمامها وتفتح الراديو على مسلسل الساعة الخامسة عصرا. لم أفهم سر ارتباط الراديو بالقهوة حتى الآن. لا يمكننى أن أتذكر القهوة أو أشربها أمام التليفزيون أبدا. وأعتقد أن لا أحد يفعل ذلك. ويكمل الوكيل: حاولت أن أفعل مثل جدتي، فاشتريت سبرتاية ومطحنة يدوية، لكن يبدو أن هذا لم يعد يناسب عصرنا، فسرعان ما عدت إلى البوتاجاز والبن الجاهز، ولكنى أشترى التحويجة وأطحنها بنفسي.. الناس زمان كانوا يمارسون الطقوس ويصبرون عليها، لكن حياتنا اللاهثة لا تسمح بذلك. فاكتفيت بعبد الوهاب كطقس يومى مع القهوة.. أما فنجان الصباح فليس فى حاجة إلى طقس. عادة يكون عقلى نائما، وعادة تفور منى على البوتاجاز، لكن وأنا أرتشف فنجان الصباح أشعر بعقلى يمارس طقس الاستيقاظ. ويلهمنى بموضوع يصلح للكتابة. وأحيانا تتدفق الكتابة فأنسى فنجان منتصف النهار. لكن عقلى يتوقف فى الرابعة، ويذكرنى بعبدالوهاب.. أصبح هناك ارتباط شرطى بين عقلى والقهوة.

وليد الخشاب: جسر بين الواقع والخيال

الشاعر وليد الخشاب، أستاذ الدراسات العربية فى جامعة يورك بكندا، يؤكد على عشقة لهذه الحبة البنية، ويقول: القهوة ماء الحياة، بها أبدأ يومى وبها تزيد ساعات الحياة اليقظة، وهى واحدة من أصفى أصدقائى وأكثر جلسائى إخلاصا، وهى جسر بين عالمنا وعالم الخيال والروح. أفتقد القهوة التى لا أشربها إلا فى مصر وأفضلها سادة ومحوجة.

فى كندا، حيث أقيم، أشرب القهوة الأمريكية وأفضلها فاتحة وسادة مع شىء من اللبن. تحضرنى القهوة على وجهين: وجه الشعر والقصائد القصار التى أكتبها فى عشق القهوة، ووجه البحث العلمى ودرس "القهوة فى العالم العربى وعلاقتها بثقافة العولمة" الذى أدرسه سنويا فى جامعة يورك بكندا.

ويضيف: أزعم أننى من أكثر شعراء جيلى تغزلًا فى القهوة، ولا يخلو ديوان من دواوينى من إشارة لها منذ ديوانى الأول "الموتى لا يستهلكون". ذكرت القهوة ثلاث مرات فى ذلك الديوان وخصصت لها مقطعا: "القهوة/ إكسير الهلوسة/ علامة الأزمنة الجديدة". كنت أنظر للقهوة فيه باعتبارها صديقة تقاوم الاكتئاب ونوعا من الخمر الصباحية. فى دواوينى اللاحقة وفى مشروع لم ينشر بعد، القهوة مساحة فى دائرة العشق والصوفية. أقول للحبيب/الحبيبة مثلا: "عيناك زارتاني/ ونرجس/ فى صوف الروح/ يدفئ قهوة الأبدية".

ويفسر الخشاب سر سحر القهوة قائلا: منذ أن كتب درويش: "أحن إلى خبز أمي/ وقهوة أمي/ ولمسة أمي"، والقهوة مفردة حنون تحتل مكانا محببا فى قصائد النوستالجيا والغزل، ليس فقط لأن درويش كتب وتحدث كثيرا عن القهوة، ولا لأنه من أئمة الشعر ويحذو حذوه المئات، ولكن لأن قصيدته إحدى حلقات الوصل بين الشعر التفعيلى الحر وقصيدة التفاصيل اليومية. ولأن شرب فنجان القهوة هو واحد من أكثر تفاصيل الحياة اليومية تكرارا فى عالم اليوم فى أرجاء الأرض كافة، كان طبيعيا أن تكتسب القهوة حياة شعرية جديدة مع ذلك النوع الجديد، الذى يحتفى بشعرية العادى واليومي: قصيدة النثر.

ويضيف: تزامن صعود نجم القهوة فى الشعر الحديث -فى العالم كله- مع ترسخ العولمة الرأسمالية شيئا فشيئا فى القرن الماضي، ليس فقط لأن شرب القهوة صار علامة على بداية اليوم وعلى البحث عن متعة بسيطة محببة، أو بداية "تساند" الإنسان فى مواجهة العالم، ولكن أيضا لأن القهوة أيقونة ترتبط -بالنسبة للملايين المهتمين بالروحانيات خارج المركزية الغربية- بإعادة اكتشاف العوالم الروحية والرمزية لثقافات الجنوب (مثل أمريكا اللاتينية) والشرق (مثل العالم العربى والمحيط المسلم). فالقهوة تصل لكل أسواق العالم، قادمة من أفريقيا والعالم العربى (إثيوبيا واليمن) ومن أمريكا الجنوبية. والقهوة فى التراث الروحى الإنسانى مشروب الصوفية بامتياز. يشربونها لتفتح عوالم الإنسان الباطنية ومساحات الخيال فى روحه، وتساعدهم على السهر فى حلقات الذكر. لهذا اكتسبت القهوة بعدا رمزيا إضافيا يتوازى مع الاحتفاء العالمى (فى الغرب) بالصوفية المسلمة وبتكريس جلال الدين الرومي، الشاعر الصوفى العظيم، كعلامة معولمة على روحانية إنسانية لا تقفل باب اللذة وتستقبل العالم بشقيه المادى والروحى بصدر رحب لا يعرف الحدود بين الأمم والبشر. احتفاء الغرب المعولم بالرومى وروحانيته وشعره يوازى احتفاءه بالقهوة، للأسباب نفسها.

يواصل الخشاب غزله فى القهوة المشفوع بدراسات ورؤى لثقافات أخرى قائلا: يعتز الكنديون بقهوة "تيم هورتون". فمحال القهوة التى تحمل هذا الاسم، والبن الذى يحمل تلك العلامة التجارية، من علامات الهوية الكندية، تماما مثل الجليد ولعب الهوكي. خارج المنزل، أحب جدا أن أشرب قهوتى فى واحد من محال "تيم هورتن"، لأنها مفتوحة للجميع ولا تقدم قهوة مبالغا فى سعرها بهدف إحداث فرز طبقى للرواد. القهوة ديمقراطية فى مشاعية متعتها وسعرها واحتفاء البلايين بها، وأنا أقدم مساهمة بسيطة فى التأكيد على تلك الديمقراطية بدعم المقاهى التى تخدم الجميع من كافة الطبقات.

ويكمل الخشاب: حتى بداية الثلاثينات من العمر، لم أكن قد شربت إلا عددا محدودا من فناجين القهوة والنسكافيه والكابوتشينو مجتمعين، حتى إنى أستطيع تذكر أول بن تذوقته فى حياتي: كان فنجان نسكافيه وكنت فى العاشرة تقريبا من عمري، ونصحتنى أمى بشربه لكى أستطيع السهر أثناء مشاهدة مسرحية لعلها كانت "لوليتا" بطولة أمين الهنيدى وصفاء أبو السعود عام 1974. وأذكر أجمل قهوة تركية دوبل شربتها فى شبابي، فى ليلة سهرناها حتى الصباح أنا وزملاء من جمعية خضرة، أثناء إنهائنا لتسجيل التعليق على فيلم قصير يشرح نشاط الجمعية ويدعو لمساندتها، وكنت فى حوالى العشرين.

ويواصل سرد حكايته مع القهوة: لم تكن القهوة طقسا يوميا قبل وصولى إلى كندا لإعداد الدكتوراة فى جامعة مونتريال. عندما التحقت بى مى التلمسانى وولدانا فى عام 1998، كنا نودع ابننا الأصغر دار الحضانة يوميا ثم نذهب إلى مكتبة الجامعة لنذاكر، وفى فترة الراحة نشرب معا قهوتنا اليومية. هكذا ارتبطت القهوة بكندا، وبالأنس، وبالعشق، ولكن باعتبارها قهوة أمريكية. فلا أشرب القهوة التركية إلا فى مصر. والإسبريسو -الذى يندر أن تجد مقهى يجيد صنعه فى كندا- ما هو إلا تذكرة بأن القهوة التركية -القهوة الحق- عزيزة المنال. ومع ذلك، فالقهوة فى خيالى باب ينطلق منه الشوق، وسر بين العشاق. ينادى العاشق الحبيب أو ليلى، وأنا أناجى القهوة فى المقام نفسه. ولهذا أشرب القهوة فى الشمال حيث أعيش لتنقلنى بسحرها إلى الشرق، حيث مصر، وإلى اليسار، موطن القلب.

رباب كساب: أتمنى أن تصبح أيامى مضبوطة مثلها

الروائية رباب كساب تروى حكايتها مع القهوة، وبداية التعرف عليها من القرية حتى أكبر محلات بيعها فى القاهرة، وتقول: كنت صغيرة أتلقى اللوم بشكل دائم لشربى الشاي، فلا يصح أن تشرب الفتاة الصغيرة الشاى فما بالك بالقهوة!، حتى بعدما كبرت وصرت امرأة عاملة كان هناك استنكار لا مثيل له من الزملاء، خاصة القرويين، لشربى القهوة، ومازلت إلى الآن أجد مشروبهم الذى سمحوا به الشاى باللبن مائع بلا هوية، حاولت معه كثيرا لكننى فشلت أن يكون قريبا مني.

وتضيف: لم تكن أمى من هؤلاء الذين يعكرون صفوى بتلك الكلمات، حتى إننى عندما طلبت القهوة وأنا فى المرحلة الثانوية اشترتها لى خصيصا، ولم يكن أحد فى البيت يشربها، بينما يتعجب الأهل من تسامحها الشديد معي، فى حين أنهم يفاخرون ببناتهم اللاتى لا يعرفن شيئا عن تلك المشروبات. كنت أمر بمحال البن وأقف متسمرة تأخذنى الرائحة، وأعلم أننى سأحب مشروبا له تلك الرائحة البديعة، وخاصة أننى أنفر من المياه الغازية والعصائر بكافة أشكالها، كنت الطفلة الوحيدة التى لا تستطيع أن تشرب زجاجة مياه غازية كاملة بل ولا تفكر فى شرائها، ووجدتنى أقلل السكر فى كوب الشاى منذ المرحلة الإعدادية، ثم جاءت القهوة فكان لمرارتها سحر يوزاى سحر رائحتها التى كانت تجذبنى وتسمرنى مكانى لأستزيد منها، وبداخلى مشاهد من أفلام قديمة لسيدات يطحن البن بأنفسهن ويجلسن ليضعن القهوة على السبرتاية، فى طقس يشعل مخيلتى ويشغل من تفكيرى حيزا لا بأس به، ولقد كانت السبرتاية أول مقتنياتى حين صار لى بيت خاص بى.

وتكمل كساب: علاقتى بالقهوة ظلت لسنوات بين الخوف والترقب، خوف من أن تضرنى كما يقولون، وترقب لما تفعل بي، فأنا لا أسهر إن شربت القهوة، لكننى أستمتع حين أشربها، تنبه حواسى وتضبط مزاجي، آتى إليها بحس مشتاق، أفارقها لأعود، أقترب وأبتعد، وضعتها فى مرتبة المكافأة، وكثيرا ما كنت أصنعها فى غياب كل أفراد البيت، مختلسة فرصة غياب أمى لأخرج واحدا من فناجينها الممنوع الاقتراب منها دون علمها بالطبع، لأصنع القهوة وأجلس لآخذ أول رشفة من وجهها الذى أصبر طويلا حتى أحصل عليه، وقد أعددت أوراقى وأقلامى قبل أن أتعلم الكتابة على الكمبيوتر أو اللاب توب، فباتت رفيقة أهم طقس فى حياتى.

وعن خبرتها بأنواع البن تقول: لم تكن أنواع البن فى مدينتى كثيرة، كنت أتقلب بين نوع وآخر وأترقب العائدين من الخارج محملين بأنواع تسعدنى وتجعلنى لفترة سعيدة غير متحيرة فى اختيار نوع أطمئن وأنا أشربه، ثم حين أقمت فى القاهرة بت أبحث على محال البن وأجرب وأجرب، مثلما عرفت أى المقاهى تقدم القهوة الجيدة، وأى المحال الغالية يستحق أن أدفع فيه ثمنا باهظا لفنجان صغير. مازالت القهوة مكافأتى، لا أغالى فى شربها ولا أُكثر منها، أضع لها مواقيت، سنوات وسنوات وأنا أشربها مضبوطة وأتمنى أن تصبح أيامى مضبوطة هى الأخرى.

وتضيف كساب: العام الماضى شهد تغيرا كبيرا، لقد غيرت شكل قهوتى تماما، فلم أعد أشربها مضبوطة فاتحة اللون، كانت المشروب الوحيد الذى أضع به بعض السكر، لكننى توقفت عن السكر تماما مع اتباعى لنظام غذائى لخسارة بعض الوزن، وكان عليّ أن أسحبه من قهوتى، فكرت أن أفعل ذلك تدريجيا، لكننى كنت أعلم أننى لن أستطيع فعل ذلك، المفاجأة دائما تصنع الفارق، فكان لابد وأن أفاجئنى، فسحبت السكر منها مرة واحدة، وأشار عليّ أحد الأصدقاء أن أجرب طعم القهوة السادة مع البن الغامق، فدخلت عالما رحبا، لا أعرف كيف غبت عنه كل تلك المدة، لمت نفسى كثيرا أننى لم أجرب سحر القهوة بلا محسنات وبهذا اللون الغامق، قهوة سادة غامقة، هكذا أشربها الآن، وبت أرى أنها لا تشرب إلا بهذا الشكل. ومن دواعى السعادة أن تشرب قهوة غامقة سادة، مع قطعة صغيرة من الشيكولاتة الغامقة، إحساس لا مثيل له.

طارق هاشم: الفنون كلها مدينة لتلك الرائحة

الشاعر والمترجم طارق هاشم يبعث برسالة إلى صناع القهوة يؤكد لهم فيها أن العالم لا يكتمل إلا بوجودهم، وأن القهوة حاملة للأسرار، وأنها كالمرأة لا يمكن تحمل العالم بدونها، ويقول: الحياة لا تكتمل إلا فى ظل حبيبة، قد تهبك دمها وأحلامها دون شرط، كذلك العالم لا تكتمل وحدته دون أن يكتمل مزاجه وأسطورته الغارقة فى الرائحة، التى عليها شب وأحب وآمن، هكذا تصبح القهوة روح العالم وأساطيره اليومية، فقد استطاعت أن تبنى لنا بيتا فى هذا العالم. هناك علاقة كبيرة بين وجودنا والرائحة، الرائحة أوجدت العلاقة بين الأماكن التى اخترناها، والأماكن التى اختارتنا. القهوة دفعتنا لاختيار أماكن بعينها، وأصبح بيننا رابط سري. القهوة بوسعها أن تنشئ عالما بأسراره وأماكنه الممتدة عبر تاريخها الطويل، كثيرا ما كنت أبحث عن تفسير لجملة محمود درويش "ورائحة البن جغرافيا".

ويضيف: القهوة قادتنى إلى أماكن لم أتخيل أننى سأصل إليها فى وقت ما، تحملت الكثير من الطوابير والمتاعب لأجلها، هناك أماكن تعشق البن كما يعشق اللحن الغناء. كنت أذهب فى الأمسيات إلى مقهى صغير بلا أبواب فى سوق التوفيقية من أجل "عم أحمد"، صاحب أجمل كوب قهوة فى هذا الحى العريق، وكنت قد سألته ذات مرة عن سر إتقانه للقهوة، فأجابنى أنه بعد حرب أكتوبر لم يجد شيئا يتوحد معه سوى القهوة.

ويكمل هاشم: مع فنجان القهوة كانت تبدأ حكايات وتنتهي، كانت الأمسيات لا تحلو إلا ورائحة البن تخترق مساماتنا، كان الليل ينقضى كجملة فى لحن وحيد. مع أم كلثوم عشقت القهوة، ووجدت علاقة بين رائحة البن وطزاجة صوتها فى كل مرة، ففى القهوة تسكن المقامات الموسيقية بتنوعها وإيقاعاتها المختلفة، كذلك تختلف القهوة من يد إلى يد، وكل الأيادى سواء، عدا يد زوجتى وهى تعد لنا القهوة فى يوم الإجازة.

ويضيف: البن يحزن أيضا كالبشر، فقد يتأثر بالحالة الاقتصادية والعالمية، لكننا نقاوم ونصنع ما فى وسعنا حتى لا نخون عهدنا مع جغرافية دمنا، القهوة أيضا تربطنا بأناس قد لا يكون بيننا وبينهم أى سابق معرفة، فقط لكونهم يجيدون صناعة القهوة.

وعن علاقته بأنواع البن المختلفة يقول: أحببت البن الكولومبى بشتى درجاته، كما أحببت الكولومبى جابرييل جارثيا ماركيز فى شتى حالاته، لابد أنه الآن يفتقد رائحة القهوة فى سفره البعيد. لا أعتقد أن العالم سيكون أفضل حالا إذا غابت القهوة أو اختفى صانعوها، فهى كالمرأة من الصعب تخيل العالم أو تصوره دونها، فالقهوة هى الصاحب الذى لا يخون صاحبه ولا تدخل البيوت دون أن تستأذن أو تطرق الباب، كلنا كان يترك دموعه فى حضن فنجان صغير، دون أن يجرحه باعتراضه. أتذكر جملة من فيلم "حالة حب" للمبدع سعد هنداوى "طعم القهوة فى طرف صباعك".

ويختتم هاشم حديثه قائلا: الفنون كلها مدينة لهذا السحر ولتلك الرائحة التى لا تفارق أنوفنا، وكانت رفيقنا الذى لا يغيب، لسنوات طويلة احتمينا بالقهوة من قهر أحزاننا ومتاهاتنا، كانت السكن فى أوقات لا نملك سوى أن نحكى معها، نختبر قدرتنا على التحمل، كانت كصديق يبدو صامتا إلا أنه مع كل رشفة كان صوته واضحا. فيا صناع القهوة فى هذا العالم لابد أن تعرفوا أنه لا يكتمل إلا بوجودكم.

الطاهر شرقاوى: أراقب العالم من الفنجان

علاقة الكاتب الطاهر شرقاوى بالقهوة بدأت مضطربة، ربما بسبب تسمية الشاى فى بيتهم باسم القهوة، وهو يعتبر السكر دخيلا يعكر عليه صفو اللحظة..

يقول شرقاوى: بدأت علاقتى بالقهوة حديثا نسبيا، فلم تكن من مفردات الحياة فى مرحلة الطفولة، إضافة إلى أنه فى بيئتى الصغيرة كانوا يطلقون على الشاى اسم القهوة، بشكل مجازى طبعا، وهو ما أدركته فيما بعد، فيقولون مثلا "اتفضل اشرب قهوة" ويقصدون الشاى، أو "أعمل لك قهوة؟" ويعنون "الشاى" أيضا، وربما هذا التلاعب بالألفاظ والمجازات سبب تأخر علاقتى بها، فارتباط الكلمتين بهذا المعنى، جعل وعيى لا يلتفت لها ولا يحاول اكتشافها.

ويواصل شرقاوى حكايته قائلا: جاءت اللحظة لهذه العلاقة، التى لم تكن جيدة فى البداية، ربما كان انطباعى وقتها أنها أخذت أكثر من حقها، أو أن محبيها يبالغون كثيرا فى التغزل بها، لكن مع الوقت بدأت تلك العلاقة فى التحسن، لأدخل مرحلة تحضير القهوة فى البيت، وشراء العدة المخصصة لذلك "كنكة وأكواب زجاجية صغيرة"، وأيضا كانت محاولات غير مرضية بشكل كاف، لتبدأ العلاقة فى التوتر من جديد، قبل أن يأتى صديق سودانى ويكشف لى أسرار تحضير القهوة، لتعود وتتحسن تلك العلاقة نحو مسار أفضل هذه المرة.

ويضيف: فى البداية كنت أفضل القهوة "زيادة"، لكن بعد فترة ملت إلى تفضيلها "مضبوط"، وهو الأمر الذى يجعل طعم حبات البن أكثر وضوحا وقوة ونقاء، مزيحا طعم السكر "الدخيل" إلى الخلفية البعيدة، وكأنه مجرد موسيقى تصويرية خافتة مناسبة لطبيعة اللحظة. لحظات تناول القهوة لها طقوسها التى ربما لن أستمتع بها لو تم تحطيم تلك الطقوس، وأولها عدم الحديث مع أى شخص والاكتفاء فقط بالانفراد بالقهوة، ليصبح الدماغ مركزا فيها فقط، وليس فى أى شيء آخر، وأتمنى فى تلك اللحظة عدم رنين التليفون، فمجرد الحديث سيفقدنى متعة الإحساس بطعمها وتذوق تفاصيلها والاستمتاع بمرارتها، وربما أشعر بعد الانتهاء منها وكأننى لم أشربها وأفقد كل ذكرياتى معها.

 ويكمل: ثانى الطقوس، مراقبة العالم أثناء تناول القهوة، سواء كان هذا العالم الشارع الذى أمام المقهى أو السماء، أو سقف الحجرة، مجرد النظر إلى شىء ما، وثالث الطقوس، عدم تناول أى شىء بعد القهوة، لا طعام ولا شراب، حتى أحتفظ بطعمها لأطول فترة ممكنة.

 نهى محمود: أقابل نفسى.. وأشربها سادة

نظرت الروائية نهى محمود إلى الجانب الآخر "للقهوة"، فالمكان والفنجان متلازمان للإبداع، والقهوة المكان هى نداهة المشروب، ومكان لنفض الغضب وتجديد الطاقة، تقول: لدىّ عدد معقول من المقاهى المفضلة، عشرات التعويذات التى صنعتها على الورق كانت فى مقهى ما، لابد لكل كتاب نشرته أن يكون هناك فصل أو بضع صفحات كتبت فى مقهى. فى كافيه بمدينة الشيخ زايد كتبت قصتى الأولى للأطفال "قصة البصلة"، كنت أدور منذ شهور بمذكرة لها أوراق صفراء لطيفة، أكتب فكرة عن القصة هنا وهناك، وذات صباح جلست فى ذلك الركن الذى ابتسم لى وأنا أتمشى فى "الهايبر" دخلت وفردت أوراقى وأنهيت القصة/ الكتاب كاملا. كتاب صغير لا يتجاوز 3 آلاف كلمة، لكنه انتهى ووشم المكان بحكايته.

وتضيف: روايتى "راكوشا" أيضا كتبت معظمها أيام السبت فى مقهى بوسط البلد، كان يوم واحد مخصصا للوحدة، أغادر البيت، وأتوجه للسيدة زينب، أتمشى حتى أصل للسيدة نفيسة، أدور فى الشوارع وأتنفس الهدوء المميز لصباحات السبت، ثم أعود لوسط البلد وأجلس على طاولة مفضلة وأكتب، شهور استمر فيها ذلك الطقس حتى انتهت "راكوشا" روايتى الثانية.

وتكمل: للمقاهى فى روحى محبة، وطعم الأصدقاء وبهجة اللمة الحلوة، حيث مئات التجمعات مع دائرتى المقربة من الأحبة، يجمعنا الحديث عن الكتابة والسينما، نضحك ونشرب القهوة والشاى ونأكل سندوتشات الفول والكبدة والحلوى ونتجمع. فى تلك اللمة وذلك الطقس أطمئن أن كل شىء بخير، هناك تجمعنا قبل ندوات كتبنا، أو احتفالا بجوائز وأحداث شخصية، هناك لى حكايات من الطمأنينة الخالصة بين أصدقائى.

وتواصل نهى: بعض المقاهى موصومة داخلى بالفقد، أتجنبها قدر الإمكان، يذكرنى مقهى فى وسط البلد بصديق قاص توفى شابا، كلما مررت من هناك رأيت ضحكته. آخر مرة تجمعنا أنا وأصدقائى على مقهى صالح الذى اقتسم معنا الكثير من اليانسون والكشرى والغضب والفرح والضحك والحديث عن الكتابة، همس لى صديق بإحساس كنت أتجاهله قال "لم أعد أحب المجىء إلى هنا، يذكرنى بصديقنا الشاعر مجدى عبد الرحيم". والحقيقة أن عشرات الصور جمعتنا به هنا على هذا المقهى، يظهر بطلته الطيبة ويجلس وسطنا، نتحدث عن كتب الأطفال والشعر، روحه وابتسامته هناك أيضا.

وتكشف نهى عن علاقتها بالمشروب قائلة: لديّ مقهى سرى جوار العمل، أقابل فيه نفسي، أجلس معى، أشرب قهوتى السادة فى فنجان، وألعب كاندى كراش على هاتفى، أحب ذلك المكان لأنه يمتص طاقة غضبى وإرهاقي، أدخله ثقيلة القلب والروح محملة بمنغصات وزحام اليوم، وأخرج منه بعدما جلست معى جلسة هادئة طيبة مبتسمة قادرة على احتمال أيام أخرى وسخافات جديدة، لا مكان لذلك التبدل السريع الرائع فى مزاجى سوى مقهى الوحدة ذلك.

وتضيف: أشرب قهوتى سادة، دائما بلا سكر، أحبها فى فنجان ومعها زجاجة ماء، أضع رشفة صغيرة من الماء على وجه الفنجان، لا أذكر من علمنى تلك العادة، أتذوق شيئا من القهوة بطرف إصبعي، لأتأكد أنها سادة، لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث أن يسمع النادل بالخطأ سادة على أنها "زيادة"، وأفاجأ بطعم السكر مع البن فى فمى، وهو ما لا أحتمله.

طالما رددت فى نفسي، أن المقهى أفضل اختراعات البشر، إنها حلم جميل، لا شىء أو أحد يقدر على تعطيله أو سلبه، لكنه تحول إلى كابوس مغلق بعد جائحة كورونا. كنت أمر على المقاهى المغلقة المهجورة وأشعر بغصة فى قلبي، وأبتسم للذكريات الحلوة وأخبرها أن كل شىء سيكون بخير.


 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

أجمل موديلات تنانير عصرية لكل الأوقات والمناسبات

تعتبر الملابس انعكاساً حقيقياً للذوق الشخصي، وفي عالم الموضة النسائية، تظل قطعة التنورة هي الرمز الأقوى للأنوثة والرقي والراحة في...

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية