«دفاتر فارهو» لليلى عبد الله: سردٌ كتَبه أبطالُه

تخطو الروائية العمانية "ليلى عبد الله" إلى روايتها "دفاتر فارهو" (منشورات المتوسط، ميلانو) من موقع المُتقِّمصة. تستعير، هي "الأنثى"، صوتَ ذكر ليصير ساردها الوحيد،

تخطو الروائية العمانية "ليلى عبد الله" إلى روايتها "دفاتر فارهو" (منشورات المتوسط، ميلانو) من موقع المُتقِّمصة. تستعير، هي "الأنثى"، صوتَ ذكر ليصير ساردها الوحيد، بقدر ما تستعير وجهة نظره كوافد، طارئ على الثقافة، فيما هي ابنة هذه الثقافة، ولتضع نفسها، من اللحظة الأولى، داخل جسدٍ آخر. ليس هذا التقمص "المزدوج" بالأمر السهل، إنه فخ، حافظت الروايةُ على ساقيها من السقوط فيه أو الانزلاق إلى فخاخه.

تخطو الروائية العمانية "ليلى عبد الله" إلى روايتها "دفاتر فارهو" (منشورات المتوسط، ميلانو) من موقع المُتقِّمصة. تستعير، هي "الأنثى"، صوتَ ذكر ليصير ساردها الوحيد، بقدر ما تستعير وجهة نظره كوافد، طارئ على الثقافة، فيما هي ابنة هذه الثقافة، ولتضع نفسها، من اللحظة الأولى، داخل جسدٍ آخر. ليس هذا التقمص "المزدوج" بالأمر السهل، إنه فخ، حافظت الروايةُ على ساقيها من السقوط فيه أو الانزلاق إلى فخاخه.

مبدئياً، نحن أمام "بطل/ لا بطل" هويته الوحيدة هي تمزقه، وجوهرها "الانقسام"، لذا فهو ابن جميع الثنائيات، بدءاً من دمه: صومالية أبيه وإثيوبية أمه. هو، من ثم ابن لغتين، وديانتين: إسلام أبيه ومسيحية أمه، وهو يملك فوق ذلك اسمين: "فارح" اسمه العربي، و"فارهو" اسمه في محيط أقرانه غير العرب. أيضاً، فارهو شخصية روائية موزعة بين زمنين سرديين: الطفل ابن السابعة في مخيم "بوصاصو" والكهل ابن الثالثة والأربعين، وبينهما عُمرٌ، تترجمه "الدفاتر" التي اعتمدتها هذه السردية عموداً فقرياً لها، بالضمير الأول. يتوج كل ذلك نهران يتقاطعان ليُشكّلا معمار هذه الرواية (بتمايز طباعي بين خطّين): فارهو المنسجم، المنضوي تحت القانون، وفارهو الخارج على القانون، فارهو ابن المدرسة النظامية، وفارهو ابن السجن.

ربما لذلك، وعلى أوجه الصراع الماثلة روائياً، يكاد صراع فارهو الجوهري، حسب تأويلي، يكون صراعاً بين ذاتين يضمهما جسدٌ واحد.. هو صراع فارح ضد فارهو، تجسده الطفولة/ الشفاهة قبالة النضج/ التدوين.

(2)

يُتمم "فارهو" مربعاً أسرياً (الأم لملم، الأخت عائشة، الخال مينغستو) وبالمقابل يمثل ضلعاً في مربع آخر (قاسم، عبد الصمد، سيف) وبين الاثنين يتأرجح فارهو، بين عالمين أيضاً في المدينة النفطية التي أصبحت منفاه الاضطراري: عالم البيت، وعالم المدرسة.

"دفاتر فارهو" هي رواية فقدان الاسم. يفقد الجميع أسماءهم أو يقبلون بتحريفها، فالخال منغستو يصبح منصور، والأم لملم تصير لميا. الوحيدة التي لا تغير اسمها هي عائشة، ولذلك هي الوحيدة التي حافظت على هويتها، في لمحةٍ فنية ذكية.

من السمات الدالة، أن المدرسة بدورها ليلية. فارهو ابن الليل: ليل بشرته، ليل عالمه، ليل ماضيه، وليل مجتمعه. حتى بيته لا يقدم إلا ليلاً عقب عودته من المدرسة، كأنه لم يُخلق للنهار. الليل أيضاً هو الاختباء، والتخفي، وإنكار الهوية، والليل هو الموت، حيث لا يعبر فارهو شارعه إلا متذكراً السيارات التي تطيح بالبشر. الليل هو ملابس أمه وأخته السوداء (ليتسقا مع عرف البلد الجديد)، والليل هو زجاج السيارات المظلم الذي يخفي قتلةً متعجرفين خلف إطاراتهم، يتهمون الضحايا بأنهم يتقصدون الموت. الليل، في الأخير، هو "العالم" بينما تسدر فيه ذواتٌ لا وجود لها خارج الخفاء: "ناحيتنا بأكملها كانت تقبع في ظلامٍ دامس، وكأننا غاطسون في قاع مغارة، كان آخر ما يفكّر فيه العمال البنغاليون والباكستانيون هو الإنارة، اعتادوا الظلام، واعتادهم، بل إنه كان يُخفي ما كانوا يمارسونه، وما كانوا يحاولون إخفاءه، كان معظمهم يخفي هويّته، لأنهم مخالفون لقانون الإقامة". حتى المقيمون الشرعيون كانوا يفضلون الظلمة، لسببٍ مختلفٍ هذه المرة، هو توفير الكهرباء.

ربما لن تخلو إحدى صفحات "دفاتر فارهو" من الإشارة للظلام، والعتمة، وكأن الرواية برمتها مدينة هائلة انقطعت عنها الإضاءة.


(3)

لا تسير الرواية في بنيةٍ خطية اضطرادية، بل تختار لنفسها بنيةً كولاجية، تقفز بين الأزمنة بحرية، معتمدة تراوحات طباعية تترجم تلك القفزات شكلانياً. وبالتقاطع، فإن فارهو يسير كسارد في طريقين: بالضمير الأول (ضمير المتكلم)، وبضمير المخاطب الذي يؤطر النص كله، حيث الدفاتر نفسها مضمنة في خطاب فارهو لكارل، الناشط الحقوقي الأوروبي، والذي يمثل له فارهو بدوره مادة فيلم وثائقي.

فارهو إذن ليس موضوعاً فقط لرواية، لكنه، بدفاتره، يصير موضوعاً لفيلم داخل الرواية، بحيث نجد أنفسنا بنائياً أمام نص داخل نص. بهذا المنطق، فإننا نواجه شخصيةً تبحث عن "مؤلفها" سواء عند ليلى الروائية أو كارل الحقوقي الذي يقدم مراوحته بين كونه، بدوره شخصية روائية، وذاتاً توهم "بحقيقيتها". لعبة أخرى تنجح "ليلى" في إحكام خيوطها بحيث تضعنا أمام البعد الأعمق لفارهو: فهو ليس "ذاتاً" قدر ما هو "موضوع". للمفارقة، تتحول "دفاتر فارهو" من موضوعٍ "ذاتي" له إلى موضوع للفن، رغم أن "اليوميات"تُكتب دون أملٍ في متلقٍ، ذلك أن هدفها ليس التواصل مع "آخر"، بل تأكيد حضور الذات لدى نفسها، فضلاً عن أنها نوعٌ من "السر"، إذ أنها تمثل اعترافاً بكل ما لا ينبغي أن يتعرض للإقشاء.

 هنا، يطرأ سؤال جديد عن المراوحة التي تنهض بها رواية ليلى عبد الله بين التخييلي والتسجيلي، حيث تُذيب المسافة بينهما ليصبح كلاهما وجهاً للآخر وليس نداً أو نقيضاً له. طوال الوقت، توهم "دفاتر فارهو" بقدرٍ من "لا روائيتها" فيما تفعل في الحقيقة، وبالقوة نفسها، العكس، إذ كلما تقدمت، عمّقت من بنيتها كمتخيّلٍ روائي.

(4)

"اللغة" سؤال مركزي في هذا النص، الذي يقدم تفسيره الخاص بأن اللغة كالوطن، تنمو وتضمحل في الحرب والصراع. اللغة "لعبة" يجيدها قاسم بفضل أخته عائشة. من الدال أن اللعبة المركزية التي تمارسها الأخت مع شقيقها تُدعى "لعبة صناعة الكلمات"، وحيث تولد كل كلمة من رحم أخرى، ويبذر كل حرفٍ شجرة مفردات، وهنا، فقط، يكتسب "فارهو" سمة مفارقة، علوية، هي التحليق: "سرعان ما غدت لعبة صناعة الكلمات تسليتي، أطرح عليها كلمات، لأختبر مهاراتها اللغوية، وهي تُشكّلها كهيئة كلمات كاملة لها معناها، وحين تنوّع قاموس كلماتي التي كنتُ أطرحها عليها، طلبت مني أن أعلو إلى المستوى الثاني، حيث أغدو كطائرٍ مكتمل له جناحان".

على مستوى اللغة الروائية الأشمل، تتشكل "دفاتر فارهو" من حواريةٍ صاخبة: خليط لغات ولهجات، تُجسِّد غربة ألسنتها عن اللسان المركزي "العربي" الذي طرأت على شرفه وصار عليها أن تتمكن من النطق وفق معجمه. تُجسِّد ليلى هذا الخليط بنبضه الأصلي، دون تهذيب أو فلترة أو "تفصيح" كان من شأنه أن يُفقد الرواية نبضها، ، لتكون المحصلة نصاً كتبه أبطاله. حتى مدرس اللغة "العربية"، المسئول عن "لفصاحة"، لا نراه متحدثاً سوى بعاميته المصرية، وكأن فعل الإذابة يفشل حتى على لسان السلطة الموكل إليها تحقيقه. تُنتج الفصحى دائماً سوء الفهم حين تحيل للإباحي في اللهجات. إنها مفارقة عنيفة، كأن الفصحى هي لغة التهذيب فيما الدارجة، كل دارجة، هي لغة الحرية والانفلات، لغة ذوات غير مروَّضة وجدت نفسها مثل حيوانات منتزعة من غريزتها لتكتسب ألفةً زائفة في سيرك، (ولنلاحظ أن حالة المدرسة لا تخلو من الإحالة بالفعل لحالة السيرك).

في دفاتر فارهو كرنفال أصوات يعكس الثقافات الناهضة خلفه: مصريون، باكستانيون وأفغان، بنغاليون وهنود، قمريون، عرب من بلاد النكبات والقلاقل (فلسطينيون وعراقيون وسوريون، ويمنيون). ربما هي "جيرنيكا" أخرى، أشلاء هويات ملقاة في جغرافيا مختلفة: جرنيكا لن تعدم امرأة مقطوعة اليد، أو شخصاً مقطوع اللسان، أو قومياتٍ انقطعت هويّاتها أو كادت.

لا يمثل التراوح الهائل فقط انعكاساً كاشفاً لنبض الألسنة المتراوحة، بل ربما كان أحد وجوه الصراع الدرامي في تمثله اللساني، فاللغة هي العناق وهي الرصاصة، وهي هنا تُواري عنفاً مكتوماً قد يتحول في أي لحظة، ومع أدنى سوء فهم، لحلبة صراع. ثمة ترجيع لبرج بابل المنهار، حتى لو كانت المدينة الخليجية رمزاً عصرياً لذلك البرج بقدرةٍ شكلانية على توحيد الألسنة على شرف لغتها، فإنه يبقى برج متصدع، قد يُفنيه لغطُ اللغات المتسلّق ليحوّله إلى رماد من حيث توهّم أنه سيجعله يلامس أبعد نقطة في السماء.


 	طارق إمام

طارق إمام

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد