القليوبية أرض العسل والماء والوجه الحسن

القليوبية ثالث محافظات إقليم "القاهرة الكبرى" الذى يضمها مع "الجيزة "و"القاهرة"، فهى أرض العسل، لأنها مزروعة بالفواكه، وأرض الماء لأن فيها "القناطر الخيرية" التى تروى

القليوبية ثالث محافظات إقليم "القاهرة الكبرى" الذى يضمها مع "الجيزة "و"القاهرة"، فهى أرض العسل، لأنها مزروعة بالفواكه، وأرض الماء لأن فيها "القناطر الخيرية" التى تروى الدلتا كلها، وهى التى تميزت بالجمال ففيها التقت الأعراق المصرية والعربية واليونانية والرومانية فكونت سبيكة فريدة، فأصبحت محافظة الخير والجمال والإبداع.

(1)

عندما نذكر اسم "القليوبية" لابد لنا من تذكر اسم الفقيه الإمام "الليث بن سعد" الذى كان يقيم فيها،  وكانت له مزارع واسعة يخرج منها عسل قصب السكر وعسل النحل وكان يرسل منه هدية سنوية إلى "الإمام مالك" فى المدينة المنورة،  ومما ورد عنه فى كتب التراث أن امرأة سألته قليلا من العسل،  فأمر بمنحها كمية تفوق ما طلبته،  فقيل له إنها طلبت القليل فأعطيتها الكثير، فقال رحمه الله "على قدرها سألت وعلى قدرنا أعطينا"، و"بنها" عاصمة القليوبية هى ذاتها "بنها العسل" لكثرة ما فيها من حدائق الفاكهة ومناحل العسل، وهذا جعل "الفلاح" الساكن فى "القليوبية" فلاحا متميزا يستطيع أن يجعل أرضه معطاءة بما له من قدرة وخبرة.

(2)

والقليوبية موطن من مواطن الحضارة المصرية القديمة، فكانت تقع ضمن الإقليم العاشر من أقاليم مصر السفلى، وكانت عاصمتها تسمى "قلعة وسط الأرض"، لأنها تتوسط الجزء الجنوبى من الدلتا، وكان اسمها باللغة الإغريقية "أتريبس" وباللغة القبطية "أتريب" أو "تل أتريب"، أى أن هذه المحافظة شريكة فى صنع الحضارة المصرية وتحتوى راقات ثقافية تخلفت عن العصور التى عاشتها مصر.

(3)

ومجتمع "القليوبية" مجتمع زراعى، صناعى، ولوعدنا إلى تاريخ الطبقة العاملة المصرية لعرفنا أنها تشكلت فى عصر "محمد على" الذى بنى المصانع التى تخدم الجيش، ومن هذه الطبقة العاملة نشأت مصانع "شبرا الخيمة" التى كانت تصنع النسيج، لأن القليوبية تزرع القطن، وانتقل قطاع من الفلاحين إلى "شبراالخيمة" وانضم إلى الطبقة العاملة، واتسعت المصانع حتى أصبحت تشكل قلعة صناعية،  ومنها خرجت "نقابات العمال" فى أربعينيات القرن الماضى، وهى النقابات التى دافعت عن حقوق العمال، وحقوق الوطن كله، وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، تشكلت "اللجنة الوطنية للطلبة والعمال" وكان عمال مصانع "شبرا الخيمة" حاضرين فى قلب المشهد الوطنى، بالوعى والتضحية فى سبيل تحرير الوطن من قبضة الاحتلال الإنجليزى، ولما جاءت ثورة يوليو 1952 وقررت بناء قاعدة صناعية، اعتمدت على قطاع "الأسطوات" الذين كانوا يعملون فى مصانع "شبرا الخيمة" وهؤلاء "الأسطوات" هم حملة الخبرات الذين تم إرسالهم إلى أوروبا لقضاء فترات تدريب فى المصانع، وعادوا ليتحولوا إلى مدربين ومعلمين لعمال آخرين، وكان من نصيب "القليوبية" مصانع شركة "قها" لتصنيع العصائر والأغذية المحفوظة بحكم وجود مزارع واسعة فى المحافظة تستطيع تشغيل هذه المصانع وإمدادها بما يلزمها من الفواكه والخضراوات، وهذه المصانع كان لها دور مهم فى إمداد جيشنا البطل المرابض على جبهة القتال طوال سنوات حرب الاستنزاف بما يلزمه من أغذية وهى سنوات ست، بدأت فى يونيو 1967 وانتهت فى أكتوبر 1973 وهو العام الذى تحقق فيه النصرالمجيد.

(4)

وهذه القدرات التى تمتعت بها "القليوبية" تمثلت فى "عقول مبدعة" ومواهب فائقة، وهى التى أعطتنا المفكر الكبير"الدكتور جمال حمدان" الذى وضع النظرية السياسية التى تخدم وجود الدولة المصرية، وهى نظرية "الدوائر الثلاث" أى أن الدولة المصرية لكى تبقى قوية ومسيطرة عليها التواجد فى "الدائرة العربية" و"الدائرة الأفريقية" و"الدائرة الإسلامية" وهذه النظرية ما زالت الدولة المصرية تعمل بها حتى يومنا هذا، ومن القليوبية المبدعة خرج خمسة من كبار قراء القرآن الكريم هم الشيوخ "كامل يوسف البهتيمى، محمد الصيفى، عبد العظيم زاهر، عبدالحميد الباسوسى، محمد سلامة" ولهم جميعا حضور كبير فى المجتمع المسلم داخل مصر وخارجها وما زالت تسجيلاتهم الرائعة تبث عبر أثير إذاعة القرآن الكريم المصرية وغيرها من الإذاعات العربية والإسلامية، ولم يتوقف عطاء "القليوبية" عند هذا الحد، فقد منحت مصر ثلاثة من الذين شكلوا العقيدة الدينية والعلمية المصرية، وهم "الإمام الشعرانى" القطب الصوفى الكبير، و"الإمام الليث" الفقيه الذى فاق علمه علم "الشافعى"، والأديب والمؤرخ "القلقشندى" الذى كان من كتاب الدواوين فى العصر المملوكى وهو صاحب واحد من أهم الكتب المتخصصة فى "علم الأنساب" وهو علم اجتماعى يرسم خرائط أصول القبائل العربية التى انتقلت إلى مصر من نجد والحجاز والشام وانتشرت فى الدلتا والصعيد والصحراء الشرقية والغربية ومنحت مصر عروبتها منذ الفتح الإسلامى، حتى العصر المملوكى.

(5)

وفى القرن الماضى كانت "القليوبية" حاضرة برموز ساهموا فى تحريرها من المحتل،  فقدمت لنا ثلاثة من "الضباط الأحرار" هم: خالد محيى الدين وزكريا محيى الدين وكمال الدين حسين، وثلاثتهم كانوا أعضاء فى "مجلس قيادة الثورة"، وكان لهم أدوار كبرى فى تشكيل تنظيم الضباط الأحرار، والتحرك ليلة 23 يوليو1952، وتولى المواقع التنفيذية لتطبيق أهداف الثورة، فكان "خالد محيى الدين" مسئولا عن عدة وزارات، ثم تولى رئاسة الحكومة فى العام 1954، وكان له دور مهم بعد تأميم الصحافة، فكان يرأس مؤسسة "أخبار اليوم"، و"زكريا محيى الدين" اختاره "جمال عبدالناصر" ليتولى حكم مصرعقب وقوع هزيمة  5 يونيو 1967، فقد خرج عبد الناصر وألقى خطاب التنحى عن الحكم وطلب من الجماهير أن تمضى فى مسيرتها خلف القائد المرشح "زكريا محيى الدين"، لكن الجماهير رفضت هذا القرار وخرجت فى يومى 9 و 10 يونيو لتطالب عبدالناصر بالعودة إلى حكم البلاد ومواصلة الكفاح لتحرير الأرض المحتلة، و"كمال الدين حسين" كان له دورمهم فقد تولى منصب وزير التعليم فى بدايات الثورة، وهو من الأعضاء البارزين فى مجلس قيادة الثورة، ومن الرموز النسائية قدمت "القليوبية" السيدة "نبوية موسى" صاحبة الدور المهم فى النهضة التعليمية والثقافية التى عاشتها مصر فى السنوات التى أعقبت ثورة 1919، وهى السنوات التى مهدت لثورة يوليو وتحرير مصر من قبضة الاحتلال الإنجليزى، ووضعت المجتمع المصرى على طريق التقدم العلمى والصناعى والخروج من عصور الجهل والظلام.

(6)

وهذه المحافظة الخصبة الأرض، عرفت مسيرة إدارية طويلة ممتدة من العصر الفرعونى حتى العصر الإسلامى، ومن ملامح هذه المسيرة أنها كانت تابعة لإقليم "الشرقية"، وفى العام 1351 الميلادى أصدر السلطان "الناصر محمد بن قلاوون" المملوكى قراره بفصلها عن الشرقية واعتبارها إقليما مستقلا باسم "الأعمال القليوبية" نسبة إلى "قليوب" التى أصبحت عاصمة لها، وفى العام 1257 الميلادى سميت باسم "القليوبية" ثم "مأمورية القليوبية" وفى العام 1833 الميلادى سميت "مديرية القليوبية" وفى العام 1960 سميت "محافظة القليوبية" وعاصمتها "بنها" التى توجد فيها المديريات ووكالات الوزارات المختلفة وتوجد بها "جامعة بنها" التى تعد واحدة من أهم جامعات الدلتا.

انفوجراف

تتكون محافظة القليوبية من تسع وحدات محلية و"46" وحدة قروية تتبعها "195" قرية و"901" عزبة وكفر.

 مدن القليوبية هى: بنها ـ قليوب ـ القناطر الخيرية ـ شبرا الخيمة ـ الخانكة ـ كفر شكرـ شبين القناطرـ طوخ ـ قها ـ العبور ـ الخصوص.

 يبلغ عدد سكان القليوبية "5.703" مليون نسمة "إحصاء 2018".

 مدينة "شبرا الخيمة" الصناعية هى المدينة الأكبر مقارنة ببقية مدن القليوبية.

 تحتفل "القليوبية" بعيدها القومى يوم 30 أغسطس من كل عام وهو يوافق ذكرى افتتاح "القناطر الخيرية" فى العام 1868 وتعد هذه القناطرواحدة من المعالم السياحية المهمة فى المحافظة وتحيط بها حديقة تقدر مساحتها بحوالى 500 فدان مزروعة بأنواع الأشجاروالأزهار المختلفة.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد