يقوم منع زراعة "التبغ" فى مصر على القرار الوزارى رقم54لسنة 1966 بقصد استنباط التبغ أو زراعته محلياً لأغراض التجارب تحت إشراف وزارة الزراعة، ولم يتخذ القرار بالطبع
يقوم منع زراعة "التبغ" فى مصر على القرار الوزارى رقم 54 لسنة 1966 بقصد استنباط التبغ أو زراعته محلياً لأغراض التجارب تحت إشراف وزارة الزراعة، ولم يتخذ القرار بالطبع لمجرد أن مصر سبق ووقعت على الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية، بشأن مكافحة الدخان يوم 17 يوليو 2003 لحماية البيئة وصحة الأفراد، بل يقوم هذا القرار المثير للجدل، على كثيرٍ من سوء الفهم وخلط المفاهيم، بما يؤدى بالطبع إلى ضياع الحقيقة وسط آلاف الصرخات. ولأن السؤال يتجدد كلما ارتفعت أسعار السجائر، والقضية تفرض نفسها على الأسواق، تعالوا نحتكم إلى التاريخ الذى وهبنا الله فيه كثيراً من العبر والدروس، وهذه خمس حكايات من تاريخ الصراع على زراعة التبغ فى مصر، تقول لنا كيف أجاب المصريون على مدار العقود السابقة على هذا السؤال، نستقيها من كتاب "الدخان والمجتمع المصرى فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر"، للدكتورة هيام صابر، الصادر مؤخراً عن سلسلة "تاريخ المصريين" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
(1) ما أشبه الليلة بالبارحة
نعم، فيما يخص زراعة محصول التبغ فى مصر، لإنتاج أنواع مختلفة من الدخان، يظل المثل القائل "ما أشبه الليلة بالبارحة" هو الذى يصلح لفهم كل ما يحدث فى هذا البلد، خصوصاً ما يتعلق بالمناقشات والجدل الذى يزيد عمره على 120 عاماً، من دون أن نحصل سوى على نفس الإجابة، كأن التاريخ يعيد نفسه كل عدة أعوام بتكرار ممل، أو كأن لا شىء يتحرك للأمام فى هذا البلد على الإطلاق.. محلك سِر.
فقد ظل السؤال لماذا لا نزرع التبغ ونوفر ثمن السجائر والدخان المستورد الذى وصل إلى حد مذهل من التكلفة، جعلت الحكومة تعلن فى يونيو الماضى (2019) أن "إجمالى الضرائب والجمارك المتوقع تحصيلها على السجائر والتبغ المستورد 68 مليارا و27 مليونا و900 ألف جنيه".. ليطرح السؤال نفسه ببداهة.. إذا كان هذا إجمالى الضريبة فقط فكم يكون عائد هذه المبيعات، والأهم كم يبلغ الربح وإلى أين تتجه هذه الأرباح؟..
120 عاماً ونحن نطرح هذا السؤال، ومنذ كان عدد المصريين خمسة ملايين نسمة وإلى اليوم، وقد بلغوا مائة وعشرة ملايين، نسأل: لماذا لا نزرع التبغ فى مصر على الرغم من أننا فى العام الحالى 2019، ووفق آخر إحصائيات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، فإن 23% من المصريين يدخنون نوعاً من التبغ(!!)..
"لا يمكن زراعة التبغ فى مصر".. تلك كانت دائماً الإجابة، ومنذ 120 عاماً، لأسباب تنقسم على نفسها: منها الدينى، الذى يحرم زراعته ـ لكنه لا يحرم استيراده ـ ومنها الطبى، ومنها الاستراتيجى أيضاً، على اعتبار أن زراعة محصول التبغ سوف يقتطع من حصة زراعة محاصيل أخرى استراتيجية مثل القمح، وقد يكون من بين هذه الاعتبارات أسباب وجيهة بالفعل لعدم زراعته، لكنها تبقى ناقصة، إذا لم تستطع أن توقف نزيف الدولارات المدفوعة فى استيراد التبغ والدخان من الخارج، سنوياً.. إذن ما العمل؟
(2) دخان الباشا
كلنا يعرف أن محمد على باشا، الذى يعتبره البعض بانى مصر الحديثة، كان تاجراً للدخان فى مرحلة من حياته، يقول الكتاب إنه كان يشجِّع الفلاحين على زراعة الدخان فى مصر، منذ توليه السلطة 1805، لعلمه بحاجة الأسواق الأوروبية والدولية وقتها إلى التبغ، وساعتها اكتشفت الموهبة المصرية قدراتها على زراعة التبغ، وعلى اختيار الأراضى والمناطق الملائمة لزراعته فى مصر، وحققت حكومة محمد على نجاحاً فى زراعة التبغ، استطاع أن يغطى جانباً من احتياجات السوق المحلية، ووصل إلى حد أن أصبح هناك فى نهاية القرن التاسع عشر، شهرة عالمية للتبغ المصرى.
يقول الكتاب إنه حتى ومن قبل الباشا الألبانى، كان الشعب المصرى نهماً فى تناول الدخان، فقد وصل الدخان إلى مصر قبل الباشا بمائتى عام، وظل يتوسع وينتشر بين المصريين إلى أن تضمنت قائمة عام 1801 تقسيم نشاط تجارة الدخان إلى سبع طوائف متميزة، منها تجارة النشوق بالقاهرة، وتجارة التبغ الملفوف فى الورق بالقاهرة، وباعة تبغ الدخان بالتجزئة بـ "باب الزهومة"، وباعة تبغ الدخان بالتجزئة ببولاق، وباعة تبغ الدخان والنشوق بالجيزة. مشيراً إلى أهم المناطق التى كان يزرع فيها التبغ على أرض مصر وهى فى الوجه القبلى على شواطئ النيل، على الطمى الذى يخلفه الفيضان، أما التنباك، فكان يزرع فى مناطق عدة مثل البحيرة والشرقية والدقهلية والغربية والقليوبية والمنوفية والجيزة وأسيوط وبنى سويف والمنيا وقنا.
تقول الباحثة لتدلل على مدى عشق المصريين للدخان، مستندة إلى ما ورد فى تاريخ الجبرتى: "بمرور الوقت أصبح التدخين مكملاً للمأكل والمشرب، وربما لا يصحان بدونه، ونستدل على ذلك مما قام به الجنود الذين أعدهم محمد على باشا للسفر إلى الحجاز لمحاربة الوهابيين، إذ وافق حلول شهر رمضان وقت خروجهم من المدينة، لذلك كانوا يأكلون ويشربون جهاراً فى النهار، وإذا مروا بالأسواق يجلسون على المصاطب، وبأيديهم الأقصاب والشبكات، التى شربوا فيها الدخان، وإذا تحدث إليهم أحد قالوا نحن "مجاهدون ومسافرون".
(3) طمع السلطان
تقول كل الشواهد إذن، إنّ الدخان كان يزرع فى مصر فى بداية النصف الثانى من القرن التاسع عشر دون قيد أو شرط، حيث تمتعت البلاد بالرخاء، من ناحية الموارد المالية، لكن الباحثة تقول إن قلة احتياجات البلاد فى تلك الفترة كانت سبباً فى بقاء زراعة الدخان حرة دون ضريبة. وتضيف: "لكن بعد أن تدرجت البلاد فى طريق التقدم والمدنية، وازدادت احتياجاتها تطلب الأمر البحث عن موارد مالية جديدة، فاتجهت أنظار الحكومة إلى الدخان، وبدأت سنة 1857 فى فرض ضريبة على هذا المحصول، ومع ذلك ازدهرت زراعته فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، وتعددت أنواعه".
فى عام 1874 وضعت الدولة العثمانية نظاماً لتحجيم زراعة التبغ فى مصر، التى كانت لا تزال ولاية عثمانية وحتى 1914، لكن المصريين تمكنوا بكل الطرق من التحايل على هذا النظام، منذ بدأ تطبيقه منذ 1880، على الرغم من العقوبات الصارمة التى تضمنها، بما يكشف انحياز الطبقة الحاكمة التى كانت تتمثل ساعتها فى الدولة العثمانية، إلى السيطرة والاحتكار ـ غير المشروعين ـ على زراعة الدخان والتنباك، وتدخلها لتمنع زراعته فى مصر، حيث أصدرت الفرمانات بعقوبات مشددة على زراعته، حتى تتحول البلاد إلى مجرد سوق للدخان التركى، الذى كان ينافس الدخان اليونانى والأرمنى ـ وقتها ـ منافسة شديدة فى الأسواق العالمية.
لكن الدولة قررت عام 1889 تحجيم المساحة المنزرعة تبغاً وتنباكاً، حيث عقدت اتفاقاً مع اليونان قبلت بموجبه الحكومة المصرية زيادة رسوم الدخان الوارد إلى مصر، إلى 20 قرشاً فى الكيلوجرام، مقابل أن تتعهد بتحديد زراعة الدخان فى أراضيها بحيث لا تتجاوز المساحة المزروعة بـه 1500 فدان فى السنة".
فى يونيو 1890، وبعد استقرار الاحتلال البريطانى فى مصر، صدر فى عهد الخديو توفيق قرار بمنع زراعة الدخان والتنباك، وتغريم المخالفين 200 جنيه عن كل فدان وهو مبلغ باهظ بأسعار ذلك الزمان، بالإضافة إلى مصادرة وإتلاف المحصول، وكلنا يعرف أن التوسع فى زراعة القطن كان هو السبب الرئيسى وراء مثل هذا القرار المتعلق بالتبغ، لأن إمداد المصانع الإنجليزية بما تحتاجه من القطن الخام، كان هدفاً لحكومة المستعمر البريطانى.
(4) حرب الأهرام والمقطم
انقسم المصريون إزاء القرار بين مؤيد ومعارض، ودارت حرب ضروس بين أهم صحيفتين مصريتين فى هذا الوقت، هما "الأهرام" و"المقطم"، الأهرام عارضت القرار بحثاً عن مصلحة المزارع والمستهلك الذى يعشق الدخان البلدى، و"المقطم" أيدت القرار، وشنت حملة مضادة من السخرية من صحيفة الأهرام، وصلت إلى درجة أنها نشرت فى أحد أعدادها مقالاً يقول كاتبه: "فاحت صفحات الأهرام بروائح التنباك والدخان، فى هذه الأيام تارة بأقلام مديريه وطوراً بأقلام مكاتبيه ومراسليه، فملأ أعمدة جريدتكم بكلام الهزء والهذيان متظاهراً بالدفاع عن مصلحة الوطن وأهله".
لقد لخَّصت المعركة الملتهبة بين أهم صحيفتين عام 1890، معركة لاهبةً بين مواطنى هذا البلد، أى بين نوعين من المصالح فى الأحرى، ينقسمان دائماً إلى حاكم ومحكوم، الأول يحاول أن يجد لنفسه مبرراً فى كل قرار، ما دام هذا القرار يحقق له مصلحة ما، حتى لو كانت على حساب مصالح الغالبية العظمى من المصريين، الذين يمثلون الطرف الثانى المحكوم، تقول الباحثة:"الكثيرون اعتبروا إعادة زراعة الدخان أمراً ضرورياً لأن كمية الوارد منه إلى مصر قدرت بـ " 7 ملايين كيلو جرام"، والصادر لا يزيد على 500 كيلو جرام، وبالتالى تستهلك 6 ملايين ونصف، وهذا المقدار لمحصول 6 آلاف و500 فدان، فإذا فرض أن الأغنياء استهلكوا مليوناً ونصف المليون، فإن البلاد حرمت بفضل ضريبة الاحتلال من زراعة 5 آلاف فدان دخاناً، وذهبت أرباحها إلى أيدى المحتلين".
وعلى الرغم من حرمان مصر من زراعة الدخان إلا أنها اشتهرت بصناعة السجائر، حيث ارتبطت تلك الصناعة بوجود طبقة من المستثمرين الأجانب، معظمهم من اليونانيين والأرمن، بما شجع زيادة الاستثمارات الأجنبية فى هذه الصناعة احتكار تركيا لصناعة الدخان، لدرجة دفعت العاملين فى هذه الصناعة إلى الهجرة إلى مصر والعمل بها، حيث رحبت سلطات الاحتلال البريطانى بصناعة الدخان فى مصر لما تتمتع به من مواصفات جيدة ومنتجات مميزة.
(5) حدوتة مصرية
المطالبة بإعادة زراعة التبغ فى مصر هى الحدوتة المصرية الحقيقية، فقد كان أول تحرك مصرى ضد قرار منع زراعة التبغ، بعد عامين فقط من إصداره، ففى يناير من عام 1892 انعقد مجلس ضم بعضاً من ذوى العلم والخبرة، واقترح بعضهم إعلان الحكومة إعادة زراعته دون تعرضها للخسارة، أو فرض ضريبة على كل فدان 20 جنيهاً فى السنة، على ألا يقل مجموع المتحصل من ضرائب الأطيان المزروعة تبغاً عن مجموع قيمة المتحصل من رسوم "جمرك الدخان الأجنبى".
لقد كان إلغاء زراعة الدخان فى مصر من أقوى الضربات التى وجهها الاحتلال البريطانى إلى الاقتصاد المصرى، تعتقد الباحثة، وتقول: إن البعض اعتبرها النقطة السوداء فى تاريخهم، الملىء بهذه النقاط، تقول: "لأن السير فنسنت الذى أصدر القرار قال فى تقريره وقتها إن مصر بحاجة إلى المال، فإذا توفرت فى المستقبل أموالها رفعت هذه الضريبة عنها" وهو أحد الوعود التى لم يف بها جيش الاحتلال البريطانى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شروق أول أيام العيد، تخرج المرأة المكافحة.. لم تتناول حتى إفطارها فى البيت، فاصطحبت معها لقمة سريعة للإفطار،
"الطريق إلى الله" ليس مجرد سطور بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله، وفهم غاية وجودنا،...
رجال حول الرسول«6» كان أول من أسلم من الرجال الأحرار وأسلمت أمه ثم أسلم أبوه وأنفق فى سبيل الله وجاهد...
تحدى العجز وصنع لنفسه قيمة ومكانة و دور «2-2» الخلاف مع السادات بدأ فى 76 بسبب استثمار الحرب والتحالف مع...