دأب المستشرقون على الطعن فى القرآن الكريم خاصة السور الطويلة بقولهم إنها تتناول موضوعات كثيرة لا رابط بينها، وعندما تناولوا سورة البقرة مثلا ذهبوا إلى أنها تتناول ما
دأب المستشرقون على الطعن فى القرآن الكريم خاصة السور الطويلة بقولهم إنها تتناول موضوعات كثيرة لا رابط بينها، وعندما تناولوا سورة البقرة مثلا ذهبوا إلى أنها تتناول ما يزيد على عشرة موضوعات مختلفة هى: خلق آدم، خروج آدم من الجنة، نعم الله على بنى إسرائيل، عصيان بنى إسرائيل لنبيهم موسى عليه السلام، إنكار اليهود لنبوة النبى محمد صلى الله عليه وسلم، تحويل القبلة، بناء إبراهيم عليه السلام الكعبة، البر وتعريفه، القصاص، الوصية، الصيام، الجهاد، الحج... إلى آخر الموضوعات، لكن ما غاب عن المستشرقين هو أن جميع موضوعات سورة البقرة يربط بينها مقصد واحد.
لقد غاب عن المستشرقين ومن دار فى فلكهم أن هناك فرقا بين موضوع أو موضوعات السور ومقاصد السور، فموضوعات السورة هى الأجزاء التى تتكون منها السورة، وهى عبارة عن قضايا مختلفة مذكورة فى السورة، عندما تنظر إلى كل قضية تجد أنها مستقلة، ولكن هناك خيطا رفيعا يجمع بين هذه القضايا ويؤلف بينها، هذه القضايا هى موضوعات السور. ويجمع العلماء على أن للقرآن الكريم مقاصد عامة، تنتشر فى سوره، فقد تحمل سورة مقصدا واحدا أو أكثر، غير أن كل سورة من سور الذكر الحكيم تحمل مقصدا أو هدفا أو رسالة تشرح المقاصد العامة لكتاب الله أو تؤكدها، أو تركز على تفصيلة من تفصيلاتها.
الوحدة الموضوعية
إن مقصد السورة ـ كما يقول العلماءـ هو مغزى السورة الذى ترجع إليه معانيها ومضمونها، ويمثل روحها التى تسرى فى جميع أجزائها. والمقصد هو الحكمة التى قصدت السورة لتحقيقها، والهدف الأعلى والغاية العظمى التى جاءت السورة لتحقيقها، وهو أصل معانيها التى ترجع إليها. ولهذا فإن معانى السورة لا تحقق إلا بعد استيفاء بالنظر واستخراج مقصدها، فلا نستطيع الوصول إلى كل المعانى فى السورة، إلا بعد أن ننظر فى موضوعات السورة، ثم نفهم الرابط والمقصد الذى يجمع موضوعاتها، ويربط آياتها.
ويستخدم بعض العلماء مصطلح "سياق السورة" للتعبير عن مقصدها، وبعضهم يسميه غرض السورة، فيقولون مثلا: غرض سورة القيامة هو الحديث عن يوم القيامة، وأن غرض سورة "الإخلاص" هو إخلاص صفات الله تعالى وأسمائه، التى لا يشاركه فيها أحد.
وهناك من يطلق مصطلح "الوحدة الموضوعية" على مقاصد السور، أو الوحدة السياقية فى السورة، أو موضوع السورة العامة. وكذلك: عمدة السورة، وهدف السورة، ومحور السورة، ومضمون السورة، ومدار السورة، وفلك السورة، وجوّ السورة، وشخصية السورة، وروح السورة.
فاتحة الكتاب
مقصد وهدف سورة الفاتحة هو جمَع مضمون القرآن كُلِّه، فهى سورة جامعة لعلومِ الكتابِ العزيز، فما من شىءٍ ورد فى القرآن مُفَصَّلاً إلاّ وقد أُجْمِلَ فى الفاتحة؛ ولذلك سُمِّيَت بـ "أُمَّ القرآن"، وأُمَّ الكتاب، فالقرآن كلُّه تفسيرٌ لسورةِ الفاتحة. والدين كله يتلخص فى (إياك نعبد وإياك نستعين) فبالعبادة والاستعانة تتحقق العبودية لله تعالى ويتحقق التوحيد (توحيد الإلوهية والربوبية والأسماء والصفات)، وتوحيد التوجه لله وتوحيد التلقى منه سبحانه.
البقرة
مقصد سورة البقرة هو إقامة الدليل على أن القرآن الكريم هدى من الله تعالى، يجب اتباعه فى كل حال، وأعظم ما يهدى إليه القرآن هو الإيمان بالغيب، والذى يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسلة واليوم الآخر والقدر، وفى قصة بقرة بنى إسرائيل يتجلى الِإيمان بالغيب، من الإحياء بعد الإماتة، ولذلك تعرضت السورة للقلوب القاسية التى لا تؤمن بالغيب، وهى القلوب المستحقة للشقاء، وفى السورة إشارة إلى أن هذا الكتاب – القرآن - فينا كما لو كان فينا رسول من أولى العزم عليهم السلام يرشدنا إلى الصواب فى كل ما يعترضنا، فمن أعرض عن القرآن خاب، ومن تردد كاد أن يضل، ومن أجاب أتقى.
ومن العلماء من قال: إن مقصد سورة البقرة هو إعداد الأمة لعمارة الأرض والقيام بدين الله، من خلال منهج يقوم على ثلاثة عناصر هى:
- تقوى الله.
- الطاعة المطلقة لله وفق منهج شامل متكامل.
- التميز بشخصية مستقلة.
ذلك أن سورةِ البقرةِ فيها بيان أحكام الشريعةِ فتكرر فيها ذكر الصلاةُ، والزكاة، والصّومُ, والحجُّ, والجهادُ, والطلاق, والمعاملات الماليّة, والإنفاق والربا والمداينات، وغيرها من العبادات والأحكام والمعاملات المهمة لإعدادِ الأمّةِ فى حملِ أمانةِ الدينِ والشريعةِ ونشرِها، ولذلك جاءَ قسمُها الأوّلُ فى بيانِ العقيدةِ والإيمانِ، وتضمّنَ قسمُها الثانى كلّيّاتِ الشريعةِ، (يقصد بكليات الشريعة مقاصد الشريعة الإسلامية وهى: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل أو العرض، وحفظ المال).
كما تضمنت سورة البقرة ذكرَ أحوالِ بنى إسرائيلَ، إشارةً إلى سلبِ الخلافةِ مِنهم ومنحِها لأمّةِ محمّد صلى الله عليه وسلم، ولذلك برزت فى السورة قصة تحويل القبلة، وقد جاء فيها تربية الأمة على تلقى أوامر الّلهِ تعالى بإبراز قصة البقرة التى توضح حالِ بنى إسرائيل وتعنتهم فى تلقى أوامر الله جل وعلا، وفى هذا تحذير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا كبنى إسرائيل.
آل عمران
تطرح سورة آل عمران العديد من الموضوعات، منها: توحيد الله وتعظيمه، وقصة مريم وزكريا عليهما الصلاة والسلام، وطرف من مجادلة أهل الكتاب، وبيان أولية بناء الكعبة والمسجد الحرام على غيره من المساجد، والحث على التقوى والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وبيان خيرية هذه الشعيرة، وذكر معركة بدر وما وقع فيها من النصر للمؤمنين، والأمر بالمسارعة للعمل الصالح لنيل مغفرة الله، ومَشاهد من معركة أحد وما وقع للمسلمين فيها.. فما الذى يربط بين هذه الموضوعات؟
الرابط هو مقاصد السورة، ومن العلماء من ذهب إلى أن لسورة آل عمران مقصدا واحدا يربط بين موضوعاتها، وهو الثبات على الإسلام بعد كماله وبيانه، وتحمل المسئولية التى عرضت فى سورة البقرة ببيان عوامل الثبات، وهذه العوامل تتمثل فى:
- سد باب الشبهات العقائدية.
- سد باب الشهوات السلوكية والأخلاقية.
- سد باب التميع وذوبان الشخصية المسلمة فى أو مع غيرها.
ومن العلماء من ذهب إلى أن لسورة آل عمران سبعة مقاصد هى:
أولا: تقرير أصول الشريعة المتمثلة فى عقيدة التوحيد والعدل والنبوة والميعاد، ودل على ذلك قوله سبحانه: {الله لا إله إلا هو الحى القيوم}. وقوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط}، وقوله عز وجل: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين}، وقوله سبحانه: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد}. كما أن السورة قصدت إلى تقرير بعض الأحكام التكليفية كالحج {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}، والجهاد {ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}، وغيرهما. وأيضاً فقد قصدت السورة إلى بيان جملة من الآداب السلوكية، وهو ما قررته الآية الجامعة وهى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}.
ثانياً: التفرقة بين عقيدة التوحيد الخالصة الناصعة، وبين عقائد أصحاب الديانات المنحرفة والمضللة ودحضد عقائدهم المناقضة للتوحيد، وإبطال مذهبهم، ونفى الشبهات التى تضمنتها معتقداتهم المنحرفة، أو التى تعمدوا نثرها حول صحة رسالة النبى صلى الله عليه وسلم. فالسورة تنفى فكرة الولد والشريك، وتستبعدهما استبعاداً كاملاً؛ وتسخف تصورها؛ وتبسط مولد مريم عليها السلام وتاريخها، وتاريخ بعثته وأحداثها، بطريقة لا تدع مجالاً لإثارة أية شبهة فى بشريته الكاملة.
ثالثاً: كشف الصراع الأصيل والدائم بين أهل الإيمان والتوحيد وبين أهل الكفر والشرك. وهو صراع مستمر ومتطور، وقد أوضحت السورة للمؤمنين حقيقة ما هم عليه من الحق، وحقيقة ما عليه أعداؤهم من الباطل، وشرحت طباع أعداء هذه الأمة وأخلاقهم وأعمالهم ونياتهم، وفضحت ما يضفونه على أنفسهم من مظاهر العلم والمعرفة والتقدم.
رابعاً: بيان حال المؤمنين مع ربهم؛ حيث عرضت جملة من أخبار من اصطفاهم الله سبحانه لأداء رسالته، وتتمثل هذه الصور فى مناجاة امرأة عمران لربها، فى شأن وليدتها. وفى حديث مريم مع زكريا عليهما السلام. وفى دعاء زكريا عليه السلام ونجواه ربه. وفى رد الحواريين على نبيهم، ودعائهم لربهم.
خامساً: توضيح ملامح النفس المؤمنة، وتصوراتها، ومشاعرها، وأطماعها، وشهواتها، ودوافعها، وكوابحها. وقد عالجت السورة هذه النفس بكل رفق وتلطف وإرشاد وتوجيه، نلمس ذلك فى الآيات التى تحدثت عن وقائع غزوة أُحد، وما جرى فيها من تمحيص للنفوس، وتميز المنافقين من المؤمنين، وتوضيح سمات النفاق وسمات الصدق، فى القول والفعل والشعور والسلوك.
سادساً: تقرير أن وقائع الحياة وأحداثها فى النصر أو الهزيمة، والنجاح أو الفشل والتقدم أو التأخر، إنما تجرى وفق سنن الله الجارية فى الكون، ولذلك يجب الأخذ بالأسباب الظاهرة، فإذا أخذ بها المسلم نجح وتقدم، وإذا أعرض عنها أو تجاهلها خسر وتأخر.
سابعاً: بيان أن هذا الكون كتاب مفتوح، يحمل دلائل الإيمان وآياته; ويوحى بأن وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى وحساباً وجزاء. يرشد لهذا قوله سبحانه: {إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب} (آل عمران:190)، وخُتمت السورة بقوله تعالى: {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار}. فجاءت هذه الآيات لتوجه القلوب والأنظار إلى أن هذا كتاب الكون المفتوح؛ الذى تتقلب صفحاته على مر السنين والأيام، فتتبدى فى كل صفحة آية موحية، تستجيب لها الفطرة السليمة.
ونتابع بإذن الله فى الحلقات التالية التعرف على مقاصد سور القرآن الكريم، وكيف تفيدنا فى فهم موضوعات السور والربط بينها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كثير من المنازل السعودية تتكرر شكوى شائعة بين المستخدمين، وهي أن بعض الأجهزة المنزلية تتعطل مرة أخرى بعد فترة...
في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية