عاشت رشيدة مهران فى بلاط الزعيم الفلسطينى ياسر عرفات ست سنوات كأميرة متوجة، لم تكن فيها مجرد مستشارته الثقافية، بل امتد نفوذها وتعاظم داخل منظمة التحرير وخارجها،
عاشت رشيدة مهران فى بلاط الزعيم الفلسطينى ياسر عرفات ست سنوات كأميرة متوجة، لم تكن فيها مجرد مستشارته الثقافية، بل امتد نفوذها وتعاظم داخل منظمة التحرير وخارجها، وكانت صاحبة الكلمة العليا فى اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وسمح لها أبو عمار أن ترافقه فى رحلاته وتحضر اجتماعاته وتترجم مراسلاته، وحماها من رجاله الذين غضبوا من مكانتها ونفوذها، فلم يجرؤ أحد على النيل منها، وصادر كتابا للمفكر والمؤرخ شاكر النابلسى ألمح فيه إلى دورها فى قضية اغتيال ناجى العلى.
لكن عرفات الذى حماها من غضب الرجال لم يستطع أن يدفع عنها (كيد النساء)، فاستطعن ما لم يستطعه الرجال وأزحنها من جوار أبو عمار!
(1)
أولى الغاضبات كانت (أم ناصر) وهو الاسم الحركى للسيدة نجلاء ياسين مديرة مكتب أبو عمار. و(أم ناصر) من أصول لبنانية سورية لأسرة مخلصة للفكر العروبى الناصرى، وحتى قبل أن تتزوج نجلاء من شاب فلسطينى قررت أن توهب حياتها للقضية الفلسطينية، وراهنت منذ سنوات مبكرة على ياسر عرفات لقيادة النضال، وعملت مديرة لمكتبه وتنقلت معه فى المنافى: من سوريا إلى بيروت، ومن بيروت لتونس، ومن تونس إلى رام الله، ورأت الموت بعينيها فى الحصار الإسرائيلى لبيروت وفى معارك أيلول الأسود فى الأردن، ولم يعد عرفات بالنسبة لها مجرد (عمل) بل عقيدة، ففيه تجسدت لها القضية والنضال.
وبسبب إخلاصها ودورها أسند لها أبو عمار مهمة تأسيس اتحاد المرأة الفلسطينية وإدارته، كما منحها عضوية المجلس الثورى لحركة فتح وعضوية المجلس الوطنى الفلسطينى، وظلت إلى جوار عرفات حتى وفاته فى 12نوفمبر 2004 (عاشت بعده 11 عاما وتوفيت فى 19 ديسمبر 2015).
وبحكم مكانة الخالة (أم ناصر) التى لقبها الفلسطينيون بـ (أم الفدائيين) فإنها لم تستسغ وجود رشيدة مهران إلى جوار الرجل الذى أوقفت حياتها على خدمته ودعم قضيته، وحاولت مرارا إزاحة (غريمتها) لكنها – إزاء تمسك عرفات بمستشارته المصرية- لم تشأ التصعيد، وظل غضبها مكتوما.
لكن فاطمة برناوى كانت أكثر جسارة من (أم ناصر) فانفجرت فى رشيدة. و(فاطمة) مناضلة من أصول أفريقية (والدها نيجيرى وأمها فلسطينية) وكانت واحدة من بين أول أربع فتيات انضممن للمقاومة الفلسطينية المسلحة فى منتصف الستينيات ( مولودة عام 1939) وأول فدائية تقوم بعملية مسلحة ضد قوات الاحتلال، وجرى اعتقالها وعاشت فى سجونه فى أسوأ ظروف إنسانية حتى أفرج عنها، وأسند لها عرفات مهمة إنشاء الشرطة الفلسطينية، وحملت رتبة عقيد، وكان عرفات لا يرد لها طلبا.
وحدث فى قاعة (الصنوبر) فى قلب العاصمة الجزائرية عندما وقف عرفات على منصتها ليعلن فى العام 1988 قيام الدولة الفلسطينية، كانت القاعة تحتشد بقادة المقاومة وبشخصيات عربية جاءت لتشهد تلك اللحظة التاريخية، وكانت رشيدة مهران تجلس فى الصفوف الأولى، وأثناء خطاب عرفات كانت رشيدة تتفاعل معه بكل كيانها، كان حماسها مفرطا ومثيرا للانتباه، وهو ما أثار غضب فاطمة برناوى، فاقتربت من رشيدة ورمقتها بنظرات نارية، وهددتها أنها إذا لم تكف عن تلك الحركات الصبيانية فسوف تخرجها بالقوة من القاعة.
كان التهديد حقيقيا وصارما، فانكمشت رشيدة فى كرسيها اتقاء لغضب تلك المرأة السمراء بادية الشراسة.. واشتكت رشيدة بعدها لعرفات، فلم يجرؤ على معاتبة برناوى، فقط طيب خاطر مستشارته بأن احتفل معها بعيد ميلادها الذى حل بعدها بأيام وأهداها قراره التاريخى بقيام الدولة الفلسطينية.
لكن (كيد النسا) كان يدخر مفاجآت وصدمات لرشيدة.
(2)
حاولت رشيدة أن تنهى (المعركة) لصالحها وأن تقنع عرفات بالزواج منها، وكادت النهاية السعيدة تتم لولا معارضة رفاق النضال وقيادات منظمة التحرير، فلم يستسيغوا أن يتزوج رمز النضال الفلسطينى من امرأة غير فلسطينية.
وهنا تظهر سهى الطويل فى حياة عرفات.. ولم يكن ظهورها صدفة ولا ضربة حظ، بل عبر خطة دبرتها والدتها ريموندا الطويل، وكانت صحفية وإعلامية فلسطينية تمتلك شبكة مترامية ومتشعبة وعابرة للحدود. خططت ريموندا بدهاء لتضع ابنتها سهى فى طريق عرفات، واستخدمت فى ذلك إبراهيم الصوص مدير مكتب منظمة التحرير فى باريس وكان زوجا لابنتها (ناديا)، ولما كانت تعرف زيارات عرفات المتكررة للعاصمة الفرنسية فقد طلبت من زوج ابنتها أن يستعين بسهى لتتولى أمور الترجمة فى لقاءات عرفات بكبار المسئولين الفرنسيين، وكانت سهى تجيد الفرنسية كأهلها.
وسارت الخطة بأروع مما خططت ريموندا، فقد وجد عرفات نفسه أمام فتاة فلسطينية لا تقاوم، جمالا وثقافة وحضورا، فطلب ضمها إلى مكتبه، وتطور الإعجاب بسرعة، ونظرا لحساسية موقفه وموقعه كرمز للنضال الفلسطينى، ونظرا لأعوام عمره التى بلغت الستين أو تجاوزتها بسنة، وافقت سهى على طلبه بأن يكون زواجهما غير معلن.
تزوج عرفات من سهى الطويل فى 17 يوليو 1990 وكان عمرها 27 سنة فقط، لكن والدتها لم تستسغ هذا الوضع، فقد كانت تريد أن يعرف العالم بأسره أن الزعيم الفلسطينى تزوج من ابنتها الجميلة، فسربت الخبر إلى الصحافة، واضطر عرفات لأن يعلن زواجه بعد شهور.
كانت ريموندا الطويل شخصية قوية وفيها شراسة واضحة ولا تقبل بأنصاف الحلول، لذلك عملت منذ اللحظة الأولى على الإطاحة بتلك المرأة المصرية التى تحظى بنفوذ ما فى قلب عرفات ومكتبه.. فافتعلت مشاحنات وأزمات مع رشيدة مهران، فقد كانت تدرك أن وجودها فيه خطر على ابنتها.
ووجد عرفات نفسه فى (أزمة نسائية) طاحنة و(صداع) يومى غير محتمل، ولم يجد حلا سوى أن يفصل بين البنزين والنار، وأدركت رشيدة بأنه لم يعد لها مكان إلى جوار الزعيم الفلسطينى، ووافقت على رجائه بأن تعود إلى القاهرة على أن يرسل لها راتبها بلا انقطاع.
وعادت رشيدة عام 1991 لتقيم فى شقتها بالإسكندرية، وحاولت أن تشغل وقتها فحصلت على عضوية اتحاد كتاب مصر فى العام 1995 وكان رقم عضويتها (1281)، ولم تنقطع الاتصالات بينها وبين عرفات، فقد كان يتصل بها تليفونيا ليطمئن على أحوالها، وبادرت هى بالاتصال به عندما سقطت به الطائرة فى ليبيا عام 1992، وعاشت ساعات صعبة حتى جاءها صوته يطمئنها أنه حى يرزق.
وظلت الحياة محتملة إلى أن رحل عرفات فى 12 نوفمبر 2004 ، بعدها بدأت السنوات الأصعب والأسوأ فى حياة مستشارة عرفات الثقافية.
(3)
فوجئت رشيدة بانقطاع راتبها من المنظمة، وكانت الألف دولار التى تصلها شهريا هى مصدر دخلها الوحيد بعد تركها لعملها كأستاذ بالجامعة. ولم تجد حلا سوى أن ترسل خطابا خطيا مؤثرا للرئيس الفلسطينى الجديد محمود عباس تشكو فيه ظروفها وما تتعرض له: "سيادة رئيس دولة فلسطين"أبو مازن" الموقر حفظه الله.. كل عام وأنتم بخير وعافية، أتمنى لكم فى هذا الشهر الكريم التوفيق لكل أهدافكم الوطنية النبيلة وتحقق الأمنية الغالية بإعلان الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف إن شاء الله.. سيدى الرئيس: هذه مظلمة أرفعها إليكم، إلى ولى الأمر، ليحكم بينى وبين المسئول عن هذا الظلم، فكيف يمكن لإنسان أن يعيش فى ظل هذا الغلاء وفى هذا الشهر الكريم بدون أن يتسلم راتبه إلى يوم 16 من الشهر.. وقد علمت سيادتكم أن هذا دخلى الوحيد فكيف تتيسر الحياة فى هذا الظرف، وهل يوجد أى منهم لم يتسلم راتبه للآن، وكم من مرة استغثت بسيادتكم فى مثل هذا الأمر العادى وأنا أعلم مسئولياتكم وأعباءكم.. لذلك أرجو مناشدة سيادتكم أن تعملوا على انتهاء هذا الوضع وألا يتكرر هذا التأخير الأليم حتى ترفع عنى الظلم والحرج والحاجة. آسف كل الأسف بشغلكم بهذا الموضوع البسيط الذى يعنى لى كل شىء . أثق تماما بأنكم ستنجدوننى بالعدل والحق والسرعة التى يستدعيها الموقف.. أدامكم الله عزا وزخرا للوطن ولكل المظلومين.. الدكتورة رشيدة مهران ".
الخطاب بلا تاريخ ومرسل بالفاكس، ويتضح من سياقه أنها أرسلته فى شهر رمضان، وأن ظروفها المعيشية كانت صعبة، وكانت تعتمد بشكل كامل على راتبها من المنظمة الذى خصصه لها عرفات.
نقترب من النهاية المأساوية.. فقد تعرضت رشيدة لمتاعب صحية شديدة، وأثبتت الفحوصات أن قلبها يحتاج إلى جراحة عاجلة، ولم يكن أمامها متسع من الوقت فسافرت إلى لندن لتجرى عملية قلب مفتوح، ووجدت نفسها مطالبة بسداد فاتورة قيمتها 74 ألف دولار، فأرسلت بالفواتير على مكتب الرئيس الفلسطينى، وجاءت التأشيرة أشد ألما من جراحة القلب المفتوح: لسنا مكتب شئون اجتماعية!
وكان عليها أن تبيع ذهبها وكل ما ادخرته فى سنين العمر لتسدد الديون.. وعادت رشيدة مهران لتموت فى شقتها بعد شهور قليلة.
ماتت رشيدة مهران فى 2 نوفمبر 2012، ومن مفارقات القدر أن تغادر الدنيا فى (نوفمبر) الشهر نفسه الذى ولدت فيه عام 1935.. والشهر ذاته الذى شهد رحيل عرفات، وكأن القدر كان يربطها فى الحياة والممات مع الرجل الذى غامرت بحياتها المستقرة ومستقبلها المضمون من أجله، وعاشت بسببه على حافة الخطر، ومن أجلها غضب عرفات من ناجى العلى، وتحدى رفاق النضال وحماها من محاولاتهم التخلص منها، لكنه فشل فى أن يرد عنها (كيد النسا)!
تظل رشيدة مهران لغزا، فرغم ما كتبناه عنها إلا أن الجزء الغاطس من جبل الجليد فى حياتها هو الأهم والأكثر إثارة.. خاصة ما يتعلق بتجربتها إلى جوار الزعيم الفلسطينى الأبرز وتسببها فى اغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطينى الأشهر.. فأين ذهبت أوراق رشيدة مهران بما تضمه من رسائل شخصية بخط عرفات.. وهل كتبت مذكراتها عن سنواتها مع عرفات فى تونس؟.
وبعد رحيل شقيقتها الكاتبة الكبيرة فوزية مهران، أتمنى من (أمل) الابنة الوحيدة للدكتورة رشيدة مهران أن تظهر وتتكلم وترد وتوضح.. عسى أن تجيبنا عن عشرات الأسئلة عن حياة (امرأة نوفمبر).
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد