بور سعيد المدينة التى كسرت أنف الاستعمار فى 1956

فى قلب كل مصرى، مساحة محبة لمدينة بورسعيد من لم يعرف أنها "المدينة الباسلة" التى انتصرت على قوات العدوان الثلاثى فى العام 1956، يعرف أنها المدينة التى فيها "السوق

فى قلب كل مصرى، مساحة محبة لمدينة بورسعيد من لم يعرف أنها "المدينة الباسلة" التى انتصرت على قوات العدوان الثلاثى فى العام 1956، يعرف أنها المدينة التى فيها "السوق الحرة" التى توفر البنطلون "الجينز" وزجاجة "الشامبو" ومن لا يعرف شيئا من هذا كله، يعرف أنها بلد فريق "المصرى" الذى يتعصب ويشجع ويدافع عنه بكل ما أوتى من عزيمة فى مباريات الدورى والكأس.. إنها المدينة التى تعشق التفرد والاستقلال والتحرر.

حاولت الدراما أن تنقل لنا الخصوصية البورسعيدية فقدمت لنا أعمالا تروى تفاصيل الحياة فى بورسعيد فاختارت "اللهجة"، ولكن اللهجة البورسعيدية ليست دليل الخصوصية لأنها قريبة من لهجة "دمياط" أو هى مثلها من حيث الأصوات.. الخصوصية الحقيقية لمدينة بورسعيد تكمن فى "المقاومة" ففى ظل حكم الملك فاروق، كان حزب الوفد برئاسة الزعيم الوطنى مصطفى النحاس يحظى بشعبية واسعة فى المدينة، وعندما تفجرت أعمال الفدائيين  أو الكفاح المسلح ضد الجيش الإنجليزى المرابض فى قاعدة "قناة السويس" كانت بورسعيد تقوم بدورها الوطنى فى هذا الكفاح، وعندما جاء  يوم 5 نوفمبر  1956 نزلت قوات انجلترا وفرنسا أرض المدينة فهبّ رجالها ونساؤها للدفاع عنها، وقدموا الشهداء بكل إيجابية ووطنية وتحركت مصر كلها لتدعم المدينة التى صمدت وقدمت المثل الأعلى للمدن التى ترفض الدخيل والمحتل.

كنت فى "الصعيد" أسمع من الأهالى الذين عاشوا فى بورسعيد حكاية عن "غطيان حلل النحاس" التى تحولت إلى سلاح فتاك فى أيدى النساء أثناء العدوان الثلاثى، قالت الحكاية إن حريم بورسعيد كن يذبحن جنود "المظلات" الإنجليز بغطيان حلل النحاس، ولهذا احتلت المرأة مكانة مساوية لمكانة الرجل فى المجتمع البورسعيدى، فالمرأة فى هذه المدينة لها دور فى الحياة يساوى دور الرجل، فهى تكافح من أجل تربية العيال وتدبر النفقات وتتحايل على المعايش وتقدم الأجيال الحرة للوطن فمن كانت أمه من بورسعيد كان محبًا للحياة، مبدعًا يستطيع أن يتحدى الظروف مهما بلغت من القسوة والشدة.


بورسعيد القديمة فى التاريخ هى "الفرما" وهذه كانت قرية، لكن بورسعيد الحديثة ظهرت إلى الوجود فى يوم 25 أبريل 1869 عندما دشن "ديلسبس" العمل فى حفر قناة السويس، كان ذلك فى عهد الخديو سعيد، فولدت القناة وقتها وٌلدت بورسعيد، وكان الفنار المصنوع من الخشب أول منشأة ظهرت على أرض بورسعيد الحديثة، وتم حفر قناة صغيرة لتصل بين بورسعيد وبحيرة المنزلة، وتم بناء مسجد لعمل القناة فى قرية العرب "حى العرب حاليا"، وشهدت  بورسعدى وقائع ومظاهر الاحتفال بافتتاح قناة السويس، ومن تلك الوقائع استقدام جنود الجيش المصرى لاستقبال ستة آلاف مدعو جاءوا من أوروبا ليشهدوا لحظة افتتاح القناة، واستقدام أعداد من أهالى الدلتا والصعيد والمحافظات الصحراوية بأزيائهم التقليدية ليعبروا عن التنوع الثقافى المصرى ويرحبوا بضيوف حضرة الخديو، وأقيمت ثلاث منصات مكسوة بالحرير وخصصت المنصة الكبرى لجلوس الملوك والأمراء الضيوف. بورسعيد هى التى حمت الشرق الوطنى وهى صانعة المجد السياسى للزعيم جمال عبدالناصر، وهى المدينة الوحيدة فى مصر التى يوجد فيها تمثال بالحجم الطبيعى للزعيم الراحل، لكن هناك دورا آخر قامت به بورسعيد تمثل فى الصمود فى وجه العدوان، الأمر الذى دعا الشعوب العربية إلى التعاطف مع هذا الصمود المبهر فتحركت الشعوب العربية لتقطع خطوط أنابيب البترول، وخرجت المظاهرات فى كل العواصم العربية لدعم صمود أهالى بورسعيد، وتوالت الأحداث حتى بلغت مرحلة التدخل الدولى، فصدر الإنذار السوفييتى الذى أجبر انجلترا وفرنسا على قبول قرار وقف إطلاق النار والانحساب من بورسعيد، وبعد عشرات السنوات من الاحتفال بعيد النصر" 23 ديسمبر " ألغى "حسنى مبارك" هذا الاحتفال، لكن الشعب المصرى فى بورسعيد كان فى يوم "شم النسيم "من كل عام يقوم بطقس خاص معبر عن الروح الوطنية، وهو إحراق دمية  تمثل "اللنّبى" ـ المندوب السامى البريطانى- أو الحاكم الفعلى لمصر المحتلة وظل هذا الطقس يعبر عن خصوصية الوجدان البورسعيدى ويميزه .


فى يوم ـ الاثنين " 5 يونيو 1967" ـ وصلت قوات إسرائيل إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، واقتربت من بورفؤاد وكانت تستهدف السيطرة على بورفؤاد وبالتالى السيطرة على بورسعيد، وعندما وصلت القوات الغازية إلى منطقة "رأس العش" تصدت لها قوات من  الصاعقة المصرية كانت مزودة بالأسلحة الخفيفة، وكانت قوات العدو مكونة من عشر دبابات مدعومة بقوة من "المشاة الميكانيكية" تتحرك بعربات نصف مجنزرة ووقعت المعركة واستطاعت الصاعقة المصرية إجبار القوات المعادية على الانسحاب، ولم تحاول إسرائيل العودة إلى مهاجمة بورفؤاد، وأصبحت معركة "رأس العش" هى أولى معارك حرب الألف يوم أو حرب الاستنزاف التى أعقبت عدوان "5 يونيو" وتشكلت خلالها قدرات الجيش المصرى التى سمحت له بعبور القناة فى يوم السادس من أكتوبر فى العام 1973.

وفى يوم " 8 أكتوبر 1973 " شهدت سماء بورسعيد أقوى معركة جوية بين القوات الجوية الإسرائيلية وسلاح الدفاع الجوى المصرى، عندما هاجمت طائرات العدو المدينة الباسلة، وتصدى لها الدفاع الجوى المصرى وأجبرها على الفرار من دون أن تحقق أهداف الغارة، وقامت القطع البحرية المصرية الموجودة فى قاعدة بورسعيد البحرية بالتقدم فى اتجاه  شاطئ البحر المتوسط وأمطرت مواقع العدو فى سيناء بوابل من قذائفها، إنه الثأر القديم المتجدد، بين بورسعيد وقوى العدوان لم ينس المعتدى بطولة أهالى بورسعيد فى العام 1956، ولم ينس هزيمته فى معركة "رأس العش" ولكن بورسعيد كانت هى الأقوى والأنبل فى دفاعها عن الشرف والتراب الوطنى  المصرى.


تفجرت ثورة 25 يناير وتوالت الوقائع والأحداث، وشهدت بورسعيد  مؤامرة دنيئة استهدفت النيل من مكانتها الوطنية فقد اختارها الأعداء لتكون مسرحا لاغتيال 74 شابا من شباب "ألتراس" الأهلى، وكان الهدف هو ترويع شبان الألتراس وتحويل بورسعيد من المدينة المحبوبة لدى كل المصريين إلى مدينة مكروهة، معزولة، ولكن هذه الخطة  فشلت، لأن أهالى بورسعيد بحثوا عن المجرمين الذين سهلوا ارتكاب هذه الجريمة، وعرفوا "الخونة" الذين ساهموا فى هذا الفعل المعادى للوطنية والإنسانية، مثلما فعل أجدادهم مع "شيكو" الحلاق الخائن الذى قطع الأهالى لسانه جزاء لخيانته فى فيلم "بورسعيد"، الفيلم  الذى سجل بطولات المقاومة ضد العدوان الثلاثى . 

إنفوجراف

تقع بورسعيد شمال شرق مصر وفيها نقطة التقاء البحر المتوسط بقناة السويس ويحدها البحر المتوسط شمالا وتحدها شرقا مدينة "بورفؤاد".

بورسعيد محافظة ومدينة فى الوقت ذاته، وتبلغ مساحتها 1351.14  "كيلو مترمربع".

انفصلت "بورفؤاد" عنها فأصبحت مساحتها 845.445 كيلو متر مربع.

 • حى الشرق هو أقدم أحياء المدينة، حيث سكنه مهندسو شركة القناة من  الأجانب فعرفه الناس بأسم الحى الأفرنجى.

حى العرب من أقدم أحياء بورسعيد ويرجع تأسيسه إلى العام 1890، وكان يسكنه العمال المصريون اللذين حفروا قناة السويس.

تجمع بورسعيد فى عمارتها الأنماط الأوروبية خاصة الإيطالية والفرنسية والانجليزية، وفيها عدد من الكناس ذات القيمة الأثرية والتاريخية، ومن أشهرها "الكارتدارئية اللاتينية" التى يوجد بها جزء من"صليب يسوع "وكنيسة" مارمينا وكنيسة الأنبا بيشوى وكنيسة مارمرقس.

آلة السمسمية الموسيقية تميز "بورسعيد" وهناك فرقة "الطنبورة" التى تقدم الأغانى الشعبية البورسعيدية بمصاحبة هذه الآلة إلى بورسعيد عن طريق العمال النوبيين الذين عاشوا فيها منذ تاريخ مبكر.

عدد سكان بورسعيد "504433" نسمة طبقا لإحصائيات العام 2010.

أحياء بورسعيد سبعة هى.. حىّ

غرب، حىّ الضواحى،حىّ المناخ، حىّ الشرق، حىّ العرب،  حىّ الزهور، حىّ الجنوب.

 


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد