صلاح جاهين.. شاعر كبير أحَبّ الشعب والفن وثورة يوليو

الكتابة عن الشاعر الفنان الكبير صلاح جاهين فرض وواجب على كل كاتب وطنى، لأن هذا الشاعر كان صوت الشعب وضمير الوطن طوال حياته،

 لأن جده هو الكاتب أحمد حلمى الصحفي الذي نشر على صفحات جريدة اللواء - جريدة حزب مصطفى كامل - تفاصيل محكمة دنشواى التي حكمت على الفلاحين بالإعدام والجلد وانعقدت في القرية نفسها، قرية دنشواى بالمنوفية في عام 1906 وكان ما نشره حلقة من حلقات الصراع بين الحركة الوطنية المصرية وكرومر المعتمد البريطاني، المجرم الاستعماري عدو الشعب المصرى، وكان والد صلاحجاهين رئيس محكمة الاستئناف في المنصورة وكان مولد الشاعر الكبير فى شارع جميل باشا في حي شبرا مصر، وهذا يفسر لنا أسباب انحيازه للشعب والوطن وثورة 23 يوليو التي كانت ترجمة لكفاح المصريين منذ المعركة الأولى ضد الاستعمار البريطاني في التل الكبير عام 1882، التي هزم فيها الجيش المصرى وانكسر قائده عرابي بفعل الخيانة والولس، ومنذ ذلك التاريخ يقول المصريون هذا المثل: «الولس كسر عرابي».

عاش صلاح جاهين أصعب لحظة في حياته، لحظة استماعه الأغنيته الحماسية بصوت أم كلثوم وهي تغنی «راجعین نحرر الحما راجعين كما رجع الصباح من بعد ليلة مظلمة»، وكانت الأغنية على موجة الإذاعة المصرية قبل ساعات من يوم الإثنين 5 يونيو 1967، يوم انكسار عرابي الثاني.. أو جمال عبد الناصر.. وانكسار الطبقة المتوسطة والشرائحالبرجوازية الوطنية التي حاولت أن تحرر السوق المصرية وتبنى مشروعاً وطنيا يقوم على اقتصاد منتج مستقل غير تابع للبيت الأبيض الأمريكي، وهذا اليوم الأسود كان يوم هزيمة صلاح جاهين، وشعوره بتأنيب الضمير.. كان يقول ما معناه إنه منح الناس وعدا بالنصر، لكن الواقع أنها كانت هزيمة لمشروع وطني، وعاش أسير هذا الشعور حتى بلغ مرحلة كتب فيها أغنية قفل لى على كل المواضيع وتغنت بها سعاد حسنى، ولم يسلم جاهين نفسه للهزيمة غير موقعه ليظل في دائرة الفن بعد أن خرج من دائرة السياسة وقال: «وحشتنى نظرة عيونك للبلد یا جمال».

وجاء عليه يوم صعب آخر، رفضت إدارة الأهرام نشر كاريكاتير له، يهنئ فيه ولده بهاء بديوانه الشعرى الأول، ورفضت وزارة الثقافة إنتاج مسرحية كتبها وطاف بها على مكاتب الوزارة وعومل بشكل غير لائق بتاريخه الفنى وانحسرت الدنيا والفرحة عن حياة صلاح جاهين ودخل دوامات نفسية واجتماعية، فكان رحيله نهاية لهذه الأيام الصعبة 1986 في 21 أبريل.

الضيف أحمد.. الفلاح «القرارى » الذى اخترع «أضواء المسرح»

اخترع الضيف أحمد فرقة حملت اسم ثلاثي أضواء المسرح، وأعضاؤها ثلاثة : سمير غانم والضيف أحمد وجورج سيدهم... ولم تزعم الفرقة أنها مبعوثة العناية الإلهية لإنقاذ فن المسرح، بل كانت تهدف إلى الضحك، لا أكثر ولا أقل، وهذا ليس عيباً لأن هذا النوع من الفرق كان يقدم البسمة للشعب المصري في ظل حروبه مع إسرائيل، وفى ظل هزيمة عسكرية وسياسية ثقيلة.. وقد تعجب يا عزيزي القارئ لو علمت أن عبد الناصر كان يحب هذه الفرقة، وبعد هزيمة 5 يونيو 1967 طلب فى اجتماع مع الحكومة زيادة جرعة الكوميديا فى الفن حتى يضحك الشعب الحزين، ومن المشاهدات التي لا أنساها مشاهدتي حلقة قديمة تليفزيونية مصرية ظهر فيها الكاتب ثروت أباظة والضيف أحمد، وكان الهدف من ظهور الرجلين معا خلق كوميديا تسعد المشاهد، فالأول كاتب ورئيس تحرير مجلة وله وزنه السياسي الموروث بحكم انتمائه لعائلة من عائلات الحقبة الملكية، والثانى ممثل کومیدی حديث السن، ينتمى إلى قرية في الدقهلية، يمتلك موهبة التمثيل والكتابة والإخراج المسرحي، موهوب فى انتزاع الضحكة من قلوب الجماهير.. وسألت المذيعة الضيفين أسئلة عميقة، لها علاقة بالتراجيديا الإنسانية والقيم العليا وقواعد التجريد المنطقى، وكان من المنتظر أن يرتبك الممثل الكوميدي، لأنه في أذهان الناس ليس مثقفا مجرد مشخصاتى يؤدى حركات وينطق كلامه بطريقة ساخرة، لكن الذى حدث كان على غير المتوقع، تكلم الفنان الساخر بعمق، وارتبك الكاتب الكبير - الباشا -المنتمى للعائلة الأباضية المعروفة.

كان الفلاح القرارى الضيف أحمد قادراً على هزيمة التصور الشعبى الذى كان يرى الممثل مجرد دمية تتحرك بتوجيهات المخرج، وتحدث حديث المثقف...

والقصد من سرد هذه الحكاية القول إن الضيف كان فنانا جامعيا مثقفا فى المجال الذي اختاره لنفسه وهو فن المسرح، وهذا يقودنا إلى زمن الضيف أحمد»، وهو زمن كان فيه الفن محل اهتمام وتقدير الطبقة الحاكمة، لأنها كانت تنتمى إلى البرجوازية الوطنية، وكانت الحركة المسرحية في قمة ازدهارها الكمى والكيفى، وكانت الجماهير تنزل من بيوتها وتذهب لمشاهدة المسرحيات، والصحافة الورقية الفنية كانت تفسح صفحاتها وتفتحها أمام أقلام نقاد المسرح، وكانت وزارة الثقافة تصدر مجلة متخصصة في فن المسرح، وكانت العناصر البشرية المتفوقة في فن التمثيل كثيرة وموهوبة، وهذا كله في ظل وجود إدارة للتربية المسرحية في وزارة التربية والتعليم، ووجود نشاط قوى لفرق الجامعات، كان المسرح الجامعى مدرسة تدفع بالموهوبين القادمين من الريف والأحياء القاهرية الفقيرة، من هؤلاء عادل إمام وصلاح السعدنى وجورج وسمير والضيف أحمد وصلاح عبدالله وخالد صالح ومحمود عبد العزيز وعبلة كامل، وغيرهم من الفنانين الذين شاركوا في الصخب المسرحى في ستينيات القرن العشرين واخترع - الضيف أحمد - فرقة ثلاثي أضواء المسرحوحقق نجاحاً فى التمثيل السينمائي، ومات في سن الرابعة والثلاثين في 16 أبريل 1970.

نوال أبوالفتوح.. دولت هانم تتحدى سيدات المِغربلين

الفنانة الراحلة نوال أبو الفتوحاختارتها الأقدار والظروف لتجسد شخصية الهانم ذات الأصول التركية، فالفلاحون من الأجيال التي عاشت في سنوات ما قبل ثورة يوليو عرفوا معنى كلمة الباشا والبيه الصغير والبيه الكبير والهانم الكبيرة والهانم الصغيرة لأن الأرستقراطية الزراعية - طبقة كبار ملاك الأراضي - كانت تركية أنشأها العصر المملوكي، وعدل فيها وأضاف إليها محمد على وأولاده وأحفاده الذين حكموا مصر حتى يوم الأربعاء 23 يوليو 1952، لكن في سبعينيات القرن العشرين وما بعدها أصبحت شخصية الهانم مجهولة للشعب، لأنها اختفت بعد توزيع الأراضي التي تملكها هذه الطبقة على الفلاحين، وتغيرت ملامح المجتمع المصرى بعد إعلان مجانية التعليم وتخصيص نسبة خمسين بالمائة من مقاعد مجلس الأمة للفلاحين والعمال ولما كتب أسامة أنور عكاشة قصة هذا التحول في مسلسل الشهد والدموع شاركت نوال أبو الفتوح وقدمت شخصية دولت هانم التي أجبرتها ثورة يوليو على قبول الزواج من حافظ الحلواني القادم من حي المغربلين الشعبي الفقير الذي يسكنه الصنايعية في القاهرة القديمة، وفي كل مشهد يجمع بينها وبين يوسف شعبان كانت تزجره وتظهر العنجهية والتعالى وتمارس علية سطوة لأنها تحمل رؤية موروثة تقوم على أن التركي هو الحاكم والسيد والفلاح مجرد خادم، بل إن هذه الطبقة العجيبة كانت ترفض التخاطب باللغة العربية، لأنها لغة البوابين والخدم الذين يعملون في قصورهم وأراضيهم في القرى والعزب، وكانت دولت هانم تحتقر سيدات حي المغربلين، وترى أنهم ستات بلدى لا يرقين إلى مستواها الراقي، رغم أنها تزوجت حافظ الحلواني ابن حي المغربلين وأحد تجاره الكبار.. كانت نوال أبو الفتوح فنانة جميلة، درست الموسيقى ووقفت أمام الكاميرا وكانت نهاية حياتها بعد صراع مع مرض السرطان، وماتت في مستشفى المنيل الجامعي في 10 2007 أبريل.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سيد
الشاعر الكبير «الأبنودى» مازال حيّاً يا كارهى ثقـــافة الفلاحين!
شكوكو
نجيب

المزيد من فن

انتصار الصورة على الأصل فى مسرحية «فومو»

الذين عاشوا فى العالم الافتراضى

صلاح جاهين.. شاعر كبير أحَبّ الشعب والفن وثورة يوليو

الكتابة عن الشاعر الفنان الكبير صلاح جاهين فرض وواجب على كل كاتب وطنى، لأن هذا الشاعر كان صوت الشعب وضمير...

فيلم Stitch Head يحتفى بالحب والصداقة

حول "ستيتش هيد"، الوحش اللطيف المصنوع من الخردة، وهو من ابتكار العالم المجنون الذي يصنع الوحوش فى قلعة جروتيسكيو، ويعمل...

فارس السينما الأكبر أحمد مظهر (3)

قصة صداقة نادرة بدأت فى الكلية الحربية وتعمقت فى «منقباد» عبد الناصر يعمل مدرب ملاكمة للضابط الشاب أحمد مظهر مصادفة...