صديق الحفيد: تنازلت عن الدكتوراة ويشرفنى لقب "خادم القرآن"

فى مصر هناك عائلات تتوارث مهنا بعينها، من التجارة إلى الطب، ومن الإعلام إلى العطارة، لكن هذه العائلة تتميز وتتفرد بأنها تتوارث القرآن الكريم، فكل مولود فيها منذور

فى مصر هناك عائلات تتوارث مهنا بعينها، من التجارة إلى الطب، ومن الإعلام إلى العطارة، لكن هذه العائلة تتميز وتتفرد بأنها تتوارث القرآن الكريم، فكل مولود فيها منذور لكتاب الله: حفظا وقراءة، القرآن عندهم فرض عين، ثقافة حياة، وإذا كان التاريخ يفتخر بعائلة «آل الشيخ» التى تتوارث خدمة البيت الحرام، فأصبحوا هم «سدنة» الكعبة، فإن لنا أن نفتخر بعائلة مصرية من «سدنة» القرآن الكريم.

على امتداد قرنين من الزمان ذاع صيت عائلة «المنشاوى» واقترن اسمها بالقرآن، وقدمت نجوما فى دولة التلاوة لعل أشهرهم الشيخ محمد صديق المنشاوى أحد مشاهير وأكابر المقرئين فى العالم الإسلامى، والذى نحتفل هذه الأيام بمرور خمسين سنة على رحيله.

ربما كان الشيخ محمد صديق المنشاوى هو الأشهر فى العائلة، ولكنه عندهم - رغم مكانته وقيمته- واسطة عقد طويل ممتد ممن أنجبتهم الأسرة، سبقه كثيرون منذ زمن مؤسس العائلة الشيخ «تايب»، ولحقه آخرون لن يكون آخرهم الشاب  محمود حفيد الشيخ محمود صديق المنشاوى أحد نجوم العائلة والمقرئ الشهير أطال الله فى عمره.

كنت أكتم أنفاسى مبهورا وأنا أستمع إلى تاريخ تلك العائلة القرآنية العريقة على لسان واحد من أبرز مقرئيها وأحد الحراس الأشداء لتاريخها وتقاليدها وهو الشيخ صديق محمود صديق المنشاوى، نقيب قراء الصعيد وأمين صندوق نقابة محفظى القرآن.. يحفظ الشيخ صديق تاريخ الأسرة كما يحفظ أسماء أولاده، وتحترم فيه وتقدر افتخاره بالعائلة وتاريخها ودورها، بل لا تملك إلا أن تدعو لهم بالأجر والثواب والمحبة.

عن عائلته التى ارتضت أن تتوارث حفظ القرآن وحراسته حدثنى الشيخ صديق المنشاوى.. فانصتوا:

« 1 »

ننتمى إلى أسرة مصرية تنقلت بين أماكن مختلفة إلى أن استقر بها المقام فى «المنشأة» بمحافظة سوهاج، كان ذلك قبل نحو 200 سنة، جدنا الأول ومؤسس الأسرة وأول من ربطها بالقرآن الكريم هو الشيخ «تايب»، وما زلنا نحتفظ بمصحف مكتوب بخط يده.

أول مقرئ فى الأسرة كان الشيخ «السيد» نجل الشيخ تايب، وأنجب الشيخ السيد ولديه «صديق» و«أحمد» والاثنين صارا من مشاهير المقرئين فى الصعيد. جدنا الشيخ صديق كان اسمه فى البداية صديق السيد تايب، ولما ذاع اسمه بدأ الناس يطلبونه للقراءة فى مناسباتهم فيقولون: عايزين الشيخ صديق بتاع المنشأة، فارتبط باسم بلدتنا وأصبح اسمه الشيخ صديق المنشاوى، نسبة إلى بلدتنا، وهكذا حملنا اسم المنشاوى.

وأكرم الله الشيخ صديق بأربعة من الأبناء كلهم كانوا من حفظة القرآن ومقرئيه، هم بترتيب العمر: محمد، أحمد، محمود وحامد.. وتوفي عماى محمد وأحمد فى حياة جدى الشيخ صديق.. ويعتبر عمى حامد هو الوحيد الذى لم يحترف القراءة، فقد سلك طريقه فى سلك التعليم حتى وصل إلى درجة وكيل وزارة.

ومنذ جدى صديق أصبح القرآن أسلوب حياة للأسرة. أى مولود عندنا منذور لحفظ القرآن. أنا لحقت جدى الشيخ صديق، فقد رحل عام 1984 وكنت حينها فى المرحلة الاعدادية. ووقتها كان قد تخطى السبعين من عمره واعتزل القراءة وتفرغ لتعليم أحفاده. كل جيلى من أبناء الأسرة حفظ القرآن على يديه. كل يوم الصبح يجمعنا ، 12 من أبناء عمى محمد و8 من إخوتى أبناء الشيخ محمود، صبيان وبنات، كل واحد من الأحفاد الخمسة عشر يتابعه على حده، كل واحد له جزء من القرآن يقرأه عليه يوميا، ورغم المشقة والجهد البدنى الكبير إلا أنه كان يفعل ذلك فى صبر ورضا كأنه رسالة، لا يتركنا إلا وقت الغداء، ولك أن تتخيل بيتا كخلية النحل لا تتوقف قراءة القرآن فيه طوال النهار.


وكان لى نصيب أن أحمل اسم جدى الشيخ صديق. الطريف أن جدى نفسه كان يرغب فى تسميتى «على» تيمنا بصديقه العزيز الشيخ على محمود المقرئ والمبتهل العظيم، وكان جدى من عشاق صوته وطريقته فى القراءة والإنشاد، لكن والدى الشيخ محمود أصر على تسميتى «صديق» على اسم والده، رغم أننى رقم أربعة فى ترتيب إخوتى بعد أسامة ومحمد وأحمد، لكن شاءت إرادة الله أن أكون صديق المنشاوى الحفيد.

لم يتعامل جدى الشيخ صديق مع قراءة القرآن أبدا على أنها «أكل عيش»، لم يكن يتقاضى أجرا ثابتا على قراءته ولم يكن يتفق على أجر قبل القراءة، والحكاية الشهيرة أنه قرأ فى عزاء أحد وجهاء الصعيد، وأعطاه اللى فيه النصيب  وعاد الشيخ إلى بيته دون أن يعرف كم تقاضى، وفوجئ صاحب المأتم أنه أعطى الشيخ مليما أحمر بدلا من أن يعطيه جنيها، وذهب مسرعا إلى بيت الشيخ ليعتذر له عن خطأه ويصححه، لكنه فوجئ بالشيخ صديق يرفض أن يأخذ الجنيه «وكان الجنيه وقتها له شنة ورنة» وأصر أن يكتفى بالمليم الأحمر.. نصيبه وقسمته، وللأسف فإن حكاية المليم الأحمر تنسب خطأ لمقرئين آخرين فى وجه بحرى، مع أنها تخص الشيخ صديق وعليها شهود ونحن نعرف أسرة «العمدة» بطل القصة.

كان جدى الشيخ صديق يسمى ما يتقاضاه عن قراءته للقرآن «نفحة» أو «هبة»، وغالبا كان يشترى بثلثيها كتبا فى تفاسير القرآن وعلومه وقراءاته، وكان من أشد الناس زهدا.. فلم يسع أبدا لشهرة ولا ثروة.

«2» 

 ومن بين أولاده ذاع صيت الشيخ محمد صديق المنشاوى، ومن يومه كان يبشر بموهبة استثنائية، فقد حفظ القرآن وعمره 8 سنوات، وكان يرافق والده الشيخ صديق فى السهرات والمحافل القرآنية، وبدأ يقرأ وعمره عشر سنوات، وسحر الناس بصوته، وتجاوزت شهرته حدود الصعيد، وسمع به أمين بيه حماد مدير الإذاعة فأرسل فى طلبه لاعتماده فى الإذاعة، لكن الشيخ محمد لم يكن متهافتا على شهرة ولا فلوس، فرفض أن يترك الصعيد فى شهر رمضان، وفى سابقة كانت تحدث لأول وآخر مرة أرسل إليه مدير الإذاعة «بعثة» من نحو 7 أشخاص، منهم المذيع ومهندسو الصوت والفنيون، ليسجلوا له تلاوته فى الصعيد، و عرضوها على لجنة الاستماع فى الإذاعة ووافقت على اعتماده مقرئا.. وجاء إلى القاهرة لينهى الإجراءات ويوقع العقد، وكان يتقاضى 12 جنيها عن النصف ساعة، زادت فيما بعد إلى 25 جنيها، وهو مبلغ عظيم بأرقام تلك الأيام.


والشيخ محمد هو المثل الأعلى لكل الشباب فى أسرة المنشاوى، كلهم عايزين يبقوا زى الشيخ محمد فى تفرده وموهبته وصيته اللى ملأ الدنيا وخدمته للقرآن ومحبة الجميع له، ومن فرط هذه المحبة اخترعوا حكايات ونسبوها له، زى حكاية إنه رفض القراءة فى حضرة الرئيس عبد الناصر، وإنه شعر باستفزاز من كلام مندوب الرئيس لما قال له إنه سيحظى بشرف القراءة أمام الرئيس، فرد عليه الشيخ بما معناه أن الشرف سيكون للرئيس أن يقرأ هو أمامه!

هذا كلام لا يعقل، وفى تصورى أن الذى اخترعها وروجها كان بدافع الحب الزائد للشيخ محمد، ولا أظن أن الحكاية حقيقية، فالرئيس عبد الناصر كانت له مكانة وهيبة عظيمة فى النفوس ولم يكن سهلا على أى مقرئ أن يرد له طلبا، وثانيا لأن عبد الناصر عندنا فى الصعيد يحظى بمحبة وشعبية استثنائية، وحكى لى والدى أنه لما مات عبد الناصر عملوا له جنازة رمزية فى «المنشأة» وخرج كل أهل البلد وراء نعش فارغ ليودعوا عبد الناصر. ولذلك لا أصدق حكاية أن عمى رفض أن يقرأ فى حضرة عبد الناصر .

كذلك لا أصدق حكاية اغتياله بالسم، وأن مقرئا زميلا له حاول أن يدس السم له فى الطعام بدافع الغيرة من شهرته ومكانته. أهل القرآن لا يمكن أن يُقدموا على تلك الجرائم البشعة. والثابت أن عمى محمد كانت علاقته طيبة بالجميع، بدليل حالة الحزن العظيمة والحقيقية التى ضربت الجميع عند رحيل الشيخ محمد سنة 1949 وهو فى عز شبابه وتألقه، فالشيخ محمود على البنا نعاه فى إعلان نشره بالصحف على نفقته، ورغم حر الصيف وقتها ومشقة السفر فقد جاء كل المقرئين إلى «المنشأة» ليعزوا أسرته، وثلاثة من كبار المقرئين وقتها المشايخ: مصطفى إسماعيل وعبد الباسط والبنا أقاموا عندنا فى البلد أيام العزاء الثلاثة وتركوا وراءهم فى القاهرة كل ارتباطاتهم والتزاماتهم. وحكى لى والدى أنهم رفضوا أن يتقاضوا أى أجر وأقاموا عندنا فى بيت العائلة، وإمعانا فى الاحتفاء بهم وبموقفهم كانت الأسرة تذبح كل يوم خروفا من أجل طعامهم.

«3»

 كان الشيخ محمد هو أول مقرئ فى العائلة يقرر الانتقال إلى القاهرة. لكن بشكل عام إحنا كأسرة عندنا ارتباط شديد بالصعيد، ربما يرجع ذلك لفارق العادات والتقاليد وخاصة المرتبطة بالقرآن الكريم، يعنى مثلا القرآن فى وجه بحرى مرتبط بسرادقات العزاء والمآتم، وهذه ظاهرة غريبة وغير صحية، إحنا فى الصعيد القرآن عندنا مرتبط بحياة الإنسان كلها، أحزانه وأفراحه وكل أحواله، واحد راجع من الحج، واحد ربنا رزقه بطفل، واحد ربنا أكرمه ببناء بيت جديد، واحد قرر يتزوج ويكمل نصف دينه..

شىء طبيعى جدا عندنا أن نحيى أفراحنا بتلاوة القرآن، ونختار آيات فيها الفرح والرحمة والتفاؤل بما يناسب الجو العام.. فى بحرى لو الناس سمعت قرآنا يتلى فى بيت أو سرادق يسألوا فورا: مين مات ؟.. أنا مرة كنت مدعوا فى «رشيد» من حوالى خمس سنوات، والناس لما شافونى داخل سرادق فيه أنوار وزينة وأجواء فرح استغربوا، فلم يتعودوا أن المقرئ له مكان فى سرادق الفرح، وأن القرآن صالح لكل مناسبات الحياة، وأنه هنيئا لمن يبدأ حياته بآيات القرآن وبركته.

الشىء الآخر الذى لا يعجبنى فى «بحرى» أن الناس هناك تفتقد إلى آداب سماع القرآن، أنا أشعر بحزن حقيقى لما المزين هناك فى السرادقات لا يرجون للقرآن وقارا، فيهللون ويتصايحون وكأنهم فى فرح وليس مأتما، أمام مقرئ وليس مطربا .. ويحزننى بنفس القدر أن لا يعرف المقرئ نفسه جلال القرآن وهيبته فتكون قراءته إلى التطريب أقرب، بلا خشوع وبلا حرص على الأحكام والحدود.

أنا عن نفسى مع أن يكون المقرئ ملما وعارفا بالمقامات الموسيقية حتى تخرج الآيات بصورة سليمة وبلا نشاز، وحتى يأخذ بأذن السامع فلا ينفر ولا يشعر بملل، وليس سرا أن مقرئينا الكبار بما فيهم الشيخ محمد صديق المنشاوى كانوا يعرفون ويفهمون فى الموسيقى ومقاماتها، وبعضهم درسها على أيدى متخصصين، وأغلبهم قبل زمن التطرف والغلو كان يستمع إلى أم كلثوم وعبد الوهاب وعباقرة المطربين بل ويرتبط معهم بصداقة شخصية. أم كلثوم كانت حالة استثنائية كمطربة ولها قدرة فذة على التنقل بين المقامات وكانت ملهمة للمقرئين رغم الفارق الشديد بين التلاوة والغناء..لا تنسى أن أم كلثوم تربت فى «الكتّاب» وكانت تحفظ القرآن ومتمكنة من اللغة العربية.. أقول ذلك وأنا رجل تخرجت فى كلية اللغة العربية وحصلت فيها على الماجستير.. ويشرفنى لقب خادم القرآن أكثر من درجة الدكتوراه.

لكنى رغم ذلك ضد أن ينساق المقرئ وراء التطريب وصيحات المستمعين، فلا قرآن بدون خشوع والتزام قاطع  بالأحكام.. ثم إن القرآن كما تعلمنا من مشايخنا يُقرأ أولا بالقلب قبل اللسان.

«4»

كان هناك فارق فى العمر بين عمى الشيخ محمد ووالدى الشيخ محمود يبلغ نحو عشرين عاما، وعندما كان الشيخ محمد فى عز مجده كان الوالد صبيا صغيرا، ولما توفى الشيخ محمد بدأ الوالد رحلته مع القرآن، ولا شك أن اسم محمد صديق المنشاوى فتح له الأبواب والقلوب واختصر عليه سنوات من المشقة.

وكان الوالد الشيخ محمود صديق المنشاوى مضرب الأمثال فى الأناقة والوسامة، وهنا فى الصعيد كانوا يعتبرونه ملك الأناقة وينتظرون ظهوره ليقلدوه فى ملابسه ومظهره، وكان حريصا على أن يظهر فى أبهى صورة تليق بمن يحمل كتاب الله.

وأغلب ملابسه كانت من أقمشة غالية الثمن يعود بها من رحلاته خارج مصر ..وكان للوالد حظ أن يسافر إلى أغلب بلدان العالم بما فيها دول لم تتح الظروف للشيخ محمد أن يزورها كأمريكا مثلا..

وهناك مواقف لا تحصى صادفت الشيخ محمد فى رحلاته الكثيرة، ربما كان أصعبها عندما كان مسافرا إلى أندونيسيا لأول مرة سنة 1955ونزل ترانزيت فى مطار كراتشى بباكستان، ولم يكن يعرف الإنجليزية فتفاهم معهم بالإشارة، وكان عليه أن يقضى ليلة فى استراحة المطار، وفوجئ بأنه بمفرده فى استراحة طويلة عريضة بها عشرات الغرف، وكان الجو موحشا ومخيفا فقعد طوال الليل يتلو القرآن بصوت مرتفع حتى مطلع الفجر وموعد إقلاع الطائرة..

وأنا نفسى يطلبوننى فى عديد من الدول على حس الذكريات الطيبة فيها للعم والوالد .. وكأنهم يريدون أن يروا أى واحد من عائلة المنشاوى.

وفى حين كانت هواية الشيخ محمد هى القراءة التى ورثها عن جده الشيخ صديق، فإن الوالد الشيخ محمود كان يهوى الطبيعة، وأسعد أوقاته هى تلك التى يقضيها متأملا فى المناظر الطبيعية وبين الخضرة والأشجار والماء وبديع صنع الله.

أطال الله فى عمر الوالد.. وندعوه أن يظل بيت المنشاوى مفتوحا عامرا.. حافظا للقرآن.. حارسا لكتاب الله.


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد