قصة "الملكة الميتة" .. والتصادف المشؤوم بين الحب والسياسة

كما اعتادت المجتمعات تعريف "السياسة" بأنها عملية صنع قرارات مُلزمة لتحقيق الأهداف ، اعتاد الحكام أيضا تنفيذ تلك السياسات اعتمادًا على حسابات القوة والمصلحة دون النظر

كما اعتادت المجتمعات تعريف "السياسة" بأنها عملية صنع قرارات مُلزمة لتحقيق الأهداف ، اعتاد الحكام أيضا تنفيذ تلك السياسات اعتمادًا على حسابات القوة والمصلحة دون النظر للفرد الواحد المتماثل في خياراته وآرائه ، في الحب الذي هو المصدر الأساسي لسعادة الإنسان وبالتالي يصبح غايته للتوازن النفسي وانتظام الحياة، وكثيرًا ما تصطدم حياة الفرد بواقع سياسات الدول وطريقة الحكم مما يجعل الإنسان ممزق بين واجبه وعواطفه.

في وقت حكم الملك فيرانت (ألفونسو الرابع) البرتغال في القرن الرابع عشر - ولكي يحافظ على تاجه بعد أعوام طويلة من الحكم-  قرر الملك أن يزوج ابنه "دون بيدرو" للأميرة الإسبانية زواج سياسي من أجل واجبات الدولة ومستقبل المسيحية، وجاءت استعدادات الملك للحفاظ على سُمعة البرتغال مخالفة لقرارات "بيدرو" في حياته بأن يهب نفسه لمن أحبها وقد تزوج بالفعل من حبيبته دونا اينيس.

العرش أولًا

جاء تفاعل الملك مع بداية الأمر بهدوء الساسة وبعيدًا عن اعتبارت المشاعر الإنسانية عندما طلب من ابنه أن ينهي زواجه من "اينيس" مع احتفاظه برؤيته لها وستغفر له الأميرة الإسبانية ذلك التصرف عندما تصل للحكم "فثقافة الشعب تسمح بأن يكون للملك عشيقة بجانب زوجته الشرعية" ، كما تحدث في نفس الأمر مع "اينيس" التي طلب منها أن تستغل تأثيرها على "بيدرو" بقبول الزواج الذي تدور حوله مقدرات المملكة والتي قابلت طلبه بالرفض مما جعله يتخذ قرارًا بمحاربة الحب بنفي "بيدرو" وسجنه وقتل "دونا اينيس".

الحُب ومبادئ الحُكم العادلة

رفض "بيدرو" التضحية بحبيبته في سبيل مبادئ قد تكون مهمة ولكنه يفضل عليها حياته الشخصية في أن يحيا مع امرأة يحبها وأن تنجب له أطفالًا وتجعلهم سعداء ويتغلبون معًا على مصاعب الحياة ، كما تحدثت "اينيس" مع الملك عن أن مصلحة الدولة الحقيقية  تأتي في أن يلتفت إلى حالة البؤس التي يعيشها شعبه وآفة الجوع التي عليه أن يتخلص منها وأجور الجيش غير المدفوعة "لو كنت أنا ملكًا لذهبت إليهم ومسكت بأيديهم بين يدي وقولت لهم لن تجوعو بعد الآن ابدًا"، كما حاولت "اينيس" إقناع الملك بأن طفلًا يتكون في احشائها وأنها تصنعه ليحمل كل صفاتها الحسنة وليصبح حفيدًا للملك واثقًا مستقيمًا وارثًا للدم الملكي وهو ما لم يتأثر به ابدا قائلًا "اقتليه قبل أن يخرج منك .. إن في وسعي قتله إذا لم يحقق ما أنتظره".

الإنتقام

بعد أن تم عزل الأمير "بيدرو" وأصبح سجينًا بسبب دفاعه عن أبسط حقوقه في أن يحيا حياة شخصية  من اختياره، بدأ حاشية الملك في إقناعه أيضًا بعقاب "اينيس" بالقتل وليس النفي لأنها حيثما تكون تظل مصدر لإغراء الأمير وهي التي تندرج من عائلة عريقة لو سُجنت سيلتف حولها أعداء الملك الذين ينتظرون موته ، فالتسامح ضعف من وجهة النظر السياسية في حكم البلاد "لو عفوت ستتحمل نتائج العفو المجنونة .. ما يفصل بينها وبين اعتلاء العرش هو موتك .. الكل أو لا شئ .. أقتل فتشرق الشمس"، وتكتمل المأساة بموت الملك القدري ليصبح "بيدرو" الملك الشرعي للبلاد والذي خرج من سجنه لينتقم من كل من شارك في خطة قتل حبيبته "اينيس"؛ تلك الفعلة الدنيئة التي بدأت كقرار سياسي من أجل السلام بين بلدين تدخلت فيه مصلحة الحكم فقضى على الحب وانتهى بالإنتقام.

"بيدرو واينيس"

أصبحت قصة "بيدرو واينيس" من قصص الحُب الأسطورية البرتغالية لما قدمه الملك بيدرو الأول لحبيبته من تخليد لذكراها فأخذ جثتها ونصبها على كرسي العرش وأجبر البلاط بمبايعة ملكتهم الميتة من خلال تقبيل يد الجثة ، كما أصبح ضريحها من أكبر المعالم الأثرية في البرتغال حيث نحت الملك التوابيت الرخامية على شكل مشاهد من حياتهم على وعد بلقاء أبدي في نهاية العالم.

وبإعتبار قصة "بيدرو واينيس" من قصص الحُب الخالدة قام العديد من الملحنين من مختلف أنحاء العالم باعداد القصة للأوبرا قديمًا وحديثًا كالملحن الاسكتلندي جيمس ماكميلان  والسويسري اندريا اسكارتازيني.

استند د. رفيق الصبان  على قصة الكاتب الفرنسي هنري دي مونترلان “ La Reine Morte” في إعداد وترجمة المسرحية الإذاعية "الملكة الميتة" وهى من إنتاج الإذاعة المصرية .. كما لفتت القصة نظر الأدباء وصناع السينما العالميين حيث قامت الكاتبة البرتغالية روزا لوباتو دي فاريا في قصتها   “ A Trança de Inês” باقتباس أسطورة اينيس وبيدرو من الرواية الفرنسية وتناولت الخلود العاطفي وبعض أسرار الوجود وهى القصة التي اعتمد عليها المخرج البرتغالي أنطونيو فيريرا في تقديم النص للسينما بعنوان " Pedro e Inês"  عام 2018 ، ويبدأ الفيلم بمستقبل "بيدرو" البائس وحياته داخل مستشفى الأمراض النفسية واسترجاع حياته الماضية المتزامنة في وعيه والذي جعل من الفيلم ميلودراما تاريخية تجسد الحب في التاريخ بدون وقت أو مكان، كما تعامل المخرج مع أحداث الفيلم بدقة في سرد تفاصيل القصة الحقيقية من لقاءات في الحب وفراق وايضًا الخيانات السياسية والقتل المقصود.


 	نورهان حجازي

نورهان حجازي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New Cairo

تطرح شركة طلعت مصطفى القابضة مشروعها الجديد في شرق القاهرة وهو مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New...

جرجس شكري: حلمي رفلة "صانع النجوم" كان ينتج ثُلث أفلام السينما المصرية

ناقشت اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين كتاب "صانع النجوم.. حلمي رفلة.. سيرة سينمائية بلا ماكياج" للناقد والكاتب الصحفي جرجس شكري،...

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...