دسوق .. بلد حورس وسيدى أبو العينين

دسوق أهم مدينة فى تاريخ مصر القديم والحديث فمنها خرجت أولى محاولات توحيد القطرين، قبل أن يقوم الملك مينا بعملية الربط بين الشمال والجنوب "3200 قبل الميلاد", وهى أهم

دسوق أهم مدينة فى تاريخ مصر القديم والحديث فمنها خرجت أولى محاولات توحيد القطرين، قبل أن يقوم الملك مينا بعملية الربط بين الشمال والجنوب "3200 قبل الميلاد",  وهى أهم مدينة صوفية فى الدلتا بالتوازى مع طنطا - وليست بعدها- ففى "طنطا" "السيد البدوى" وفى دسوق "إبراهيم الدسوقى" والاثنان من أقطاب الصوفية, وفى دسوق تجتمع صناعة الحلوى  وصناعة الفسيخ  ويجتمع "الموت" و"الحياة" على أرضها العريقة الوطنية المقاتلة فى سبيل المعانى النبيلة.

(1)

عرفت "دسوق" من العم الفنان "محمد شهدى"، فهو ابن المناضل النقابى القديم "أحمد شهدى" أحد "أسطوات" مصر الذين استعان بهم رئيس الوزراء "عزيز صدقى" فى بناء الصناعة الوطنية فى زمن الرئيس جمال عبدالناصر.. ومازلت أزور العم "محمد شهدى" الفنان  التشكيلى المتفرد فى بيته الواقع فى حى بولاق أبو العلا وفى بيته يلتقى المبدعون والمثقفون يستمعون إلى أحاديثه وحكاياته وينهلون من "مكتبته" وخبراته الواسعة وهو "أب روحى" لعشرات من المخرجين والمصورين والروائيين والرسامين يعطى بسخاء ومحبة منقطعة النظير.

(2)

وفى مرحلة لاحقة عرفت الفنان الكبير الراحل "محيى اللباد" كان يرسم الكاريكاتير فى جريدة الأهالى فى ثمانينيات القرن الماضى، ثم عرفت فيما بعد أنه واحد من أهم صناع الكتاب فى  الوطن العربى، بل على مستوى العالم كله والدليل نجده فى منظمة اليونسكو التى كانت تستعين به فى وضع تصاميم أغلفة مطبوعاتها الخاصة بالمنطقة العربية وجمعتنى صداقة طيبة مع ولده الفنان "أحمد اللباد" وجمعتنى مودة مع ولده الراحل الدكتور "مصطفى اللباد" المتخصص فى الشأن الإيرانى وقد رحل الدكتور "مصطفى اللباد" عن الدنيا منذ شهور، بعد صارع مع المرض اللعين لكنه ترك فى قلوب محبيه حزنا عميقا وجرحا لا يندمل، والفنان محيى اللباد وولداه أحمد ومصطفى هم فروع  من شجرة طيبة، شجرة نبتت فى إحدى قرى "دسوق" هى "شباس الشهداء" وأثر هذه العائلة ممتد فى ربوع الوطن العربى من المحيط إلى الخليج.

(3)

وعرفت "محمد رشدى" الفنان المطرب صاحب الصوت الشعبى القوى، وهو من أبناء "دسوق" وقدم ملحمة "أدهم الشرقاوى" للإذاعة المصرية الأمر الذى لاقى إعجاب "الجماهير"  فأحس "عبدالحليم" أن عرشه مهدد فقرر القيام بالغناء فى فيلم "أدهم الشرقاوى"، لكن ظل صوت "محمد رشدى" وهو يتغنى بموال أدهم هو الأقوى والأكثر  حضورا  فى أذهان الناس، لأن صوت "محمد رشدى" مناسب لحالة "الفتونة" والفروسية التى كان عليها "أدهم الشرقاوى" ابن محافظة "البحيرة" المجاورة لمدينة "دسوق"، وأهل "مكة" دائما أدرى وأعلم بشعابها.

(4)

هذه المدينة "دسوق" يجرى اسمها على  ألسنة أهل الطرق الصوفية، وقد قادتنى قدماى إلى زيارتها مرة وصليت "الجمعة"  فى جامع "سيدى إبراهيم الدسوقى" وفيما بعد سوف يقوم أهالى هذه المدينة المتصوفة بمطاردة قادة جماعة الإخوان الإرهابية وطردهم شر طردة، لكنهم لما تولوا الحكم فى العام الأسود، أرادوا  كسر شوكة الشعب المتصوف الطيب القلب، فكشف لهم الشعب عن الوجه الآخر وعلمهم درسا لن ينسوه، وأهالى "دسوق" لهم مواقف وطنية مشهودة كان آخرها منذ شهور، عندما قرر "صنايعية" المدينة القيام بصيانة مستشفى دسوق العام تبرعا وتطوعا لوجه الله والوطن واستطاع السباكون والحدادون والنجارون تقديم صورة طيبة ونموذج لمعنى الجهود الشعبية الذاتية فى سبيل خدمة الوطن.

(5)

 ولعلك يا عزيزى القارئ تسأل عن معنى كلمة "دسوق" ومعناها تجده عندما تفتح المعجم عند مادة "د.س.ق" و"دَسَق" لفظ عربى خالص معناه الحوض الملىء بالماء  حتى آخره، وتقول العرب "ملأت الحوض حتى دَسَقَ" أى حتى فاض الماء على جوانبه، ومن هنا استمد العرب صفة "الدّسق" والصقوها بهذه المدينة التى كان فيضان نهر النيل يملأ أحواضها فصارت وكأنها "أحواض دُسُقٌ" أو أحواض دسوق، وشاع اسم دسوق فغلب على اسمها القديم "بوتو" وهو اسم مصرى فرعونى  وقبطى قديم.

(6)

ومكانة مدينة "بوتو" فى الثقافة المصرية القديمة كبيرة، فهى المدينة التى أودعت فيها "إيزيس" ولدها "حورس" ليكون فى رعاية الإلهة "وادجت" بعيدا عن شرور عمه "ست" إله الشر، والموضع الذى ذكر بهذا الشأن هو"جزيرة اخبيت" التى هى قرية "شابة" فى الوقت الحالى.. وكان أهالى "بوتو" - دسوق الحالية- هم المؤيد والداعم  للإله "حورس" فى مواجهة "ست" حتى حكمت "محكمة الأرباب" فى قضية العرش فحكمت لصالح "حورس" واعتبرته إلها لعالم الأحياء وأعلنت والده "اوزوريس" إلها للعالم السفلى، وكانت "بوتو" هى مقر مملكة الشمال ورمزها "التاج الأحمر" ، مثلما كانت "إدفو" فى صعيد مصر هى مقر مملكة الجنوب ورمزها "التاج الأبيض"، قبل إقدام الملك "مينا" على القيام بدوره التاريخى فى  توحيد الشمال والجنوب لتصبح "مصر" مملكة موحدة تحت حكم ملك واحد.

(7)

وكان المصريون  القدماء يذهبون إلى "بوتو" لإقامة الطقوس على جثمان المتوفى منهم باعتبارها أرضا مقدسة وبمرور السنوات توقف المصريون عن ممارسة هذه الطقوس ولكن ظلت "بوتو" تحتل مكانة مقدسة فى قلوبهم.

(8)

ومن المهم أن تعرف يا عزيزى القارئ  أن بعثة كلية الآداب جامعة طنطا بدأت أعمالها تحت رعاية الدكتور "فوزى عبدالرازق مكاوى"  للبحث عن مدينة "بوتو" القديمة منذ حوالى ثمانية وثلاثين عاما، واستطاعت العثور على بقايا معبد المدينة فى منطقة "تل الفراعين" وعثرت حول المعبد على قطع أثرية مهمة يعود تاريخها  إلى "الدولة الحديثة" والعصر الصاوى والعصر المتأخر  وتأكدت البعثة بالأدلة التى لا تقبل الشك أن "بوتو" شهدت مولد فكرة توحيد شمال مصر وجنوبها، وأن ستة من ملوكها حملوا التاج الأحمر والأبيض وأن "بوتو" تعرضت للتخريب على أيدى "الهكسوس"  وكذلك فى عهد الملك "رمسيس الثالث" أثناء حروبه مع شعوب البحر، وفى عصر "ابسماتيك  الأول" ظهرت أهمية مدينة "بوتو" من جديد.

(9)

أما فى العصر الإسلامى فقد كانت دسوق تابعة لمحافظة الغربية، وفى زمن الحملة الفرنسية جعلها "نابليون" تابعة لمدينة "رشيد" وفى العام 1871 ظهرت "دسوق" فى أوراق الحكومة المصرية  لتصبح مدينة لها قرى تابعة لها وأصبح "مركز دسوق" واحدا من أعمال محافظة "كفر الشيخ" بعد انفصال.

"كفر الشيخ" عن" الغربية" ومازالت "دسوق" ذات أثر فعال فى دلتا "مصر" ولها أهمية دينية وتجارية تفوق كفر الشيخ نفسها.

(10)

وأخيرا لك أن تعرف يا عزيزى القارئ أن من دسوق مشاهير هم الشيخ "محمد عبدالله دراز" العالم الأزهرى والدكتور "أحمد زويل" والفنان "محمد الدفراوى" والكاتب الصحفى "عبدالوهاب مطاوع" والفنانة التشكيلية "إيفلين عشم الله" والأنبا أغاثون" أحد قادة الكنيسة الأرثوذكسية المصرية.

انفوجراف

بلغ عدد سكان "دسوق" "137.725"  ألف نسمة فى إحصاء 2017 وتبلغ مساحة المدينة  11.76 كيلو متر مربع.

سكان مدينة وقرى "دسوق" المسلمون ينتمون إلى القبائل العربية ويعيش معهم المصريون القدامى "القبط" فى وئام وسلام اجتماعى ولم تشهد المدينة أية حوادث طائفية على مدى تاريخها.

يطلق أهالى الدلتا على سكان مدينة دسوق اسم "الدسايقة" وشهرة المدينة مستمدة من مقام سيدى "إبراهيم الدسوقى" الذى يبلغ عدد زواره سنويا حوالى المليونى زائر.

فى مدينة "دسوق" شارع مشهور اسمه "شارع الحدادين" وفيه يتم تصنيع الآلات الزراعية من محاريث وماكينات رى وكذلك صيانتها مما جعل "دسوق" مدينة ذات أهمية فى جميع قرى محافظات الدلتا التى تعتمد فى حياتها على الزراعة.


 	خالد اسماعيل

خالد اسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد