على الرغم من أن هناك مناسباتٍ كثيرة مهمة، خلفها (محمد على باشا ـ 4 مارس 1769 ـ 2 أغسطس 1849)، تستحــــق مــــنا أن نحتفـــــل بها سنوياً، لنتذكر ما قدمه هذا الحاكم
على الرغم من أن هناك مناسباتٍ كثيرة مهمة، خلفها (محمد على باشا ـ 4 مارس 1769 ـ 2 أغسطس 1849)، تستحــــق مــــنا أن نحتفـــــل بها سنوياً، لنتذكر ما قدمه هذا الحاكم الفذ، إلا أننا اخترنا أن نحتفل معه ـ وعلى طريقته ـ بيوم طالما انتظره هو واستعد له لعقود طويلة، وهو يوم صدور فرمان من السلطان العثمانى، يمنحه حق توريث حكم مصر لأبنائه، يوم الثالث عشر من شهر فبراير عام 1841.
أردنا أن نحتفل مع الباشا بطريقة كان يعرفها جيداً فى حياته، حيث نتتبع فى هذا الموضوع كل ما يمكن معرفته من كتب التاريخ عن مزاج الباشا، عن الأنواع التى كان يحتسيها هو وأسرته وجنوده من الخمور و"المعجون" والمخدرات، ربما استطعنا أن نرى جانباً فى شخصيته الغامضة، لم يكن تبين من قبل، رغم كل ما كتب من مطولات وقصائر، حول هذه الأسطورة التاريخية المدهشة المسماة محمد على.
إذا كنا نحتفل بمحمد على اليوم، وبعد 179 عاماً من هذا الفرمان، فإن ذلك يرجع إلى أننا نعتبر الباشا، مؤسس الدولة العلوية، حاكماً قدم لمصر الكثير من المشروعات والفتوحات الاقتصادية والزراعية والتجارية والعسكرية، إلا أنه مثل أغلب مَن جلس على عرش هذا البلد، صنع كل أمجاده بأيدى فقراء المصريين ورسم الهالة الأسطورية حوله، على حساب جهد المصريين وعرقهم وأموالهم وضرائبهم.
فى عصره بدأت بعض ملامح الدولة الحديثة تظهر على الأرض، وهى الملامح التى دأبت كتب التاريخ على اعتبار أن بانيها هو مؤسس "مصر الحديثة"، هكذا بمفرده، دون الإشارة إلى جيش جرار من الموظفين والجنود والمنتمين إلى الأعمال الإدارية المختلفة، داخل هذه الدولة الوليدة، ومن دون الالتفات إلى كمية الضرائب الباهظة التى فرضها الباشا على أعمال الترفيه، التى كانت تتم بموجب رخصة تصدرها الدولة، وتحصّل بناء عليها ضرائب، اعتبرت مورداً لا ينفد لتمويل خزينة الدولة، لتوفير المال السائل اللازم، من أجل مشاريع الباشا الاستعمارية، ورفع راية الجيوش التى تحمل اسمه على أعلامها، فى مناطق كثيرة من هذا العالم.
وبعد مرور كل هذه السنوات على انتهاء دولته وحكم أولاده وأحفاده، بقيام حركة الضباط الأحرار 1952، توصلنا إلى أن الباشا كان له ما له وعليه ما عليه، أى نعم مصر قبل هذا الرجل الفريد، الذى جلس على عرشها أكثر من أربعين عاماً، كانت فى حال، وصارت بعد وفاته فى حال آخر تماماً، إلا أنه كان فى قرارة نفسه تاجر دخان وصاحب مزاج، يُقدر الفكرة البراقة ويستمتع بحياته على النحو الذى يُعجبه، ولأننا نعرف أن تاجر الدخان الألبانى كان صاحب مزاج، مثل المصريين تماماً، ونعرف أن كتب المؤرخين لا تهتم بأسئلة العامة ولا تنشغل بالرد عليها، أردنا أن نحتفل مع الباشا بطريقة فضلها دائماً للاحتفال، مستعرضين ما وصلنا من الفرمانات التى صدرت فى هذا الخصوص، وكيف لعب كل ذلك دوراً فى صناعة أسطورة محمد على، الذى تعلم القراءة والكتابة فى سن الخامسة والأربعين، بعدما بدأ يدير الدولة كلها بالمراسلات التى لا تنتهى إلى كبار موظفيه فى المديريات المختلفة.
فى كتابه "الفرعون الأخير محمد على"، كشف جيلبرت سينويه، عن سطور مهمة وردت فى مذكرات طبيب محمد على الخاص، والتى صدرت بعنوان "مذكرات دكتور كلو"، الذى هو على الأرجح كلوت بك، مؤلف الكتاب الشهير "لمحة عامة إلى مصر"، مشيراً إلى الحالة الصحية للباشا، مؤكداً أنه "فى فترة من الفترات كان مقبلاً على الشراب"، وهو ما يعنى أن الرجل كان مقبلاً على تناول المشروبات الكحولية، إلا أنه على ما يبدو قد أقلع عن شربها فى فترة لاحقة، تحت إشراف الطبيب الفرنسى، لأن وثيقة أخرى تلفت النظر إلى نوع آخر من أنواع المزاج، كان محمد على شغوفاً به، بعد ذلك، وهو المخدرات.
صاحب التفانين
فى كتابه الفريد "هوامش المقريزى" يشير الكاتب الراحل صلاح عيسى، إلى واحد من أوامر الباشا المكتوبة بلغة ركيكة، لكنها تشى بأن الرجل كان حريصاً على تناول "المعجون"، مولعاً بالمكيفات وعلى رأسها "القهوة"، وكان يضاف إليها العنبر وزيت الحبهان وبعض المواد المخدرة، وكان ساقيه يقف إلى جانبه، ليقدم له القهوة كلما طلبها، ورأى الوالى أن يضيف إلى الساقى والموظف الذى يحمل حق العنبر موظفاً ثالثاً هو "المعجونجى"، وجاء نص المرسوم الملكى على نحو مثير للدهشة:
"نظراً لما عرف به محمد الصهبجى من توليف المزاج وتوضيب القهوة، فقد اخترناه ليكون "معجون أغاسى"، مهمته تقديم المعجون لنا فى أى وقت، وقد رأينا أن المذكور يستحق أن يعيّن بكيس كامل، (أى 500 قرش)، لما ثبت من حسن إخلاصه وأنه ذو مفهومية وله تفانين".
لقد بتنا نعرف الآن أن الخمور كانت متاحة بوفرة فى قصور الحكم أيام محمد على، وأن "الجوزة كانت عامرة دائماً بجواره"، كما أننا نعرف أن أبناء الأسرة العلوية كان من المعروف عن بعضهم الإسراف فى شرب الخمور الأوروبية، كما كان "إبراهيم باشا" محباً للنبيذ، وذكر جيلبرت سينويه، أنه أمر بزراعة مائتين وستين ألف كرمة فى سوريا، وتم جلب 14 ألفاً منها من مكان يدعى "بوردو"، وقالت مصادر عدة إن إبراهيم كان مسرفاً إسرافاً يصل إلى حد السفه أحياناً فى تناول الخمور، ونحن نملك دليلاً ـ لم يكذبه أحد ـ على أن أكبر أبناء محمد على "إبراهيم باشا"، مات يوم 10 نوفمبر 1848، عندما شرب قارورتين من الشامبانيا المثلّجة تثليجاً شديداً دفعة واحدة، حينما كان جسمه ساخناً جداً، وهى الواقعة التى ذكرها اللورد كرومر فى مذكراته التى تحمل عنوان "مصر الحديثة".
وثائق تركية
وفى البلد الذى علَّم العالم صناعة البيرة، كان لابد للتاجر الألبانى أن يشرب الخمر، قبل أن يتجه بكل قواه إلى تناول المخدرات، عن قناعة شخصية أولاً وعن فهم لطبيعة الشعب المصرى، الذى عرف الباشا أنه شعب نهم إلى ملذات الحياة، لدرجة أن بائعى الحشيش والحواة وجميع المشتغلين بالمهن الترفيهية، كانوا من دافعى الضرائب المحترمين فى تلك الفترة، وبقراءة بسيطة لبعض دفاتر الضرائب فى عهد الباشا يمكن أن تعتقد أن بائعى الحشيش والحواة وغيرهم من أبناء المهن الترفيهية أسهموا بأموال الضرائب التى سددوها فى بناء "مصر الحديثة"، أكثر مما أسهم محمد على ذاته، حيث استغلت إدارته حاجة المصريين فى ظل العمل الجبار الذى يقومون به لبناء دولتهم إلى كل أسباب الترفيه والمتعة، ومارست أجهزة إدارته ابتزاز المصريين بتقنين استخراج مئات الرخص من الدولة للإتجار فى الحشيش، وجلب المزيد من المال إلى الخزانة، وهذه واحدة من أهم دارسيه، الدكتورة عفاف لطفى السيد، تقول هذا المعنى بوضوح وصراحة فى كتابها المهم "مصر فى عهد محمد على"، واصفة إياها بالمصادر المُدرة للمال فى عهد الباشا وفلسفة الضرائب عنده قائلة: "كانت هذه الإقطاعات تشمل عدداً من المصادر المدرة للأموال، مثل جمارك الإسكندرية ودمياط ومصر القديمة، و"بولاق" والخردة، (التى كانت فى الماضى إقطاعاً ممنوحاً لكتيبة "العزب") وكان يتضمن المشعوذين ومحترفى ألعاب القمار والمتكسبين من الألعاب البهلوانية والراقصات وبائعى الحشيش والمشتغلين بالمهن الترفيهية، وهؤلاء كانت تصدر لهم رخص سنوية".
الحق أن الباشا مثلما لم يكن يعرف فى الضرائب إلا جلب الأموال، بغض النظر عن مفهومى "الحلال" و"الحرام"، كان لا يعرف ـ أيضاً ـ فى الجيش سوى إرضاء كبار الضباط أولاً ثم القادة من الصف الثانى، إلى أن يأتى فى المرتبة الأخيرة إلى مرحلة إرضاء الجنود، فالرجل الذى كان يعرف قيمة الاحتفاظ بجنود أشداء ومدربين على أحد الأسلحة، لمواجهة تحديات عصره السياسية فى البر والبحر، كان راغباً جداً فى الحفاظ على قواه العسكرية يقظة، وفى كامل سطوتها، ولذلك كان يعطى التكليفات عادة بإرضاء الجنود، الذين كانوا يحاربون تحت رايات تحمل اسمه هو "جيش محمد على باشا"، الأمر الذى أشار إليه الدكتور خالد فهمى فى كتابه المهم "كل رجال الباشا"، مستنداً فى سرد تفاصيل رؤيته الاجتماعية لبناء مصر الحديثة، إلى وثائق تركية تقول الكثير عن مشكلات تناول الخمور داخل وحدات جيش الباشا، وحتى عن ممارسة الدعارة، كوسيلة للتنفيس عن هؤلاء الجنود، وهذه الوثائق التى ترجمها فهمى لأول مرة عن التركية، تكشف أيضاً عن ممارسات بعض الجند والضباط داخل الوحدات، مشيرة إلى أى حد كانت حرية تناول الخمور متاحة بوفرة فى جيش الباشا.
ومن بين الوثائق التى كشفها فهمى واحدة تشير إلى عام 1836، بعد سنوات من بدء الحملة العسكرية على الشام، حيث قدم "ملازم ثان" فى آلاى الحرس، الذى يقوده أحمد باشا الملنكلى عرضحالاً إلى الباشا محمد على مباشرة، شاكياً من عدم ترقيته منذ ست سنوات، فهو لا يزال فى رتبة "ملازم ثان" بينما رُقى بعض ضباط دفعته إلى رتبة "يوزباشى"، وذكر "الملازم ثانى" أن سبب ذلك هو أن الصاغ الذى يرأسه أحمد أفندى، "ليس بينه وبينه محبة زائدة"، وأضاف الملازم فى شكواه لمحمد على مباشرة أن: "الصاغ يقيم حفلات لشرب الخمر كل ليلة فى خيمته، ويدعو أوزباشى أورطته لـ "يصير بينهم رابطة، بأنهم يصدقونه "يثنون عليه" عند الميرالاى".
يقول فهمى: "ومما لا يخلو من دلالة أن محمد على فى رده على هذا الالتماس لم يأمر بالتحقيق فى سلوك كبار الضباط، الذين وردت أسماؤهم فيه، واكتفى بأن أمر وكيل ناظر الجهادية بالتحقيق فى الأمر، و"راحة" الرجل إذا كان على حق و"إسكاته" إن لم يكن".
حظر الحانات
يشير فهمى بدقة إلى تفاصيل منع المومسات من دخول وحدات الجيش، حيث "كن يجلبن معهن عند دخولهن إلى المعسكرات خموراً"، ويورد واقعة القبض على اثنين من الجند وهما "العربجى درويش" و"البلطجى عثمان" وهما ينتميان إلى "آلاى الهندسة العسكرية"، والحكم عليهما بخمس وسبعين ومائة وخمسين جلدة، بسبب الاضطرابات التى تسبّبا فيها بعد السكر، لافتاً إلى ظاهرة عربدة الجنود سكارى خلال الحملة العسكرية على سوريا، لذلك تم حظر الحانات بنفس الحزم، الذى حظرت به بيوت الدعارة، لكنه كان حظراً شكلياً فقط، يقول:
"حـــــين عوقب العربجــــى درويش والبلطجى العامل بآلاى الهندسة العسكرية" عثـــمان بخمس وسبعين ومائة وخمسين جلدة، بالكرباج على الترتيب، كانت العقوبة ترجع إلى الاضطرابات التى تسببا فيها بعد سكرهما، أكثر مما ترجع إلى القبض عليهما فى بيت للدعارة، وترجع حالات عديدة إلى السلوك غير المنضبط من جانب الجنود فى سوريا إلى سكرهم فى الحانات، وخروجهم إلى الشارع يسيئون للكبار والصغار والمسيحيين بلا سبب، لذلك تم حظر الحانات بنفس الحزم، الذى حظرت به بيوت الدعارة. ومرة أخرى، وكما فى حالة بيوت الدعارة لم يكن الحظر مطلقاً، فقد أمرت الحانات القريبة للغاية من المعسكرات وحدها بالإغلاق، وحين فتح أحد الأجانب حانة، قرب مسجد فى عكا، طُلب منه بلطف أن يغلقها وينتقل إلى الحى الأفرنجى، وربما يرجع ذلك إلى أنه جرؤ على فتح الحانة، بالقرب من مسجد، لكن واقع الحال كان السماح له بفتحها فى مكان أبعد، يعنى أن السلطات لم تكن مُهتمة اهتماماً بالغاً بالأخلاق والآداب العامة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد