ورحل آخر الكبار من قراء القرآن الكريم فى مصر والعالم الإسلامى، هذه العبارة قالها كثيرون عقب سماعهم خبر رحيل الشيخ «محمد محمود الطبلاوى، قارئ القرآن الكريم، صاحب الصوت
ورحل آخر الكبار من قراء القرآن الكريم فى مصر والعالم الإسلامى، هذه العبارة قالها كثيرون عقب سماعهم خبر رحيل الشيخ «محمد محمود الطبلاوى، قارئ القرآن الكريم، صاحب الصوت الجميل، الذى وصفه «عبدالوهاب» موسيقار الأجيال بقوله عنه «الطبلاوى هو صاحب النغمة المستحيلة» وهذا الوصف شهادة من ملحن كبير، لقارئ موهوب وله دلالة على قدراته الصوتية، رغم أنه لم يدرس الموسيقى ولم يكن يعرف «السلم الموسيقى».
فى سبعينات القرن الماضى، كنت طفلاً أعيش فى قريتى الصعيدية السوهاجية «كوم العرب»، وكان «الراديو» هو أداة اتصالى بالعالم الخارجى، وكان والدى رحمه الله يصحو كل صباح ويفتح «الراديو» وكان أول ما يذاع، السلام الجمهورى، ثم تلاوة قرآنية، يتلوها شيوخنا الكبار، مثل على محمود ومصطـــــفى إسماعيل وعبدالباســـط عبدالصـــمد والحصــــــرى والشعشاعى الأب والابن، والطبلاوى، وكان صوته يتميز عن السابق ذكرهم بأنه قريب من القلب، فيه طرب يغرى بالتقليد من شدة بساطته وحلاوته، وكانت أجهزة الكاسيت هى موضة العصر، وكان العصر هو عصر السفر لدول الخليج وكل مواطن سافر وامتلك «الدولارات» اشترى جهاز كاسيت ليسمع عليه ما يهوى، مثل قراء القرآن والمنشدين «ياسين والتونى» وكان «الطبلاوى» ينافس «المنشاوى»، رغم أن قريتنا تقع داخل نطاق تأثير «آل المنشاوى» القراء الكبار، لكن «شعبية» الطبلاوى، اخترقت هذا المجال واستطاع عبر أجهزة الكاسيت والراديو أن يتربع على عرش قراءة القرآن فى الصعيد كله، وتلقيت خبر رحيل الشيخ الطبلاوى بحزن، قادنى إلى الدهشة والحرج، فقد اكتشفت أن ما لدىّ من معلومات عن حياته ورحلته مع كتاب الله قليل، فقضيت ساعات وأنا أتنقل بين مواقع شبكة الإنترنت، لأجمع عنه ما تيسر، فكانت المعلومة الأولى، هى أنه من مواليد «قرية ميت عقبة مركز إمبابة - محافظة الجيزة»، و«ميت عقبة» لم تعد قرية، بل أصبحت داخل نطاق «القاهرة الكبرى» وملاصقة لشارع «جامعة الدول العربية» و«ميدان لبنان» و«ميدان سفنكس»، والشيخ من مواليد 1934 وتوفى فى مايو 2020، أى عن عمر ناهز 86 عاماً بالتمام والكمال، وواصلت قراءة ما أدلى به من أحاديث صحفية على مدى السنوات السابقة، وكان مما قال «أول أجر تقاضيته كان خمسة قروش، تقاضيتها من عمدة ميت عقبة»، والشيخ أتم حفظ القرآن فى الثامنة من عمره، وبتشجيع من شيخه «الشيخ غنيم» بدأ فى إحياء الليالى والقراءة فى المناسبات الاجتماعية، ومن الممكن أن تكون هذه الأجرة التى تقاضاها من عمدة قريته قد وصلت يده فى أربعينات القرن الماضى، وتلك كانت سنوات قاسية على «الفلاحين» فمصر كانت تحت الاحتلال البريطانى، وكانت تعانى ويلات «الحرب العالمية الثانية» بحكم بنود اتفاقية «1936» التى سمحت لبريطانيا باستخدام كل إمكانات مصر فى الحرب ضد «هتلر»، وبالتالى فإن القروش الخمسة التى تقاضاها الشيخ الطبلاوى سمحت له بشراء سلع مهمة وغالية الثمن، حسب روايته غمرتنى السعادة بمجرد أن وقعت الأجرة فى يدى، وذهبت إلى السوق واشتريت لحمه وخضار، ودخلت على أسرتى فغمرتهم السعادة، لأننى عزمتهم على الأكل الملوكى، والأكل الملوكى الذى قصده الشيخ هو اللحم والخضار، وهذه مكانة منحتها الثقافة العربية لهذا الطعام ففى كتب التراث مقولة سيد الطعام اللحم، لأن البدو سكان الصحارى يحتاجون اللحم ليواجهوا به البرد القارس، وليس فى مقدورهم غيره، فهم يربون الغنم ويذبحونها، وكل مناسبات العرب فى البادية والحضر، قوامها اللحم، وهذا التقدير والتبجيل للحم موجود فى كل بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، لكن فرحة أسرة الطبلاوى بوجبة اللحم التى اشتراها، كانت نابعة من فرحة بنجاح ولدهم فى الوصول لقلب العمدة، والوصول لمكانة رفيعة مكتسبة بحفظ القرآن الكريم والحصول على أجر مرتفع بمقاييس ذلك الزمان، فالقروش الخمسة كانت أجرة فلاح يعزق فى الغيطان من طلعة الشمس للمغرب وكانت قادرة على شراء ما يعادل كيلو لحم وبالتالى كانت فرحة أسرة الطبلاوى كبيرة ولها أسبابها، ومن أجمل ما قال الطبلاوى حول علاقته بالقرآن الكريم والمكاسب التى حققها من احتراف تلاوته واشتهاره على مستوى مصر والوطن العربى والعالم الإسلامى عبارة تدل على ما تمتع به رحمه الله من صدق وطيبة قلب:
«القرآن الكريم أعزنى وأجلسنى مع الملوك والأمراء والزعماء وأحيانى حياة كريمة، كلها أمان وراحة بال»، وبالفعل، فالقرآن الكريم أعز كل من اقتربوا منه سواء بتلاوته فى الليالى والمناسبات أو درسوا علومه «الفقه والنحو والقراءات والشريعة»، وكل شيوخنا منحهم الله العزة بالقرآن، وكلهم كانوا من أسر متوسطة الحال أو فقيرة، لكن «القرآن الكريم» له مكانة فى الثقافة العربية، ففى مصر كان من عادات أهل الريف أن يهبوا أحد الأولاد لكتاب الله، فيحفظه ويتعلم علومه ويمارس حياته الطبيعية أو يتخصص فى الخطابة والوعظ والتلاوة، وكانت حكومات العصر المملوكى والعثمانى تعفى حفظة القرآن الكريم من أعمال «السخرة»، فكان «العلماء» وهو اللقب الذى يعرف به الدارسون فى الأزهر والحافظون كتاب الله لا يسخرون فى المشروعات التى تقوم بها الحكومات، وفى عهود متأخرة من حكم خلفاء «محمد على» كان حفظة القرآن يحصلون على شهادة تعفيهم من الخدمة العسكرية «شهادة المعافاة» بعد أن يتقدموا للجنة «القرعة العسكرية» ومن ضمنها شيوخ يختبرون شبان التجنيد الحافظين كتاب الله وبعد التأكد من حفظهم له يصدر قرار لجنة «القرعة» بمنحهم شهادة المعافاة، وكان ذلك تكريماً يشجع أهل الريف على الدفع بأولادهم إلى الكتاتيب فى سن مبكرة لينالوا المكانة الأدبية فى المجتمع، ولو تتبعنا تفاصيل حيوات قراء القرآن فى القرن الماضى لوجدنا أنهم كانوا موهوبين وفقراء فى آن، باستثناء الشيخ «محمد رفعت» الذى كان والده يعمل مأموراً لقسم الجمالية بالقاهرة، والشيخ «مصطفى إسماعيل» الذى كانت أسرته تملك الأطيان فى قرية «ميت غزال» فى محافظة الغربية، ولكن انطلاق الشيخ الطبلاوى فى عالم تلاوة القرآن الكريم، لم يكن سهلاً، ولم يأت بين يوم وليلة، وكان أول جمهور للشيخ هم تلاميذ الكتاب الذى حفظ فيه القرآن:
«كنت مثل أطفال ذلك الزمان، أتعلم فى الكتاب المجاور لمنزلنا فى «ميت عقبة»، كنت أذهب فى الصباح وأعود قبل الظهر بقليل، ومن حسن حظى أن «الشيخ غنيم» شيخ الكتاب كان عالماً بالأصوات محباً لجمالها، وهو الذى اختارنى للقراءة، كنت أقرأ يوم الخميس ويسمعنى التلاميذ، وهو صاحب الفضل فى اكتشافى وتنمية موهبتى، وهو الذى طلب من والدى أن يهتم بى واستجاب والدى، فكان يدفع للشيخ غنيم ضعف الأجر المقرر كل أسبوع» ومعنى ما قاله الشيخ الطبلاوى رحمه الله أن شيوخ «الطوائف» كانوا يحرصون على تغذية طوائفهم بالموهوبين والمتميزين، ولعل القارئ لا يعرف ما قصدته من قولى «شيوخ الطوائف»، وهم فى الزمن الماضى كانوا يقومون بالدور الذى تقوم به «النقابات» فى الوقت الراهن، فمثلاً، كان للنجارين شيخ وللحدادين شيخ ولقراء القرآن شيخ، وتحت كل شيخ يندرج شيوخ مهمتهم رعاية المهنة وتقوية قدرات العاملين بها، فكان شيوخ الكتاتيب يحفظون التلاميذ سور القرآن ويشجعونهم على تلاوتة ما حفظوا على أسماع الناس فى المساجد ومن ينبغ منهم يرتقى فيقرأ فى «المآتم»، وكان يقام للمتوفى سرادق يتلقى فيه أهله العزاء من الجيران والأهل لمدة سبعة أيام أو تسعة وطوال هذه الأيام يتولى شيوخ قراءة القرآن على أسماع الحاضرين، ومن هذه «المآتم» كانت تأتى شهرة الشيوخ فكل وفد جاء لتقديم واجب العزاء واستمع تلاوة شيخ فأعجبه، استدعاه فى «مأتم» أو رشحه للقراءة فى مآتم تخص آخرين فى قريته أو مدينته، وكلما كان نصيب «الشيخ» من جمال الصوت كبيراً، اتسعت شهرته فى القرى والمدن ولمع نجمه.
وعن مشواره وخطواته الأولى للدخول عالم الشهرة قال الشيخ «الطبلاوى» رحمه الله:
جعلونى أقرأ فى المساجد، ثم قرأت فى المناسبات، وذاع صيتى فى القاهرة وأنا فى سن الخامسة عشرة، وأصبحت وأمسيت أستقبل الناس الذين يرغبون فى الاتفاق والتعاقد معى على إحياء مناسباتهم، وكنت سعيداً بهذا الأمر وكان والدى سعيداً بذلك.
ورغم هذه الشهرة المبكرة، لم يتعلم رحمه الله فن المقامات أو السلم الموسيقى، وكان هذا النقص المعرفى سبباً فى عدم قبوله قارئاً بالإذاعة المصرية، لأن لجنة القبول بالإذاعة كانت تضم شيوخاً متخصصين فى علم التجويد، وملحنين، لأن الإذاعة هى المسئولة عن تشكيل وجدان الجماهير، فلا يصح منها أن تقدم أصواتاً لا تتمتع بالجمال والعلم فى آن، ورغم أن الإذاعة رفضت قبول الطبلاوى لكن شهرته التى حققها فى القاهرة والجيزة وبقية المحافظات، جعلت لجنة الإذاعة تتخلى عن شرط الإلمام بالمقامات والسلم الموسيقى، وعن قصة دخوله الإذاعة حكى رحمه الله فقال:
تقدمت للإذاعة أكثر من مرة، وكانوا يرفضون قبولى، بدعوى عدم معرفتى السلم الموسيقى، وقررت التوقف عن التفكير فى هذا الأمر، وجمعتنى مناسبة ما بالملحن محمد عبدالوهاب وقال لى ما معناه أنه مستعد لتعليمى السلم الموسيقى، ولم أذهب إليه ولم أتعلم السلم ولكن الشيخ عبدالفتاح القاضى وهو أحد شيوخ علم القراءات طلب منى التقدم للإذاعة مرة أخرى، وذهبت بالفعل إلى مقر انعقاد اللجنة، وقلت فى سرى: بسم الله الرحمن الرحيم، يا بركة دعاء الوالدين، وقبل أن أجلس على الكرسى نادانى رئيس اللجنة وقال لى أنت مقبول وكان الشيخ رزق خليل حبة ضمن تلك اللجنة، وكان قبولى ضمن قراء الإذاعة فى العام 1970.
ورغم أن الشيخ الطبلاوى كان من قراء القرآن الكريم الكبار، فقد جمعته صداقات مع المطربين والملحنين البارزين مثل عبدالوهاب وفريد الأطرش وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ وكان من المعجبين بصوته الكاتب الصحفى الراحل محمود السعدنى وكان الرئيس السادات يحب الاستماع إلى صوته، وبفضل موهبته وتميز صوته وتمكنه من علم القراءات. قرأ القرآن فى ثمانين دولة منها أمريكا واليونان وإيطاليا ونال تكريماً من الملك الراحل الحسين بن طلال ملك الأردن لما سافر إلى عمان مدعواً من وزارة الأوقاف الأردنية فى العام 1973.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بطول الرصيف الواسع الممتد، اصطفت الماشية: أغنام وأبقار تحديداً، وبما أن العيد الكبير، عيد الأضحية، اقترب، فالمنظر يبدو مقصوداً، وغريباً...
تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من...
شخصيات لها تاريخ «102» مذابح الأرمن المسيحيين وقعت فى عهده وبتوجيه منه ورفض إقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين...
إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم...