بريطانيا نشرت«الحمى الإسبانية» فى مصر عام 1918

يبدو أن الدكتور والعالم الجليل الدكتور محمد أبوالغار، وجد فى كتابه الجديد "الوباء الذى قتل 180 ألف مصري"، الصادر مؤخرا عن دار الشروق المصرية، كنزا علميا ثمينا، يُعبر

يبدو أن الدكتور والعالم الجليل الدكتور محمد أبوالغار، وجد فى كتابه الجديد "الوباء الذى قتل 180 ألف مصري"، الصادر مؤخرا عن دار الشروق المصرية، كنزا علميا ثمينا، يُعبر به عن نفسه فى أحسن صورة ممكنة، ويجمع فيه بين حبيْن شغلا حياته، الأول حبه للطب (درس فى كلية الطب جامعة القاهرة، وحاز شهادة الدكتوراه سنة 1969، وعرف بأنه أول من أدخل التخصيب فى الأنبوب إلى مصر) والثانى عشقه للسياسة، حيث مارسها الدكتور أبوالغار لسنوات، إلى أن أسس حزب «المصرى الديمقراطى الاجتماعي»، عقب ثورة 25 يناير 2011.

فالكتاب الجديد يرصد رحلة بحث شيقة جدا عن وثائق تدعم وجهة نظره كطبيب أولا، وكباحث فى تاريخ الأمراض والأوبئة فى مصر ثانيا، لقراءة جانب غير منظور من التاريخ المصري، كونه ـ كغيره من الجوانب المهملة فى تاريخنا القديم والحديث ـ ينطوى على ضرورة قراءة أحوال الطبقات المتوسطة والفقيرة فى التاريخ الاجتماعى للمصريين، وكون دراسة الأوبئة والأمراض تأتى فى الغالب للاهتمام بصحة الغالبية العظمى من المواطنين، خصوصا الفقراء ومتوسطى ومحدودى الدخل، هؤلاء الذين يدفعون أثمانا باهظة فى كل الأوبئة، على العكس ـ مثلا ـ من طبقة الأغنياء، الذين تقل بينهم الإصابة بالأمراض المعدية، فى غالب الأحوال.

خرج علينا الدكتور محمد أبوالغار، فى توقيت الهلع العالمى بفيروس "كورونا" ـ أو "كوفيد 19 المستجد" ـ ليقول إن حكومة الاحتلال البريطانى بجلالة قدرها، قد تسببت فى إصابة عشرات الآلاف من المصريين بفيروس عرفه العالم عام 1918 باسم "الحمى الإسبانية"، وأنها كحكومة تسترت على أوضاع طبية مهترئة، وأصدرت قرارات فرغت مصلحة "الصحة العمومية" من مضمونها، بأن نقلت جزءا كبيرا من الأطباء العاملين فى الصحة للعمل مع الجيش الإنجليزي، وحينما وصل الوباء إلى مصر، سبتمبر 1918 لم يكن المصريون مستعدين لمواجهته لا وقائيا ولا من حيث التغذية العامة للأفراد، فقد أدت قرارات التاج البريطانى إلى مضاعفة أسعار السلع الغذائية، فهاجم الوباء مصريين جوعى ويعانون من سوء التغذية، فكان أن قتل منهم هذا العدد الكبير.

فى هذا الوقت، كانت مصر مُستعمرة بريطانية،  وكان من الطبيعى أن تقرر حكومة جلالة الملكة فى بريطانيا مصير آلاف الأسر المصرية الفقيرة، فى الوجهين البحرى والقبلي، كما فى مناطق شاسعة فى دولة السودان الشقيق، وكان جنرالات التاج البريطانى هم الذين يحددون طرق الإنفاق على "الصحة العمومية" فى مصر، ونتيجة للأخطاء الفادحة دخل المرض إلى أرض مصر، فوجد الفقراء فى حالة ضعف عام، ووجد الأغنياء يراكمون ثروات تسمح لهم بتفادى الكثير من الأوبئة، ويطرح أبوالغار فى كتابه وجهة نظر مهمة: فكيف يكون وباء هو الأسوأ فى التاريخ الحديث، وتسبب فى وفاة حوالى 50  مليون إنسان، وأصاب نحو نصف سكان العالم، ولا يكون قد وصل إلى مصر؟..

ولعل أبرز ما قدمه الدكتور أبوالغار، فى هذا الكتاب أنه استطاع أن يتصدى لمصفوفة تاريخية واسعة، تجاهلت وجود الوباء فى مصر، وعملت على محو آثار هذا الوباء من سجلات الحياة الاجتماعية فى مصر، كجزء من الأداء الاستعمارى للحكومة الانجليزية، التى تفسد حياة الناس وتصيبهم بالأمراض، ثم تخفى جريمتها وكأن شيئا لم يكن، يقول:

"الريف كان مهملا تماما فلم تكن هناك مياه نظيفة ولا طرق حديثة للصرف الصحي، ولم يكن هناك أطباء، بل فقط حلاقو الصحة، وكانت مياه الترع تستخدم فى الشرب وغسيل الملابس والرى والتبول، وكانت البلهارسيا متوطنة فى الأغلبية العظمى من الفلاحين، وأدت إلى مضاعفات خطيرة فى الكبد والمثانة، أفضت إلى قصر عمر الفلاحين، وزاد انتشار المرض بعد تحويل نظام الرى إلى الرى الدائم بدلا من رى الحياض".

 صمت المؤرخين

يقول أبوالغار إن الإنفلونزا الإسبانية انتقلت بين الجنود فى الحرب العالمية الأولى، وانتشرت حول العالم فى أوروبا وأفريقيا والهند بسرعة خاطفة بسبب الحرب، ففى أغسطس 1918 انتقل الوباء على مركب بريطانى متجه إلى سيراليون، ومنها انتشر فى أفريقيا، التى يقدر عدد الوفيات فيها بنحو مليونين من البشر، ورجَّح "كجيل جوستين ليند" فى رسالته للدكتوراه عن "الإنفلونزا الإسبانية فى سوريا الكبرى 1918" من جامعة soas "كلية الدراسات الشرقية فى لندن"، بأن تكون الإنفلونزا الإسبانية وصلت ميناء الإسكندرية على مركب قادم من فرنسا أو بريطانيا، فى سبتمبر 1918.

ولأنه لم يجد لدى باحثى التاريخ أية معلومة يمكن الاستعانة بها لمعرفة أى شيء عن "الحُمى الإسبانية" فى مصر، بحث الكاتب فى  عن الآثار التى خلفها الوباء على المصريين، فى عدد من الصحف المصرية الصادرة وقتها فى جريدتى "الأهرام" و"المقطم"، وفى عدد من الوثائق البريطانية التى تحدثت عن الأوضاع المصرية بشفافية، والتى أفرج عنها حديثا فى بريطانيا، منها ما ورد على لسان اللورد ملنر، وزير المستعمرات البريطانية، الذى جاء على رأس وفد بريطانى لدراسة أسباب الثورة المصرية عام 1919، لافتا إلى أن ثورة 1919 التى قادها سعد زغلول كانت من بين أسبابها تلك "الحمى الإسبانية" التى لعبت دورا رئيسيا فيها، طالما أنكره المؤرخون المصريون، من دون أن نعرف السبب.

يتوقف المؤلف أمام صمت المؤرخين وكتبة الحوليات التاريخية عن الآثار التى عاشتها مصر فى هذه الحمى، ومنهم أحمد شفيق باشا فى حولياته، وعبدالرحمن الرافعي، الذى لم يُشر إلى الحمى الإسبانية فى سطرٍ واحد من كتاباته، وكأن هذا الوباء ـ الذى راح ضحيته 180 ألف مصرى ـ واحد ونصف بالمائة من تعداد مصر وقتها ـ لا يجب أن يشغل بال المؤرخ "الوطني"، وهو أمر يثير الريبة عن حق، إذا كنا نتحدث عن تزوير مكشوف فى واحد من أهم سجلات تاريخنا الحديث، وعن صاحب الكتاب الأشهر عن "تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم فى مصر"، وإن كان المؤلف يرجِّح أن تجاهل المؤرخين للحدث فى مصر، جاء مُجاملة منهم للاستعمار.

لكن الدكتور أبوالغار وجد مآربه فى تقارير بريطانية مهمة، مثل البحث الصغير الذى كتبه الدكتور كريستوفر روز عن "تأثير الأنفلونزا على مصر فى نهاية الحرب العالمية الأولى"، واللورد ملنر ومذكرات اللورد كرومر، واضعا تشريحا واقعيا قاسيا لتدهور النظام الطبى فى مصر، تحت حكم التاج البريطاني، قبيل دخول الوباء أرض الكنانة، وبعد اتصال مع الدكتور روز فى قسم التاريخ بجامعة "تكساس" علم الدكتور أبوالغار أن الجامعة تمتلك وثائق الصحة العمومية فى مصر للسنوات من 1914 ـ 1927، كاملة ومفصَّلة بدقة شديدة ومكتوبة باللغة الإنجليزية، لأن الأطباء والمسئولين فى ذلك الوقت كانوا من الإنجليز، كما وجد فى الجامعة أيضاً نسخة من التقرير العام للدكتور ولسون الذى قدمه إلى اللورد ملنر، وزير المستعمرات فى الحكومة البريطانية.

لقد ساعدت هذه التقارير على تقديم صورة واضحة عن الأوضاع الصحية فى مصر، قبل الوباء وأثناءه، ومنها التقرير السنوى لعام 1918 تحرير الكولونيل "كاتشات جارنر" المدير العام، والذى  استنتج منه الكاتب أن تركيز السلطات البريطانية فى مصر كان على المحافظة على صحة الجنود وسلامتهم فقط، واستلزم ذلك تحويل كل الخبراء من الصحة العامة والوقاية من الأوبئة، من مصلحة الصحة العمومية وإلحاقهم بالجيش البريطاني، مما أثر بشدة على صحة المواطنين المدنيين، وزيادة الوفيات، على حد تعبير المؤلف.

 البطيخ بدلا من النقود

يقول كريستوفر روز فى بحثه إن إحصاءات نُشرت أثبتت أن المصريين كانوا ضعاف البنية ناقصى التغذية، والبعض دخل فى شبه مجاعة عام 1918، خاصة فى منطقة الإسكندرية، وأنه كان واضحا زيادة نسبة الإصابة بالتيفوس فى الإسكندرية، ويتحدث روز تفصيليا عن ارتفاع أسعار اللحوم والبيض والجبن منذ عام 1917، لافتاً إلى أنه فى منتصف عام 1916 ارتفعت الأسعار بشدة، وعندما تقرر منع بيع الخمور بعد الساعة الخامسة مساء، فى "وش البركة"، كان الزبائن يدفعون لبنات الحانات بطيخا بدلا من النقود".

الحق أن من أطرف الملحوظات التى يقدمها أبوالغار، أن تسمية الأنفلونزا بالإسبانية هى تسمية اعتباطية لا علاقة لها بالوباء وانتشاره، بل لها علاقة بالواقع السياسى الاستعمارى الفادح فى هذا الزمان، فقد انتشر الوباء فى كل أوروبا تقريبا وقتل ربع مليون بريطاني، فقد فرضت الدول المتحاربة فى الحرب العالمية الأولى نظاما صارما على المعلومات المتعلقة بالوباء فى بلدانها، ومنعت الصحف من الإشارة إلى الأعداد الحقيقية، باستثناء إسبانيا التى لم تكن طرفا فى الحرب، وكانت تسمح للصحف بالحديث عن الوباء فأطلق عليه الحمى الإسبانية، لتكتمل الأكذوبة الوبائية، ويزيد ذلك من انتشار المرض فى البلاد التى تحكمها القبضة العسكرية الغاشمة.

ومن حقائق هذا الكتاب الدامغة أن باحثا نرويجيا اكتشف أن وباء الأنفلونزا الإسبانية أصيب به الفقراء أولا ولم يتأثر الأغنياء، لكن فى الموجة الثانية تأثر الأغنياء بشدة أكثر، مشيرا إلى أنه: "عند حدوث الأوبئة يجب البدء بتطعيم الفقراء أولا، لأنهم يصابون فى البداية، ثم يتم تطعيم الأغنياء، لكن هذا الأمر من الصعب أن يحدث فى عالمنا الحالي".

الحق أن وزير المستعمرات البريطانية اللورد ملنر كانت له ملاحظات متعالية على المواطن المصري، لكنها كانت صائبة، بشأن الأحوال الصحية فى مصر، وقد اعتبر تعيين الدكتور روجرز باشا شديد الكفاءة مديرا للصحة الوقائية، بدلا من مدير فاشل سبقه، أمرا سوف يحسِّن الصحة العامة فى مصر، كما أثنى على مشروع إنشاء مجارى القاهرة واعتبره إنجازا صحيا كبيرا، مشيرا إلى أنه: "سوف يطبِّق مثيله فى الإسكندرية، وكان يشكو من أن المساجد تصرف الماء فى الترع التى يشرب منها الناس، وكان هذا الأمر حساسا فى التفاهم وإقناع الناس".

ورغم أن الأوضاع الطبية فى مصر ظلت فى أسوأ أحوالها خلال فترات الاستعمار البريطانى لمصر، فإن المؤلف يشير فى النهاية إلى أن حكومة مصطفى النحاس استطاعت أن تحول المصلحة إلى وزارة الصحة، فى عقد الثلاثينيات، وبات من حق المصريين أن يدافعوا عن أحوالهم الصحية بأيديهم، لا بأيدى المستعمرين، ولعل ذلك تبدى فى تراجع عدد الأوبئة تدريجيا، وتراجع تأثيرها المدمر على صحة المصريين.


 	محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - سكة سفر

 وحدهم في الشارع الخالي فى الصباح الشتوى المبكر .. الدنيا غارقة، وسيول المطر أبقت الناس في بيوتهم، فلا وجود لشخص...

حكاية القط الخارق فى رواية السيد شحتة

«الأيام الأخيرة فى حياة فرويد».. رحلة فى عالم الذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية محاولة سردية لتقديم صورة غير وردية لعالم يتجرد...

الشريف السنوسى.. عدو الاستعمار الأوروبى فى قارة أفريقيا

شخصيات لها تاريخ «98» تربى فى الزاوية الأكثر أهمية فى تاريخ الحركة السنوسية بواحة الجغبوب وتولى قيادة الحركة بعد رحيل...

شعبان عيسى: الشيخ إمام مظلوم إعلاميًا رغم تأثيره

شهادات تذاع لأول مرة «11» ابن أخيه الذى جلس تحت قدميه طفلا وغنى معه فى دمشق عرفت من الصحافة أنه...