كان محمود رضا يعتبر نبيل مبروك هو (ذراعه اليمنى)، يعتمد عليه كثيرا، ويحل محله على المسرح فى حالة غيابه، وحدث أن أصيب نجم الفرقة وقائدها بمرض فى وجهه فأدى نبيل مبروك
كان محمود رضا يعتبر نبيل مبروك هو (ذراعه اليمنى)، يعتمد عليه كثيرا، ويحل محله على المسرح فى حالة غيابه، وحدث أن أصيب نجم الفرقة وقائدها بمرض فى وجهه فأدى نبيل مبروك رقصاته مع فريدة فهمى، وفى واحدة من تلك الغيابات جاءت فرقة الصين للفنون الشعبية للقاهرة..
كان هناك بروتوكول لتبادل الزيارات والرقصات مع فرقة رضا، وتقرر أن يؤدى الراقصون الصينيون رقصة من رقصات الفرقة المصرية اسمها (غزل) يقوم فيها ثلاثة شبان بمعاكسة فتاة جميلة وهى تحمل (البلاص).. أما فرقة رضا فكان عليها أن تؤدى رقصة صينية، يقوم فيها الراقص بالإمساك بشريط أحمر طويل ويحركه باهتزازات سريعة وقوية ومنظمة، ورغم بساطة الرقصة فإنها كانت الرقصة الأصعب التى يؤديها نبيل مبروك طيلة مشواره، فقد كانت مجهدة ومنهكة ومستهلكة للجسد لحد لم يتصوره، بل تتوتر عضلاته كلما تذكرها..
ومع محمود رضا كان رفيقه فى جولته التى طاف فيها محافظات مصر ليبحث عن رقصاتها الشعبية.. فمن مطروح مثلا جاء بـ(الحجالة)، ومن المنصورة (العتبة جزاز)، ومن سيوة جاء بأشهر رقصاتها.. وتولى محمود رضا فيما بعد عمل (كريوجراف) لتلك الرقصات وتقديمها بشكل علمى محترف..
ولا ينسى نبيل مبروك ذلك الموقف المدهش الذى أعطاه خلاله محمود رضا درسا فى (الاحتراف) لا ينساه أبدا.. يحكى لى نبيل مبروك بذاكرته الحديدية :
(1)
كنت أصحو من نومى فأتوجه فورا إلى مكتب محمود رضا وأضع نفسى تحت أمر الفرقة والتمرينات.. فى يوم رحت له المكتب فطلب منى أن أجلس لأكتب له قائمة بالراقصين فى المجاميع وأسماء الأساسيين منهم لاختيار عدد محدد وكنا نجهز للسفر إلى أمريكا، قلت له: بس أنا عندى تمرين حالا، لكنه قال ببساطة : دقايق اعمل لى الكشف وبعدين ادخل التمرين..
وجلست منهمكا فى عمل الكشف المطلوب، ولما انهيته لم أجد محمود رضا، سألت عنه فأخبرونى أنه دخل إلى التمرين، دخلت القاعة فإذا به يطردنى بغضب : اطلع بره !.. ليه يا أستاذ؟ سألته متعجبا : اتأخرت ليه عن ميعاد التمرين.. حتى لو كلفتك بأى عمل تانى كان لازم ترفض وتقول لى : عندى تمرين وأى حاجة تتأجل لما أخلص !.. وكان درسا قاسيا تعلمت منه (قداسة) مواعيد الشغل !
أشهد أن محمود رضا كان إداريا نادرا فى كفاءته وذكائه وقدرته على إدارة الأمور بسلاسة وحسم وحنكة.. يعنى لما يختار راقصا بعينه لرقصة دائما تجد عنده مبررات قوية وموضوعية يواجه بها الغاضبون ويقنعهم.. علشان كده كانت كل الناس تحبه وتحترمه وتعمل له ألف حساب..
ورغم إنسانيته وتهذيبه لكنه كان لا يرحم ولا يتهاون مع أى خطأ مهما بدا ساذجا أو غير مقصود.. مرة كنا نقدم رقصة (رنة الخلخال) على مسرح نقابة المهندسين فى بدايات تأسيس الفرقة، فواحد من الراقصين الذين يرتدون (الكولة الفرعوني) قرر أن يرتدى (صديرى صعيدي) يستر به صدره العارى وكان الجو شديد البرودة، ومن سوء حظه أنه نسى أن يخلعه عند دخوله للعرض، فبدا شكله غريبا بتلك التوليفة الفرعونية الصعيدية فضحك الجمهور على منظره.. وبعد العرض قرر محمود أن يعاقبه وخصم له نصف مرتبه..
استطاع محمود أن يصل بفرقة (رضا) إلى العالمية، سافرنا قارات الأرض وأغلب دول العالم، وكانوا يستقبلوننا كنجوم، لما روحنا موسكو مثلا كان الترحاب حارا، وكنا قد استقبلنا قبلها فرقة (موسييف) للفنون الشعبية، والتى كان قد أسسها مصمم الاستعراضات الروسى العظيم (إيجور موسييف) فى سنة 1937، وأصبحت من أهم فرق الرقص الشعبى فى العالم، ولما زارت الفرقة مصر قدمت عروضها فى دار الأوبرا الملكية، وشاركونا التدريب فى قاعة التمرين الخاصة بفرقة رضا فى 50 شارع قصر النيل..
ولما زرنا موسكو استقبلنا موسييف، وعملوا لنا زيارة لمسرح (البولشوى) أعظم مسارح العالم، وكان هذا الراقص العظيم يحمل تقديرا لفرقة رضا ومؤسسها، الذى اعتبره أنا هو موسييف مصر.. لكن شوف الفارق.. ظل موسييف يدير فرقته ويصمم استعراضاتها حتى تجاوز التسعين من عمره.. أما محمود رضا -متعه الله بالصحة وطول العمر- فبعد كل ما قدمه للفرقة، وبعد عشرين سنة فى إدارتها وصنع مجدها، فإنهم أحالوه للتقاعد فورا بعد بلوغه الستين وكأنه كان مجرد موظف فى مجمع التحرير!
وكان محمود قد تزوج فى شبابه من راقصة الباليه اليوغسلافية (روجستا) والتى أصبحت إحدى مدربات فرقة رضا، وكان يناديها باسم الدلع (روز) وهى أم ابنته الفنانة شيرين رضا، وفى رأيى أن شيرين تنازلت عن فرصة حقيقية بأن تصبح أهم فنانة استعراضية فى مصر، فاسم والدها ومؤهلاتها الشكلية كانت كفيلة بأن تحقق لها تلك المكانة.. لكنها أضاعتها لأسباب يطول الحديث عنها..
(2)
أما فريدة فهمى فكانت نجمة الفرقة بلا منازعة..
وفريدة من أسرة ميسورة، ووالدها كان أستاذا مرموقا بكلية الهندسة / جامعة القاهرة، وكثيرون يستغربون ويتساءلون : كيف وافق أستاذ جامعى على أن تعمل ابنته كراقصة، وفى مجتمع محافظ ومتدين، بل ويساعدها فى إنشاء فرقة للرقص ويدعمها بكل جهده وامكانياته المادية؟
والإجابة باختصار هى أن د. حسن فهمى كان يعتبر الرقص فنا معبرا بالحركة عن ثقافة شعب وحضارته وليس عيبا ولا جريمة..
وكانت فريدة أكثرنا شهرة حتى من قبل تأسيس فرقة رضا، حيث كانت قد شاركت بالتمثيل فى أعمال سينمائية مميزة أبرزها بطولة فيلم أمام نجم الشباك الأول وقتها إسماعيل ياسين (إسماعيل ياسين بوليس حربى ) و(الأخ الكبير) مع فريد شوقى و(جميلة بو حريد) مع الفنانة الكبيرة ماجدة.. وكان زوجها المخرج على رضا قد فتح لها أبواب السينما..
وشاركت فرقة رضا بكل نجومها وراقصيها فى بطولة 3 أفلام، كان أولها (أجازة نص السنة) من إنتاج تاكفور أنطونيان وشاركت فى بطولته الفنانة ماجدة، وثالثها (حرامى الورقة) بطولة نجلاء فتحى، لكن يظل أهمها وأشهرها (غرام فى الكرنك) بطولة فريدة ومحمود رضا، وصورناه فى معابد الأقصر وأقمنا فى فندق (جراند أوتيل) ويعد إلى الآن واجهة للسياحة فى مصر..
كان تصوير الفيلم يستغرق نحو أربعة شهور، نقيمها فى مكان تصويره، ولو عندنا حفلة نعملها ونرجع نصور.. لم نحصل على دروس فى التمثيل، كنا نقف أمام الكاميرا بتلقائية وطبيعية ونتعامل تماما كما نفعل فى حياتنا العادية، وربما يكون ذلك سر نجاح الأفلام التى ظهرنا فيها..
كنا نحصل على مقابل مادى معقول نظير تلك الأفلام.. أنا فاكر مثلا فى أول فيلم لنا حصل كل واحد منا على 150 جنيها، وهو رقم كبير بحسابات سنوات الستينيات..
ورغم أن فريدة كانت هى الأعلى أجرا وشهرة ولكنى أشهد أنها كانت تتعامل مع بنات الفرقة دون تكلف ولا ادعاء ولم تُشعر أحدا أنها (النجمة).. كانت محبوبة من بنات الفرقة لأنها كانت تعاملهن بحب و(محاوطة) عليهن..
وربما ساعد على ذلك اننا تحولنا إلى أسرة واحدة بفعل السفريات الكثيرة والطويلة داخل مصر وخارجها.. يعنى مرة سفرية واحدة استغرقت 6 شهور متصلة، زرنا 12 دولة فى قارة آسيا وقدمنا عروضنا بها.. وكل واحد رجع من السفرية بأكثر من 150 كيلو مشتريات، خاصة من هونج كونج، فقد كانت الأسعار فيها رخيصة جدا، وفى الهند بهرتنا المصنوعات الخشبية فاشترينا الكثير.. وأنفقنا أغلب ما تقاضيناه من مكافآت وأموال.. رجعنا فقط بشنط الهدايا بعد كل تلك الشهور من الحفلات المتصلة!
أعود إلى فريدة لأقول إنها آخر جيل من الراقصات الحقيقيات فى مصر.. وهنا أتكلم كمتخصص ودارس وخبير فى تاريخ الرقص فى العالم.. فى مصر القديمة (الدولة الفرعونية) كان الرقص جزءا من طقوس العبادة، جرى احتكاره داخل المعابد، وكانت هناك رقصة للميت من أجل طرد الأرواح الشريرة عنه، كانت راقصات المعابد يؤدين الرقص كطقس جنائزى..
بعد الفراعنة وبداية العصر الرومانى تحرر الرقص وخرج من المعابد، وابتدأ يميل إلى التجارية وإثارة الغرائز.. أصبحت الراقصة أداة إغواء للرجل بحركاتها الجنسية العارية..
ارتبط الرقص بالجنس منذ تلك الفترة.. ثم كانت هناك محاولة حقيقية وناجحة لإحياء فن الرقص الشرقى الخالص الخالى من الابتذال على يد ثلاث من نجماته : نبوية مصطفى، تحية كاريوكا، سامية جمال..
واعتبر ما قدمته فريدة فهمى هو آخر محاولة جادة فى الرقص الشرقى، ويمكنك ان تعود إلى أدائها فى تابلوه اسمه (أبيّن زين) رقصت فيه ببدلة رقص (تغطى بطنها) قدمته فى فيلم (أجازة نص السنة)..
بعد فريدة انتهى الرقص الشرقى الحقيقي.. وما يقدم الآن هو نوع من (الاستربتيز) باسم الرقص.. الهدف منه هو جذب الزبون للنقوط!
وأحمد الله أننا قمنا بتصوير رقصات وأعمال فرقة رضا تليفزيونيا لتبقى فى الذاكرة كسجل للرقص الشعبى المصرى وأشعر بسعادة عندما يعرضونها أحيانا فى (ماسبيرو زمان) لتعرف أجيال جديدة أنه كان لدينا فى يوم من الأيام هذا المستوى من الرقص الحقيقي..
صورنا كل ما قدمناه فى تجربتنا.. كل العروض أصبحت على شريط عرض تليفزيونى باستثناء أوبريت (على بابا والأربعين حرامي).. فقد رحل ملحنه وموزعه الموسيقار على إسماعيل قبل تصويره، وكانت النوت الموسيقية لديه، ورفضت أسرته أن تقدمها لوزارة الثقافة مجانا عندما طلبتها.. وبالتالى لم نصور العرض..
وما أذكره أننا كنا نتقاضى مكافأة مالية نظير تصوير عروضنا تليفزيونيا.. فاكر أنى حصلت على 45 جنيها نظير تصوير (رنة الخلخال)..
(3)
قضيت فى فرقة رضا نحو 27 سنة متصلة، منذ تأسيسها فى 1959 إلى أن خرجت على المعاش فى العام 1987 0
والفنان لا يتقاعد ولا يعرف سن المعاش.. أنا مثلا أسست فرقة رقص خاصة تحمل اسمى، أسستها وأنا موجود فى فرقة رضا، كانت تتكون من 4 أولاد و4 بنات، وكنا أول فرقة تقدم عروضا فى (الأوبرج) الذى كانت عروضه منذ تأسيسه تقتصر على فقرتين : رقص شرقى وعرض باليه.. هذا هو البرنامج الدائم للمكان حتى فى عصره الذهبى وقت أن كان المكان المفضل لسهرات الملك فاروق.. أنا كسرت هذا البرنامج وقدمت عرضا لفرقتى كفاصل بين العرضين الشرقى والغربى.. وقعدت 5 سنوات أقدم هذا (الشو)، وكنا نتقاضى 20 جنيها فى الليلة، كل الفرقة، فكنا نقسمها بالتساوى، جنيهان لكل راقص وجنيهان للمتعهد..
وسافرت بالفرقة إلى الإمارات والكويت وسوريا.. فى رحلة سوريا ظللنا نقدم عروضنا هناك لمدة 6 شهور..
كما شاركت فى تصميم رقصات عدد من المسرحيات وأفلام السينما.. كان من بينها مسرحية (حواديت وبراغيت) لثلاثى أضواء المسرح..
وفى السنوات الأخيرة أقوم بعمل محاضرات عن تاريخ الرقص.. وللأسف : الرقص فى مصر أصبح تاريخا وذكريات.. فما يقدم الآن لا علاقة له بفن الرقص!.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد