للشاعر العراقى الكبير مظفر النواب قصيدة شهيرة فى مديح مولانا الحسين ورثائه، عنوانها: "فى الوقوف بين السماوات ورأس الإمام الحسين"، يصف فى بعض أبياتها شموخ الإمام
للشاعر العراقى الكبير مظفر النواب قصيدة شهيرة فى مديح مولانا الحسين ورثائه، عنوانها: "فى الوقوف بين السماوات ورأس الإمام الحسين"، يصف فى بعض أبياتها شموخ الإمام وكبرياءه وجسارته يوم كربلاء: "ألست الحسين ابن فاطمة وعلى.. لماذا الذهول؟.. تعلمت منك ثباتى وقوة حزنى وحيدا.. فكم كنت يوم الطفوف وحيدا.. ولم يك أكثر منك شموخا وأنت تدوس عليك الخيول".
ولولا أن مظفر النواب يذكر الحسين بالاسم، ويمدحه بالتحديد، لجاز أن ينسحب الوصف نفسه على السيدة زينب، وكأن الشموخ من ميراث آل بيت النبى، وكأن الثبات فى مواجهة المحن والأهوال مكتوب عليهم.. وكأنهم منذورون له!
كانت حياة السيدة زينب رضى الله عنها سلسلة متصلة الحلقات من المآسى والمحن والشدائد، لا تخرج من واحدة حتى تجد أشد منها، لكنها – رغم ما شهدت وشاهدت من محن – كانت راسخة كالجبال، صابرة ومحتسبة، شامخة كالحسين، حتى وهو يواجه وحده جيشا بأكمله.. حتى وهو تدوس عليه الخيول وتنهال عليه الطعنات.
(1)
لم تهنأ زينب فى حياتها سوى فى السنوات الخمس الأولى لها، منذ مولدها فى بيت النبوة فى السنة السادسة من الهجرة، وكانت مضرب الأمثال فى الحسب والنسب من فرعيها، فأمها هى الزهراء البتول، فاطمة أحب بنات النبى إليه والوعاء الطاهر للسلالة النبوية الشريفة، وجدها لأمها هو النبى المصطفى، وجدتها لأمها هى خديجة أم المؤمنين وحبيبة النبى وأولى زوجاته وأم أولاده.. ومن جهة الأب، فهى ابنة علىّ كرم الله وجهه، الفارس، أمير البيان، باب مدينة العلم، إمام المتقين وأمير المؤمنين.. وجدها لأبيها هو أبو طالب، عم النبى وحاميه ومربيه بعد وفاة أبيه وجده.. وجدتها لأبيها هى فاطمة بنت أسد، التى كان النبى يدين لها بالفضل فى تربيته ورعايته والإحسان إليه فى السنوات التى تكفل به عمه، ولم يتردد النبى فى إنفاذ وصيتها بأن تكفن فى قميصه ويدفنها بيديه الشريفتين .
وفى بيت النبوة حظيت زينب الطفلة بتدليل وحنان خاصين، فجدها المصطفى هو الذى اختار اسمها، تيمنا باسم خالتها زينب، كبرى بناته من خديجة، وكانت تحتل موقعا خاصا فى قلب النبي، وحزن عليها بشدة عندما رحلت قبل قليل من ميلاد زينب بنت فاطمة وعلى.. وفى حجر النبى عاشت سنواتها الأولى، تحظى بمحبته الغامرة، وكأنه كان يقرأ كتاب الغيب ويعرف أن هذه الطفلة بديعة الحسن لن تهنأ طويلا، وإنما جاءت إلى الدنيا منذورة للأحزان.. وبدأت مواكب الأحزان وهى فى الخامسة، لم تكد تعى الدنيا حتى جاء الحدث الذى زلزل بيت النبوة برحيل جدها المصطفى، فلم تعد الدنيا هى الدنيا التى عاشتها هانئة ومدللة فى حضنه، كان موعدها الأول مع فقد الأحبة من آل البيت، ومنذ ذلك اليوم الذى انتقل فيه جدها إلى الرفيق الأعلى لم ترَ ابتسامة على وجه أمها فاطمة، بل كانت الدموع لا تفارق وجهها، والحزن يعتصر قلبها لوعة على أبيها، ثم كانت الطامة التى خلعت قلب زينب، حيث لحقت أمها بجدها بعد نحو ستة شهور، فذاقت اليتم وهى طفلة وكان عليها أن تنضج قبل أوانها، وتحمل مسئولية البيت وحدها، وأن تصبح أما لشقيقيها الأكبر: الحسن والحسين، ولوالدها الإمام على.. أنضجتها الدنيا قبل الأوان، وحرمتها من وداعة الطفولة وبراءتها، ومثلما كانت فاطمة هى أم أبيها بعد وفاة خديجة، أصبحت زينب هى أم أبيها وأخوتها معا، تنفيذا لوصية أمها الزهراء فى لحظات احتضارها: كونى لهم أما من بعدى يا زينب، وهى الوصية التى كلفتها عمرها كله، ومشقة لا يطيقها بشر.
وحتى بعد زواجها من ابن عمها عبدالله بن جعفر بن أبى طالب ( التقى، السخى، الحسيب النسيب) فإنها لم تترك أبيها وأخوتها، فظلت قريبة منهم، ترعاهم وتقوم بشئونهم كأنها أمهم، تماما كرعايتها لأولادها الأربعة: على، محمد، عون، عباس.. وابنتان، أشهرهما "أم كلثوم" التى كانت آية فى الحسن والأدب، وأراد معاوية أن يخطبها لابنه يزيد، فى دهاء سياسى لافت أراد به شراء مودة آل البيت وكسب المعسكر الهاشمى المتكتل ضده، لكن الحسين - خال العروس- كشف المحاولة، ورفض تزويجها ليزيد، واختار لها ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر بن أبى طالب زوجا .
ولما تولى الإمام على الإمارة وصار أمير المؤمنين بعد مقتل عثمان وقرر الانتقال لمقر الخلافة فى "الكوفة" انتقلت معه زينب بأسرتها، وعاشت أحداث الفتنة الكبرى وصراعاتها الدموية، وكان والدها الإمام على إحدى ضحاياها، وينشرخ قلب زينب حزنا ولوعة من جديد باغتياله غدرا وغيلة وهو يصلى الفجر فى مسجد الكوفة، وتكتب له الشهادة فى سنة 40 هجرية، لتبدأ بعده رحلة المآسى الكبرى فى حياة عقيلة بنى هاشم، وهو اللقب الذى أطلقه عليها حبر الأمة عبدالله بن عباس (ابن عم والدها) اعترافا بعلمها ومكانتها وقدرها، فكان يروى عنها ويقول: حدثتنى عقيلتنا زينب بنت على، فغلب عليها اللقب: عقيلة بنى هاشم.
(2)
لم تكد دموع زينب تجف على أبيها، حتى تجددت أحزانها وسالت دموعها وانفطر قلبها على "الحسن" شقيقها، كان معاوية على يقين أنه لن يهنأ بالسلطة فى وجود "بنى الزهراء"، فقرر التخلص من "الحسن" أكبر أبناء على، ورغم أن الحسن كان مسالما وزاهدا وغير طامع فى سلطة ولا سلطان فإن معاوية نجح فى أن يشترى ضمير "جعدة بنت الأشعث" زوجة الحسن، فدست له السم فى طعامه، وحملت زينب جثمانه لتدفنه بجوار أمها فى "البقيع".
ثم جاءت المأساة الكبرى، رفض الحسين إعطاء البيعة ليزيد ابن معاوية، وكلنا يعرف كيف وجد الحسين نفسه مع 72 من آل بيته وصحبه فى مواجهة جيش جرار يزيد على 4 آلاف مقاتل فى صحراء كربلاء، وحين تخلى عنه الجميع وتركوه يواجه مصيره كانت زينب هى سنده، بل كانت هى جيشه، تحرس الخيام وتضمد الجرحى وتواسى المحتضرين وتبكى الشهداء، وفى اللحظات التى كان يغفو فيها الحسين من عناء القتال كانت تجلس بجواره تحرسه، حيث لم يتبق من رجاله إلا هو، يحارب وحده، إلى أن سقط شهيدا بعد أن تلقى 33 طعنة و34 ضربة، وأمام عينيها "حزوا" رأسه الشريف ومثلوا بجثته!
ورغم الفاجعة التى تزلزل الجبال، بعد أن شاهدت تلك القتلة البشعة لآل البيت، وكان من بين الشهداء ابناها محمد وعون، ورغم هول الموقف إلا أن زينب كان أمامها مهمة ثقيلة، كان عليها أن تحبس دموعها وتسكن قلبها وتواجه وحدها جيشا يزيد وأن تنقذ ما تبقى من آل البيت، فهى الآن المسئولة عنهم بعد أن فقدت كل الرجال، ولولا جسارتها فى ذلك الموقف وإنقاذها لآخر غلام من نسل الحسين لانقطع عقبه الشريف، دافعت زينب ببسالة عن "على زين العابدين بن الحسين" الغلام الأخير المريض والناجى الوحيد من المقتلة، ومنه قدر الله أن يبقى نسل الحسين إلى يوم الدين.
كانت زينب هى بطلة يوم كربلاء، لكن البطولة الأهم بحسب رأى المفكرة الإسلامية الكبيرة د. بنت الشاطئ تبدأ بعد كربلاء وتؤكد بنص كلامها فى كتابها القيم عن السيدة زينب: "لكنى أرى دورها الحقيقى قد بدأ بعد المأساة، إذ كان عليها أن تحمى السبايا الهاشميات اللاتى فقدن الرجال، وأن تناضل مستميتة على غلام مريض –هو على زين العابدين- كاد لولاها أن يُذبح فتفنى بذهابه يومئذ سلالة الإمام، ثم كان عليها بعد ذلك ألا تدع الدم المسفوك يذهب هدرا.. وما أحسبنى أغلو أو أسرف إذا زعمت أن موقف السيدة زينب بعد المذبحة هو الذى جعل من كربلاء مأساة خالدة".
ورثت زينب عن أبيها الإمام فصاحته وبلاغته، فكان هما سلاحها الوحيد فى مواجهة جيش يزيد بكل عتاده ورجاله.. فى مجلس أمير الكوفة الطاغية ابن زياد قاتل الحسين وآل البيت، ورغم أن الأغلال كانت فى يديها، إلا أنها وقفت شامخة مرفوعة الرأس، ترد شماتته وتسخر من قوته وتنذره بعذاب عظيم، فأفسدت عليه نشوته بالانتصار وظفره برأس الحسين..
وفى مجلس يزيد فى دمشق، وقفت بنفس الشموخ تفتخر بحسبها ونسبها الشريف، وتسأله كيف سيواجه جدها على الحوض يوم الفزع الأكبر ويده تقطر بدم سبطه الحبيب الذى قال فيه: الحسين منى وأنا من حسين..؟.. فبهت يزيد وفزع وركبه هم عظيم وأمر بإعادة زينب ومن تبقى من آل بيت النبى إلى المدينة، ثم سرعن ما أدرك خطورة زينب على عرشه وقدرتها على تأليب قلوب الناس ضده، فأمر بإخراجها من المدينة وخيرها بالخروج إلى أى بلد تختاره.. فاختارت مصر!
(3)
وفى مطلع شهر شعبان من العام 61 هجرية تشرفت أرض مصر بمجىء السيدة زينب، وخرج المصريون حشودا يستقبلونها فى بلبيس ويرحبون بعقيلة بنى هاشم وبطلة كربلاء وبنت الزهراء.. كان الاستقبال شعبيا ورسميا، إذ كان فى مقدمة المستقبلين والمحتفين والى مصر "مسلمة بن مخلد" وكبار الأعيان والعلماء، وأصر الوالى على أن يرافق السيدة زينب حتى القاهرة، وعلى أن تنزل فى داره بمنطقة "قنطرة السباع"، وهى الدار التى عاشت فيها خلال إقامتها فى مصر، وأصبحت الآن مكان مسجدها العامر، ودفنت بالحجرة التى عاشت وانتقلت منها إلى رحاب الله فى 14 رجب 62 هجرية، وتحول ضريحها إلى واحة يقصدها المصريون للتبرك والتعبير عن محبتهم لآل بيت النبى.. عاشت السيدة زينب فى مصر زهاء عام واحد، عوضتها محبة المصريين الغامرة عن الأهوال التى عاشتها فى كربلاء وبعدها، وانتقلت عن عمر ناهز 56 سنة، انتقلت راضية مرضية، وممتنة لهؤلاء الذين أكرموها فى آخر العمر، وأزالوا عن نفسها بعضا من الغصة التى ظلت عالقة بها، بسبب ما تعرض له آل البيت من ظلم ومهانة، وبسبب موكب السبايا الذى تقدمته، والذى وصفته د. بنت الشاطئ بأنه "أبشع موكب شهده التاريخ"، فلم يخطر على بال أحد أن يصل الإجرام ببنى أمية أن يحولوا بنات النبى إلى سبايا.. فى مصر كان الوضع مختلفا ومعاكسا تماما، فقد احتفت مصر ببنات النبى وآل بيته، فقد جاء فى ركب السيدة زينب إلى مصر "فاطمة" و"سكينة" و"على زين العابدين" أبناء الإمام الحسين.. فنالوا من المحبة والتكريم ما يعجز عن الوصف.. وما زال المصريون يحتفلون بالسيدة زينب فى شهر رجب من كل عام، يتوافدون إلى مسجدها، ويحتفون بمولدها.. بل نقول إن محبة المصريين الاستثنائية للسيدة زينب أصبحت مضرب الأمثال، فهى وحدها "السيدة"، فإذا ما ذكرته انصرفت الأذهان جميعا إليها وحدها.. فلا سيدة غيرها.. وهى وحدها من سيدات آل البيت التى غنى لها المصريون باسمها، أغنيات شعبية يتوارثونها، وكأنهم يتوارثون محبتها عبر الزمان:
«يا سيدة يا سيدة
يا أم الشموع القايدة
يا أخت الحسن وأخت الحسين
يا بنت أشرف والدة»
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد