كتيبة 6888 .. بطولة مؤجلة من الحرب العالمية الثانية

نساء سوداوات فى جيش أبيض

لم تكن العنصرية في الجيش الأمريكي مجرد انعكاس لما يجرى خارجه، بل كانت جزءا منظما من بنيته نفسها ... فالوحدات العسكرية ظلت مفصولة عرفيا لعقود، وحصر الجنود السود في الأعمال الشاقة والدعم الخلفي بينما أبعدوا عن مواقع القيادة والقتال المشرف، وكان شجاعتهم أقل قيمة.. كانوا يخضعون لضباط بيض، ويتلقون أوامر من مؤسسة تشكك في أهليتهم وإنسانيتهم. رغم انضباطهم وتضحياتهم، هذه المفارقة القاسية - أن يطلب منك أن تموت من أجل وطن لا يراك مساويا - هي جوهر المأساة التي يفضحها الحديث عن العنصرية داخل الجيش التي يجعلها فيلم 6888 أكثر وضوحًا وإيلاما.

في تاريخ طويل كتب بالقوة والتمييز، كان السود في أمريكا حاضرين في الصفوف الأول للواجب وغائبين عن الاعتراف والعدالة داخل الجيش الأمريكي، لم تكن الحرب وحدها عدوهم بل نظام يرى فيهم أداة وقت الحاجة، ويقصيهم عند توزيع الشرف والإنصاف حاربوا من أجل وطن لم يمنحهم حقوقه كاملة، وحملوا السلاح دفاعًا عن الحرية بينما كانوا محرومين منها في حياتهم اليومية.. فيلم ٦٨٨٨ يفتح هذه الصفحة المنسية

كاشفا كيف تحوّل التهميش إلى دافع للصمود وكيف صنعت نساء سوداوات - في قلب مؤسسة عسكرية عنصرية - نصرا صامتا لم يرو إلا بعد عقود. -

٦٨٨٨) قصة( The Six Triple Eight يروى فيلم الكتيبة التي تحمل نفس الرقم، وهي أول وآخر وحدة عسكرية نسائية من السود» في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية تكلف هؤلاء النساء بمهمة تبدو إدارية في ظاهرها لكنها حاسمة في معناها فرز وتوزيع ملايين الرسائل المتراكمة للجنود الأمريكيين في أوروبا، رسائل عظلها الإهمال والعنصرية، وكادت أن تقطع الصلة بين الجنود وعائلاتهم وسط ظروف قاسية، وتمييز مزدوج بسبب العرق والجنس، وضغوط زمنية تكاد تكون مستحيلة، حول النساء هذه المهمة المنسية إلى فعل مقاومة صامت ويثبتن أن الكرامة والانضباط يمكن أن يكونا شكلا من أشكال النصر.

معركة منسية

يأخذنا فيلم Six Triple Eight إخراج تايلر بيرى إلى قلب الحرب العالمية الثانية، لا عبر جبهات القتال، بل من خلال معركة منسية ضد الإهمال والعنصرية والنسيان، تتمحور القصة حول الكتيبة ٦٨٨٨ أول وحدة عسكرية نسائية بالكامل من الأمريكيات السود، بقيادة الضابطة الصارمة والواعية الميجور تشاريتي آدامز تؤدي دورها گیری واشنطن، امرأة تدرك منذ اللحظة الأولى أن نجاح المهمة ليس خيارًا مهنيا فقط، بل معركة وجود واعتراف.

تكلف الكتيبة بمهمة وصفت بسخرية من القيادات البيضاء بأنها مستحيلة»: فرز وتوزيع أكثر من ١٧ مليون رسالة وبطاقة متراكمة للجنود الأمريكيين في أوروبا الرسائل مكدسة في مستودعات رطبة مليئة بالفئران والعفن في دلالة بصرية مباشرة على الطريقة التي وضعت بها هذه النساء في هامش الحرب، يمنحن ستة أشهر لإنجاز المهمة، بينما ينتظر فشلهن ضمنيا، لكن الفيلم، ببطء متعمد يحول العمل الإداري إلى فعل مقاومة، حيث تصبح كل رسالة مسلمة إنقاذا معنويا لجندى، وانتصارًا صغيرا على نظام لا يؤمن بهن.

على المستوى الإنساني، يقدم الفيلم شخصیات نسائية متعددة الخلفيات والدوافع، من أبرزها شخصية لينا ديريكوت كينج تجسدها إيبوني أوبسيديان)، التي تمثل الجيل الشاب الممزق بين الحلم الشخصي وواجب الجماعة، إلى جانب شخصيات نسائية أخرى تؤدى أدوارها ممثلات مثل ميلاونا جاكسون وشانیت شانتاى حيث يمنحهن السيناريو لحظات فردية تكشف أثر العنصرية على النفس، لا على الجسد فقط.

إعادة سرد التاريخ الأمريكي

يأتي فیلم The Six Triple Eight بتوقيع المخرج تايلر بيري الذي يواصل هنا مسعاه لإعادة سرد التاريخ الأمريكي من زوايا طال تجاهلها، لكن بلغة مباشرة لا تخفى موقفها الأخلاقي بيرى يختار أن يبتعد عن مشاهد الحرب التقليدية، مركزا على الصراع النفسي والمؤسسى، حيث تصبح العنصرية عدوا مرئيا لا يقل قسوة عن الحرب نفسها، إخراجه يتسم بالوضوح وربما الخطابية أحيانا، لكنه مقصود في فيلم يحمل رسالة تصحيحية أكثر من كونه استعراضا بصريا.

يعتمد تايلر بيرى على أسلوب مباشر أحيانا خطابي، في فضح التمييز العنصري داخل المؤسسة العسكرية، دون مواربة أو تجميل، قد يؤخذ على الفيلم ميله أحيانا إلى التبسيط العاطفي، لكنه يعوض ذلك بقوة الموضوع وعدالة القضية الأداء القوى لكيرى واشنطن يمنح الفيلم تقله الأخلاقي فهي لا تلعب دور البطلة التقليدية، بل القائدة التي تجبر على الصلابة لأنها لا تملك رفاهية الضعف.

تقدم كيرى واشنطن أداءً يتكئ على الصلابة أكثر من الانفعال، مجسدة شخصية الميجور تشاريتي آدامز بوصفها قائدة تدرك أن أي خطأ - ولو صغير سيحسب على جنسها ولونها معا، لا تلجأ واشنطن إلى المبالغة أو الخطابة بل تبنى الشخصية من الداخل نظرات محسوبة نبرة حازمة وجسد مشدود كأنه في حالة دفاع دائم حضورها يختصر ثقل المسئولية الملقاة على امرأة سوداء تقود مئات النساء داخل مؤسسة تشكك في أهليتهن منذ البداية، من خلال أدائها يتحول الانضباط إلى فعل مقاومة، وتصبح القيادة نفسها موقفا سياسيا، لا مجرد رتبة عسكرية.

تظهر أوبرا وينفرى في الفيلم بدور ماری ماکلاود بيتون وهي شخصية تاريخية حقيقية وناشطة تربوية بارزة كانت مستشارة للرئيس فرانكلين روزفلت ومدافعة قوية عن حقوق الأمريكيين السود ظهورها قصير نسبيا، لكنه يحمل ثقلا معنويا، إذ تمثل الصوت المدنى الذي يضغط من خارج المؤسسة العسكرية للاعتراف بالنساء السوداوات ودعم وجودهن.

اختيار أوبرا لهذا الدور ليس اعتباطيا، فهي تعد اليوم واحدة من أبرز النساء السوداوات اللواتي امتلكن الصوت والتأثير في الإعلام الأمريكي حضورها في الفيلم يربط بين نضال نساء الكتيبة ٦٨٨٨ في الأربعينيات، وبين نتائج هذا النضال في الحاضر، حيث بات للسود مساحة للحديث عن تاريخهم بأنفسهم.

من المهم التوضيح أن أوبرا ليست منتجة للفيلم ولا تقف خلفه إنتاجيًا، بل شاركت كممثلة فقط، ما يؤكد أن وجودها لم يكن تجاريًا بقدر ما هو شهادة رمزية على إعادة الاعتبار التاريخ طال تجاهله.

مواجهة العنصرية والتمييز

في جوهره، لا يقدم ٦٨٨٨ قصة «انتصار عسكري» بل انتصار أخلاقى مؤجل، ويعيد تعريف البطولة بوصفها الإصرار على الكفاءة في وجه الاحتقار إنه فيلم عن رسائل لم تكن ورقا فقط، بل اعترافا مؤجلا بإنسانية من كتبوا التاريخ ولم يسمح لهم بتوقيعه.

يبرز الفيلم في معالجته الدرامية من خلال التركيز على الروح الجماعية التي جمعت نساء الوحدة، إذ يخلق شبكة من العلاقات الإنسانية التي تكشف طبقات متعددة من الصراع: مواجهة العنصرية داخل المؤسسة العسكرية مواجهة الشكوك في قدرات المرأة على أداء مهام «صعبة»، ومواجهة القلق الداخلي الناشئ عن العمل تحت ضغط الزمن ورغم أن الإيقاع يميل في مواضع معينة إلى الخطابية، إلا أن العمل يحافظ على نبرة واقعية رصينة تمنح الشخصيات مساحة للنمو والتطور.

على مستوى الصورة استحضر المخرج أجواء الأربعينيات عبر استخدام ألوان دافئة وإضاءة منخفضة تعكس أجواء المعسكرات وقاعات الفرز بينما تتسم حركة الكاميرا بالهدوء المقصود، كأنها

تراقب من بعيد عملية دقيقة ومتواصلة دون

انقطاع، لا يعتمد الفيلم على مشاهد قتالية أو

مؤثرات ضخمة بل على جماليات العمل البطيء

حيث تتحول الطرود والرسائل إلى رمز للحياة

وسط صخب الحرب

أما الأداء التمثيلى، فهو أحد أبرز نقاط القوة في الفيلم، إذ استطاعت البطلات تقديم شخصيات متماسكة توازن بين الصلابة والانكسار الداخلي، مما يمنح العمل عمقا إنسانيا يرفع من قيمته الدرامية تتجلى قوة الفيلم في قدرته على تحويل قصة تبدو بسيطة - فرز البريد - إلى مساحة للتأمل في قضايا أوسع العدالة، الاعتراف، والذاكرة.

في النهاية، يشكل Six Triple Eight فيلما يثرى السينما التاريخية بزاوية جديدة، ليس لأنه يعيد اكتشاف فصل منسى، بل لأنه يقدمه بروح إنسانية تجعل المشاهد قريبا من التفاصيل الصغيرة التي صنعت معنی البطولة في زمن الحرب، إنه عمل يتجاوز السيرة الذاتية ليصل إلى احتفاء سينمائي بجماعة نسائية أثبتت أن الشجاعة قد تظهر في أكثر المهام تواضعًا.

 	أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

انتصار الصورة على الأصل فى مسرحية «فومو»

الذين عاشوا فى العالم الافتراضى

صلاح جاهين.. شاعر كبير أحَبّ الشعب والفن وثورة يوليو

الكتابة عن الشاعر الفنان الكبير صلاح جاهين فرض وواجب على كل كاتب وطنى، لأن هذا الشاعر كان صوت الشعب وضمير...

فيلم Stitch Head يحتفى بالحب والصداقة

حول "ستيتش هيد"، الوحش اللطيف المصنوع من الخردة، وهو من ابتكار العالم المجنون الذي يصنع الوحوش فى قلعة جروتيسكيو، ويعمل...

فارس السينما الأكبر أحمد مظهر (3)

قصة صداقة نادرة بدأت فى الكلية الحربية وتعمقت فى «منقباد» عبد الناصر يعمل مدرب ملاكمة للضابط الشاب أحمد مظهر مصادفة...