قليلون من المبدعين من يكتب فقط للمتعة، يكسر القوانين، ويغرد خارج السرب، يبحث عن أشخاص لا يعيرهم التاريخ أو الحاضر اهتماما، يجعل منهم أبطالا تتوارى خلفهم شخصيات نقول
قليلون من المبدعين من يكتب فقط للمتعة، يكسر القوانين، ويغرد خارج السرب، يبحث عن أشخاص لا يعيرهم التاريخ أو الحاضر اهتماما، يجعل منهم أبطالا تتوارى خلفهم شخصيات نقول عنها إنها صانعة التاريخ –من هؤلاء القلائل الروائى والكاتب الصحفى عادل سعد الذى أصدر مؤخرا رواية «الأسايطة».. عن عوالمها ومشروعه الروائى كان لنا معه هذا الحوار.
روايتك الأخيرة «الأسايطة» أبطالها لصوص ومهمشون وتتوارى الشخصيات التاريخية مثل محمد على باشا وجمال عبد الناصر إلى الهامش.. لماذا؟
الحكام لا يهتمون. لديهم كتبة وسجاجيد ومطابع وجرائد وقنوات. وتواريخ إنجازاتهم اللعينة وصورهم مازالت تطاردنا.. والناس تموت بلا معنى. عشت بين هؤلاء الذين لا يذكرهم التاريخ، وكتبت بعضا مما حدث بلا زيادة ولا نقصان. عن الناس والإرهاب والتطرف والقتل والأمنيات الضائعة. وما يقال للناس كتاريخ، غير ما كتبت تماما.
وما الرسالة من وراء ذلك؟
«الأسايطة» ليست رواية. إنها سيرة مبعثرة عن بعض هؤلاء الذين عاشوا وماتوا. ومعظم هؤلاء لن يهتم حتى بقراءة ما كتبت. يمكن اعتبارها كتابا، أو سعيا فاشلا نحو تدوين تاريخ جديد، تاريخ آخر غير هذا المعتاد. «الأسايطة» شهادات تصف أرض قالت عنها مريم العذراء وهى تغادر مصر «فيك الخير يا مصر.. ولن يخرج منك حاكم عادل» المعتقلات والقهر والسخرة والعبودية مناخ دائم. اختلف الحكام ملوكا ورؤساء وسلاطين. لكن ما جرى للأسايطة كان واحدا عبر كل العصور.
الأسايطة ليست رواية، لأنها تحتوى على حقائق. ودخول المعلومات والتاريخ على الرواية يفسدها. لكن هذا ما حدث وكانت المشكلة أثناء الكتابة كيف تكتب المعلومات والتاريخ مع الاحتفاظ بمتعة الخيال؟
الأسايطة بداخلها سير شعبية للصوص وأنبياء ومجانين وقتلة، لكنها بلغة عربية فصيحة. إنها أوراق مبعثرة.. وجدها صحفى فى فلاشة كانت فى صدر أحد ثوار يناير.. عندما اغتالته رصاصة كانت تقصده تحديدا.. تلك الأوراق ربما كانت سببا فى اغتياله.. ونشرت نكاية فيمن قتلوه لمحاولة حجبها. «الأسايطة» إذن رواية لم تكتمل، أو مشروع رواية.. لشهيد يدعى صادق أبوحامد.. ترك سلسلة مفاتيح فى حلقتها فلاشة، وبداخلها أوراق عن تلك المدينة البعيدة أسيوط. وطوال الوقت يبدو الانتقال داخل الزمن بالرواية خياليا.. الأحداث تمتد أكثر من ثلاثمائة عام.. ويربط بين الجميع المكان الذى لا يتغير، والأسايطة أهل المدينة والراوي.
على عكس الروائيين الذين يبدأون كتاباتهم عن القرية بدأت أولى أعمالك برواية «رمضان المسيحي» من اليونان.. هل شعور الغربة كان أكثر تأثيرا عليك من نشأتك؟
لم أكن قرويا أبدا بل من أبناء المدن. وهذا ساهم فى تكوين شخصيتى لأكون ضائعا أكثر. ومع ذلك لم يكن طبيعيا أن أكون شاهدا على شباب يغامر بتغيير ديانته واعتناق ديانة أخرى للتشبث بالبقاء فى اوروبا، هربا من جحيم طارد فى بلاده. «رمضان المسيحي» تجربة حقيقية. سافرت لليونان فى سنوات المراهقة والشباب. رمضان المسيحى رواية ظلمت كثيرا، زمان كتبوا عن العلاقة بين الشمال والجنوب «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم و»موسم الهجرة للشمال» للطيب صالح وعشرات من الروايات الأخرى، وكلها تتحدث عن الحضارة فى أوربا والمسرح والفلسفة والشعر. والراوى أو البطل طالب بعثة يدرس بالسوربون أو أكاديمية علمية، ويصف أحوال الناس هناك. أبطال «رمضان المسيحي» مجموعة مراهقين صعايدة، لم يكن يعنيهم إفلاطون ومدينته الفاضلة، ولا سقراط ومحاوراته الشهيرة، وجاءوا من قراهم الغارقة فى الظلام بالصعيد من قاع المجتمع، ليصطدموا بقاع المجتمع اليوناني. إنها رواية تتحدث عن واقع نخجل أن نذكره. فالرواية جاءت تلقائية وطبيعية لأنها تجربة حقيقية. وقال عنها الروائى الراحل علاء الديب «تحقيق صحفى فى مائتى صفحة». لم يكن هذا دقيقا. هناك خيال. لكن فى كل الأحوال أنا لا أكتب من خلف المكاتب.
ألا ترى أن ثلاث روايات عدد قليل بالنسبة لمشوارك؟
لا أحد فى مصر يختار مسار حياته. محمد مستجاب كتب رواية واحدة، وهو مع ذلك من أهم كتاب الرواية، على الأقل من حيث ابتداع الأسلوب ولغة السرد. ويوسف إدريس إبداعه فى مجال الرواية محدود جدا. لا أعرف إن كان هذا قليلا أو كثيرا. عندى مشروعات أخرى عديدة.
ما الذى تبحث عنه فى كتاباتك؟
أكتب من أجل نفسي، ولا أهتم برأى أحد تقريبا. تلك رسائل وألقيها فى البحر. لا أعرف كيف سيتلقاها الناس، أو كيف سيقيمونها. أحيانا أتلقى اتصالات تسعدني. طبعا أتمنى لتلك الرسائل أن يقرأها ويفهمها كل الناس، لكننى غير مشغول حتى إذا لم يقرأها أحد، وحتى بعد أن ترجمت بعض تلك الأعمال للروسية والأسبانية، لم أبدو مهتما. لقد أفرغت بعض ما فى رأسى من ديناصورات وطواحين لعلها تستريح، ولا تمشى على المخدة من القلق. عندى بعض بقايا من حكايات، أرجو أن أريقها حبرا على الورق قبل أن أموت، كما يموت كل الناس فى مصر.
ماذا أخذت منك الصحافة وماذا أعطتك؟
الصحافة مهنة النبلاء، والبحث عن الحقيقة، وكشف الزيف، والدفاع عن الحق، ورسالتها تلك لا تختلف عن عمل الأنبياء. هذا بالطبع غير ما يحدث فى بلادنا. لأننا نضع نماذج واضحة من الجهل والتسلق على شاشاتنا وصدر صفحات جرائدنا. جرفتنى الصحافة المصرية بكل عيوبها لسنوات طويلة، كنت مشغولا خلالها بتعبئة الثلاجة بالجبن والبيض واللبن والخبز وشراء الجدران، وعملت فى كل المهن الصحفية من الديسك للسكرتارية لرئاسة تحرير صحف كبرى، وخرجت من كل هذا مهزوما، وخسرت كل أموالى فى البورصة، ورجعت لأكتب الأدب. ومع ذلك لست نادما أبدا على الصحافة، لأنها مهنة عظيمة. ولأننى لم أقترف ما أخجل منه. وكل من يعرفنى من الزملاء يعرف ذلك.
تجربة معايشتك 3 سنوات للمتشردين وتجار المخدرات فى أسيوط هل أصبحت مخزونا استراتيجيا أم مرحلة وانتهت من حياتك؟
مازلت أسقط هناك فى أسيوط، فى تلك الحفر، لأتقابل مع أصدقاء الشر. بعضهم لا يعرف حكاية أننى صحفى أو أديب، وأتعامل معهم بتلقائية كإنسان. أسيوط مدينة تظل بداخلى. وعندما تشردت لم أنم فى الشوارع، وكنت أتنقل من بيت إلى بيت بلا نهاية. وهذا دين فى عنقى لهؤلاء الناس.
رحيل والدتك كان سببا فى هروبك.. فما دور المرأة فى إبداعك؟
لم يكن موت الأم المفاجئ، وعمرها 39 عاما، السبب الوحيد. كنت فى سنوات المراهقة بطلا لتنس الطاولة، وقارئا لكتب أبى القديمة، وأشعر بالتعاسة لأن كل ما يقولونه فى المدرسة كلام فارغ. الحياة فى الشارع وخارج القوانين لها سحر لا ينسى. وكان من الممكن أن أذهب لهناك ولا أعود. وأعتقد تلك أخصب ثلاث سنوات فى حياتي.
يقولون إن لكل كاتب أو شاعر مغامرة عاطفية تبدأ مع العمل وتنتهى بنهايته.. فما دور الحب الطاريء فى حياتك؟
الكتابة عمل نفسي، ويحتاج بالفعل لمغامرة عاطفية. ليس علاقة بين رجل وامرأة بالضرورة. المغامرات العاطفية تتضمن الفشل والمرض والثورة والسعى للرزق وللحياة. أيضا علاقة المرأة العاطفية بالرجل، ليست العاشقة فقط، هناك الأخت والأم والصديقة والعدوة. ومع ذلك أعتقد أن روايتى القادمة ستكون صدمة، لأنها عن علاقة حب عاصفة. لكنها ليست مجرد عواطف فقط، لانها تحاكم كل ما حولنا. إنها تبحث عن سؤال: هل يمكن أن نحب فى هذا الزمن؟
ما الكتاب الذى تقرأه الآن وعن أى شيء يتحدث؟
فى مركزالهلال للتراث انتهينا من إنجازموسوعة بعنوان: «فوتوغرافيا وصف مصر». اكتشف الفرنسيون سر الغرفة المظلمة، وحبسوا الضوء، وظهرت أول لقطة فوتوغرافيا على يد طابعة داجيرو، ويوم تدشين الاختراع فى باريس وقف عالم مصريات فرنسى ليقول إن أهم أهداف هذا الاختراع تصوير النقوش الهيروغليفية وحضارة مصر العظيمة. بعدها بأسابيع نزلت فرقة لتصوير مصر. نشرنا فى الموسوعة أول 10 لقطات فوتوغرافيا فى أفريقيا. كانت الأولى لقصر الحريم فى رأس التين بالإسكندرية، والثانية لمحمد على باشا الكبير فى 1839. مصرظلت حتى عام 1900 لا تعرف الفوتوغرافيا على يد المصورين المصريين. 60 عاما من المصورين الأجانب الذين رحلوا بألبوماتهم النادرة إلى بلادهم وماتوا هناك. استعدنا عددا كبيرا من تلك الألبومات، من بولندا واليونان وفرنسا وألمانيا وروسيا وبريطانيا، وقدمناها للناس. لترى صورا لا يعرفها الناس عن مصر. والدولة وقفت تتفرج علينا ولم تساعدنا بمليم. بالموسوعة مفاجآت عديدة. صور فوتوغرافيا من حفل افتتاح قناة السويس، وصور نادرة عن السخرة، وصور عن هؤلاء الذين اختطفتهم بريطانيا ويقال أنهم ثلاث أرباع المليون إنسان اختطفتهم السلطة ليعملوا قسرا فى مد خطوط السكك الحديدية وشق الترع والطرق وسط الحرب العظمى الأولى. هؤلاء غنى لهم الشعب: «ياعزيز عيني.. وانا بدى اروح بلدي.. بلدى يا بلدى والسلطة خدت ولدي» رجع من هؤلاء أربعين ألفا تقريبا، والباقين ماتوا وغنى لهم سيد درويش: «سالمه يا سلامة.. رحنا وجينا بالسلامة». هؤلاء كانوا السبب الحقيقى لثورة 1919 والوقود الأقوى من نفى سعد وشعراوى وعبد العزيز باشا فهمى وعيد الجهاد. مرة أخرى نحن بحاجة لكتابة تاريخنا لأننا لا نعرفه.
هل تحرص على التقدم لنيل الجوائز وماذا تمثل الجوائز بالنسبة لك؟
أحرص طبعا، مع أن الجوائز تمثل بالنسبة لى جنيهات لا أكثر. لكننى أطلبها لتغنينى عن الانشغال بغير الأدب. مع ذلك أعرف أن فرصى ضئيلة جدا. أكتب كل ماهو ضد المدجنين من المحكمين فى وزارات الثقافة العربية. وأحيانا عندما أعرف أسماء المحكمين فى الجوائز أغرق من الضحك. أعرف أن أعمالى يحاربها هؤلاء لأسباب لا علاقة لها بالأدب.
النقاد يصفون مشروعك الروائى بأنه ما وراء السرد.. هل نحن بصدد ثورة جديدة فى عالم الرواية؟
الرواية الآن تتحرر من كل أثوابها القديمة. و»الأسايطة» اعتبرتها كلية الآداب بجامعة «واسط» بالعراق نموذجا مثاليا لروايات ما بعد الحداثة، بكل ما فيها من تشرذم ورغبة فى تحطيم السرد التقليدي. وقررتها على الطلاب الراغبين فى الحصول على درجة الدكتوراه.
للأسف الاهتمام جاء من خارج مصر، من العراق وروسيا وأسبانيا، وكما قلت أنا غير مهتم بالآخرين. أكتب لنفسي. بالقطع بعض النقاد وعلى رأسهم أسامة أبو طالب ود ثناء أنس الوجود رحمها الله ومصطفى الضبع وسمير مندى ود.ثائر العذارى وإقبال بركة وهالة البدرى استقبلوا الأعمال بحفاوة بالغة. وكذلك الزملاء فى ورشة الزيتون. لكننى لا أظن أن هناك تيارات نقدية فى مصر يمكنها فرز المنتج الثقافى الجديد إلا من بعض المحاولات الفردية. للأسف النقاد الكبار معظمهم يكتبون عن الأموات (محفوظ إدريس حقى الحكيم شوقى دنقل عبد الصبور) مع الاحترام البالغ لهؤلاء، محفوظ يدين بالفضل للسلامونى وسلامة موسى وسيد قطب وبعدها لرجاء النقاش، لكنه لا يدين لأحد من هؤلاء الذين يتهافتوا على نقده بعد نوبل.
المشهد الإبداعى فى مصر يبدو متهالكا بسبب ضعف الحركة النقدية. هناك انفجار روائى فى مصر من ناحية الإبداع، لكنه لا يجد ما يستحق من تقدير.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد