لا يرى السوريون واو العطف الفاصلة بين مصر وسوريا، لأن كلا الاسمين يمثل وطناً بالنسبة لهم، ورغم المسافة الفاصلة بين مصر وسوريا جغرافيا إلا أن شعبها لا يرى ذلك، ويعتبر
لا يرى السوريون واو العطف الفاصلة بين مصر وسوريا، لأن كلا الاسمين يمثل وطناً بالنسبة لهم، ورغم المسافة الفاصلة بين مصر وسوريا جغرافيا إلا أن شعبها لا يرى ذلك، ويعتبر نفسه والمصريين شعباً واحد لا شعبين.
لم تكن صرخة "هنا القاهرة من دمشق" التى أطلقتها الإذاعة السورية خلال العدوان الثلاثى على مصر وبعد تدمير محطة الإذاعة المصرية عبارة إنشائية، بل كانت جزءاً مما يحمله السوريون فى قلوبهم تجاه أشقائهم فى مصر.
كان الشعور بالقرب بين مصر وسوريا هو الطاغى على سكان القطر الشمالى فى دولة الوحدة، وكانت مصر وجهة الكثيرين من السوريين عندما ضاقت بهم الأرض خلال حكم الدولة العثمانية.
ولم يكن السوريون "كمالة عدد" أو ضيوفا ثقالا على مصر بل كان الكثيرون منهم يمثل إضافة جديدة للحياة المدنية فى مصر المحروسة، فكان منهم الكتاب والشعراء والعلماء والمفكرون، وأرباب الحرف والصناعات.
كما لم يكن إسهام السوريين فى الحياة المصرية منصباً على الحياة المدنية فحسب، بل جاء إسهامهم فى الدفاع عن مصر بدمائهم واضحاً وكانت بدايته فى العصر الحديث مع سليمان الحلبى، الذى ترك مقعد الدراسة تحت عمود الأزهر ليصنع ملحمته الخاصة ويغتال قائد الحملة الفرنسية على مصر الجنرال كليبر، وخلال حروب مصر الطويلة مع الكيان الصهيونى كان رفيقنا الدائم فى حمل السلاح هو السورى سواء طلبنا منه ذلك أو جاء لنجدتنا متطوعاً.
فمن خدم فى الجيش المصرى يعرف الجيش الثانى والجيش الثالث، فأين الجيش الأول؟، إنه الجيش العربى السورى الذى خاض مع مصر جميع حروبها ضد الكيان الصهيونى، باستثناء حرب 1956 التى شارك فيها السوريون بطريقة مختلفة وتمكنوا خلالها من تغيير مسار الحرب لصالح مصر العربية بعد أن قطعوا عن أوروبا كل خطوط إمدادهم بالنفط.
وخلال حرب أكتوبر كانت سوريا هى رفيق مصر فى حربها لتحرير الأرض العربية وتقدم الجيش الأول ليحرر هضبة الجولان المحتلة بينما كان الجيش المصرى يدك حصون العدو فى خط بارليف ويتقدم لتحرير سيناء.
خنجر سليمان
لم يكن سليمان الحلبى يجهل مصيره المؤكد وهو يتخذ قراره بزرع خنجره فى صدر قائد الحملة الفرنسية الجنرال كليبر، بل كان مستعداً لدفع ثمن خطوته الشجاعة من دمه وحياته التى وضع نهاية لها فى سن الرابعة والعشرين.
لم يكن مصرياً، لكنه كان لا يفصل بين مصر وسوريا، فكلا البلدين واحد فى فكر الشاب الذى لم يغادر مدينة حلب إلا إلى قاهرة المعز طالباً فى الأزهر الشريف، سبق الفرنسيين إلى القاهرة بأشهر قليلة وشارك مع المصريين فى ثورة القاهرة الأولى والثانية، لكن الشاب النحيل قرر أن يأخذ زمام المبادرة، فليكن رأس الفرنسيين هدفاً لخنجره الذى اشتراه خصيصاً لهذا الغرض.
فى صباح الرابع عشر من يونيو سنة 1800 تسلل الحلبى بستان بيت كليبر فى الأزبكية حيث كان كليبر ومعه كبير المهندسين يتجولان داخل البستان وما إن شاهد الحلبى حتى مد يده له كى يقبلها، ورغم فارق القوة بين كليبر والفدائى النحيل إلا أن الحلبى أمسك يده بشدة وعاجله بأربع طعنات كى يتأكد من الإجهاز عليه.
ولم يكتف الحلبى بطعن كليبر بل طعن رفيقه كبير المهندسين أيضاً ولكنه لم يمت، قبل أن يندفع جنود الحراسة ويلقوا القبض على سليمان الحلبى.
لم تستغرق محاكمة الحلبى أكثر من أربعة أيام، وتكونت هذه المحكمة من 9 أعضاء من كبار رجال الجيش الفرنسى، وكانت رئاسة المحكمة للجنرال رينيه، وحكموا عليه حكماً مشدداً بالإعدام، فحكم عليه الفرنسيون بحرق يده اليمنى وبعدها يوضع على الخازوق، وهو أبشع وسيلة للإعدام، على أن يبقى على الخازوق لحين تأكل الطيور من جثته، وتم تنفيذ الحكم فى منطقة تل العقارب، بمصر القديمة.
ولا يزال الفرنسيون يحتفظون حتى الآن بخنجر سليمان الحلبى الذى سافر فى أحشاء كليبر فى متحف الإنسان بقصر شايو فى باريس ومعه جمجمة سليمان الحلبى فى علبة من البلور مكتوبا تحتها: "جمجمة مجرم"، وفوقها سيف كليبر وتحته عبارة "سيف البطل".
وقبل عدة سنوات نشطت فى مصر وسوريا حملة شعبية لإجبار فرنسا على إعادة رفات سليمان الحلبى وخنجره، الذى حملته معها الحملة الفرنسية عندما غادرت مصر فى 1801، ونشطت هذه الحملات فى جمع التوقيعات الشعبية لإرسالها إلى الحكومة الفرنسية.
قطع البترول عن أوروبا فى 1956
فى اللحظة التى علا فيها أزيز طائرات العدوان على بورسعيد، علا فى عقل كل عربى سؤال كبير: كيف أشارك فى معركة الكرامة؟ ومن بين هؤلاء كان المقدم عبدالحميد السراج قائد المكتب الثانى (المخابرات السورية) وجاءه الحل من جمال عبدالناصر شخصياً، ففى الأيام الأولى للعدوان تلقت مصر تحذيراً مكتوباً من السفير البريطانى فى القاهرة من المساس بمحطات ضخ النفط السعودى والعراقى الموجودة فى سوريا، بأن بريطانيا تحمل عبدالناصر شخصياً مسئولية أى عمل تخريبى يطال هذه المحطات، فما كان من عبدالناصر إلا أن كتب على الإنذار بخط يده عبارة واحدة، (المقدم عبدالحميد السراج) وبالفعل وصل الإنذار إلى يد السراج ومعه إجابة السؤال الذى يدور فى رأسه، وفهم رسالة عبدالناصر وبدأ التنفيذ بالفعل.
ورغم أن رواية هذه الأحداث تناقلها كثير من مؤرخى هذه المرحلة إلا أن بعض تفاصيلها لا يزال غير معروف إلا لمن سمعها من أبطال هذه العملية التى غيرت مسار الحرب تماماً ووهبت لمصر انتصاراً سياسياً رغم فارق القوة الكبير بين طرفى هذه المعركة.
عندما وصلت رسالة عبدالناصر إلى السراج استدعى على الفور الضابط مهندس هيثم أيوبى وأغلق عليهما باب مكتبه وكلفه بالمهمة الآتية: "لابد من عمل شىء لمساعدة مصر، لابد من قطع إمدادات النفط عن كل أوروبا... "بدى محطات النفط التلاتة كوم تراب الليلة" قال وكان يقصد المحطات نفسها لا الخطوط، قال: الخطوط بيصلحوها فى ساعتين إنما المحطات بدهم سنة على الأقل منشان يصلحوها" ولم يرد أيوبى بالموافقة أو النفى بل سرد ما يحتاج حتى يقوم بالعملية: "بدى 500 كيلو متفجرات ومجموعة من الفدائيين وهاوفرهم من كتيبة الفدائيين تبع أكرم صفدى".
وجاء الجواب سريعاً وبلهجة عسكرية:
- "نفذ الليلة ولن أنام إلا بعد أن أتلقى تمام بالمهمة".
لم يكن هناك وقت أمام الجميع، فالحرب فى بورسعيد على أشدها وكل دقيقة لها ثمن، وبدأ وضع الخطة الكبيرة التى لم ينشر كثير من أسرارها وظل حتى اليوم حبيس صدور منفذيها أطال الله عمرهم.
اجتمع أيوبى وصفدى وكلاهما أصدقاء منذ الصبا، ولم يبد صفدى إعجابه بالخطة، فهى ليست كاملة من وجهة نظره، فإذا أردنا أن نقطع النفط عن كل أوروبا لإجبار فرنسا وبريطانيا على وقف العدوان، فيجب أن نقطع النفط بالكامل، مقترحاً تدمير أنبوب النفط المار بالأراضى اللبنانية وكذلك خط النفط الرئيسى فى شرق المملكة العربية السعودية.
نجح أكرم صفدى فى إقناع هيثم أيوبى بخطته الجديدة، على أن ينفذ هو الشق الجديد منها، وبدون الرجوع لأحد انطلقت ثلاث مجموعات فى هذه الليلة الأولى بقيادة هيثم أيوبى لتدمير محطات الضخ الثلاث الموجودة فى سوريا، والثانية بقيادة أكرم صفدى لتدمير خط النفط الموجود فى لبنان، وإرسال مجموعة فدائية لاستهداف خط النفط الرئيسى فى شرق السعودية، وبذلك يحرم العالم الغربى كله من النفط وتجبر بريطانيا وفرنسا على وقف العدوان على مصر.
وفى الليلة الأولى كان أيوبى على رأس مجموعة من الفدائيين تنتقل من محطة إلى أخرى، ولا تتركها إلا بعد أن تحشو أركانها بكمية كبيرة من المتفجرات ثم تراها وهى تنهار أمام أعينهم كوم تراب.
ولأن المسافة بين المحطات طويلة جداً، بطول الساحل السورى كله، فقد تم تدمير المحطة الأولى فى العاشرة مساءً، والثانية فى الثانية صباحاً، وقبل أن تشرق الشمس كانت الثالثة ركاماً، ليتلقى السراج فى مكتبه اتصالاً يخبره أيوبى "كله تمام...تقدر تروح تنام".
وفى نفس الليلة يتولى أكرم صفدى استهداف خط النفط الموجود فى لبنان، ويرسل مجموعة بقيادة الفدائى الفلسطينى محمد خليفة إلى الأردن ومنها إلى السعودية ومعها ما يكفى من المتفجرات لتدمير خط النفط السعودى الذى تعتمد عليه الولايات المتحدة الأمريكية، وتنجح المجموعة فى تدميره بمجرد وصولها إلى شرق السعودية.
وبعد نجاح العملية ووقف النفط تماماً عن كل أوروبا بحث السراج عن الملحق العسكرى المصرى فى دمشق آنذاك عبدالمحسن أبو النور ووجده فى أحد المطاعم يتناول غداءه، وهمس فى أذنه "بلغ الريس أنه كله تمام"، ليأتيه بعد ساعات رد من عبدالناصر عبر أبوالنور: "تسلم إيديك".
جول جمال... شهيد الوحدة
مع الأيام الأولى لعدوان 1956 اندلعت معارك بحرية غير متكافئة ميدانها البحر المتوسط، ولم تكن البحرية المصرية فى ذلك الوقت نداً للقوات البحرية لقوتين كبيرتين هما بريطانيا وفرنسا، ما جعل ضباطهما يتوهمون أنهم فى نزهة بحرية ولكن أوهامهم تبخرت فى أولى معارك البحرية المصرية فى البرلس بعد بدء العدوان بخمسة أيام فقط فى الرابع من نوفمبر سنة 1965 وكان بطلها العربى السورى جول يوسف جمال.
فور بدء العدوان قدم الضابط السورى جول جمال طلباً مكتوباً بانضمامه إلى الوحدات المصرية المقاتلة، وجاء الرد عليه بالرفض لأنه يحمل جنسية غير مصرية، وأن تواجده فى مصر لهدف محدد هو الدراسة، وفى اليوم التالى قدم جمال طلباً آخر، وجاءه نفس الرد، ولكن فى اليوم الثالث جاء الرد إيجابياً ليلتحق جول جمال بأحد لنشات الطوربيد.
وفى مساء الثالث من نوفمبر تحرك سرب من لنشات الطوربيد من ميناء الإسكندرية بقيادة الصاغ بحرى (الرائد) جلال الدين الدسوقى لمهاجمة أهداف للعدو بالقرب من بورسعيد، وبلغ السرب مشارف بورسعيد الساعة الثانية والنصف صباح 4 نوفمبر، وعند الفجر وعلى مسافة عشرة أميال شمال شرق فنار البرلس، شاهد أبطاله تجمعات لأسطول العدو مكونة من حاملة طائرات "جان بارت الفرنسية" وطرد وبعض المدمرات، فأمر قائد السرب بإطلاق مجموعة طوربيدات أصابت طرداً ومدمرة".
ولأن هذا الهجوم كان سريعا ومفاجئا، فقد نجح أبطال السرب فى إصابة حاملة الطائرات وإخراجها من الخدمة للأبد، لكن طائرات العدو من فوق حاملة الطائرات هاجمت سرب اللنشات بالصواريخ، واستشهد أفراده ما عدا ضابطا واحدا وسبعة أفراد، انتشلوا من البحر أحياء، ليختلط دم الشهيد السورى جول جمال برفاقه الشهداء جلال دسوقى، جول جمال، إسماعيل عبدالرحمن، صبحى نصر، على صالح، عادل مصطفى، محمد ياقوت عطية، جمال رزق الله، محمد البيومى زكى، مصطفى طبالة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد