بينما كان لقاء الرئيس الأمريكى ترامب ونظيره الأوكرانى فلاديمير زيلينسكى ما زال حاضرا على اعتباره مشهداً من روائع الهزليات العالمية حدث فى مسرح الحياة خارج خشبة المسرح..
وبينما كنت أحاول قراءة المشهد الصادم الذى تفوق على كل الهزليات التى شاهدتها على خشبة المسرح من قبل.. انفجر ملعب استاد القاهرة بهزلية أخرى، وإن بدت فى ظاهرها مشهداً محليا، إلا أنها كانت فرجة عالمية على مدى ما يقرب من عشرين دقيقة، بدأت تداعيتها خارج الملعب ظهيرة الثلاثاء 11 مارس، وانفجرت ليلا وظلت أحداثها مستمرة حتى بعد انتهاء المشهد الرئيسى.
هزليتان.. واحدة دارت أحداثها فى البيت الأبيض من خلال مؤتمر صحفى لم يتم بين رئيس أكبر دولة تتحكم فى مصير العالم، ورئيس تعانى بلاده منذ سنوات من ويلات حرب طاحنة.. والثانية فى استاد القاهرة بين فريقين يتقاسمان وجدان المصريين منذ ما يقرب من مائة عام.
الهزلية الأولى فى البيت الأبيض
ذهب فى ملابسه السوداء، ملابس الحرب.. تحسس لحيته الخفيفة، تذكر أيام التمثيل، أيام المسرح، وتمنى لو أن الأقدار أسندت إليه دوراً غير هذا الدور يلعب فيه شخصية عاشق أو مقامر أو حتى لص، وليس دور المحارب الذى يقاتل عدوا شرسا.. إنه يقف فى وجه القيصر.
ذهب الرئيس الأوكرانى إلى البيت الأبيض وهو يحفظ دوره جيدا الذى كان يؤديه مع الرئيس السابق جو بايدن، ذهب مبتسما حتى رغم الحذر والخوف، جلس إلى جوار ترامب، رآه ضخما فى بدلته الرسمية، ليس ضعيفا أو نحيفا، ليس مترددا كسلفه، لا ينسى، بل يتكلم كقطار، يملأ فمه بالكلام، وأيضاً يملأ جسده الكرسى، ليبدو هو ضئيلا فى الكرسى الضخم.. أدرك اختلاف الشخصية فماذا يفعل! نظر إلى الصحفيين، وازداد شعوره بالقلق حين رأى الكرسى الثالث الذى يجلس عليه نائب الرئيس الأمريكى جيمس فانس. وفجأة بدأت اللعبة وقال ترامب: «أنت تقامر بإشعال حرب عالمية ثالثة وما تفعله يُظهر عدم احترام للبلد الذى دعمكم بأكثر مما كان ينبغى من وجهة نظر كثيرين».
ارتبك الرئيس، حاول أن يتجاوز نقطة الهجوم الدرامى التى انطلق منها ترامب، شعر بأن التاج نُزع من فوق رأسه وداسه ترامب تحت أقدامه.. كل شروط الرئيس التى يحتمى بها تناثرت بعيدا، وراح يهمهم.. «أُكن كل الاحترام لبلدكم».. وهنا ارتفعت أصوات المجتمعين أمام الكاميرا وخلفها، وارتفع صوت ترامب وألقى نظرة لا ينقصها الغرور: «سيكون اتفاقا صعب التوقيع، لأن السلوكيات يجب أن تتغير».. فصرخ جى فانس: «قُل كلمة شكر للولايات المتحدة وللرئيس الذى يحاول أن ينقذ بلادكم»، وهنا أدرك زيلينسكى أن الدور قد تغير، ومعه المخرج، هذه ليست الشخصية التى حفظها قبل أن يغادر كييف، ليس فقط المخرج تغير بل ومساعد المخرج.. وهنا حل عقدة يديه.. رفع ذراعه اليمنى ونظر إلى الكاميرا، إلى الصحفيين، وهو يردد «بلادى صامدة منذ بداية الحرب».. نظر خلفه، كانت المدفأة مطفأة، مجرد ديكور، ربما شعر بالبرودة.. عقد يديه إلى صدره مرة أخرى وحاول أن يحكى عن صموده، عن حرب القيصر.. تذكر أعدادا لا تحصى من القتلى، وركام المدن الذى خلفته الحرب.. الخنادق، المدن المظلمة، المشردين.. وهنا قطع ترامب شريط الذكريات: «لولا أننا أعطيناكم مُعدّات عسكرية لكانت هذه الحرب انتهت فى غضون أسبوعين اثنين».. ما زالت الصدمة تعصف برأسه، حاول كسب عطف ترامب أو قل نفاقه: «بل فى ثلاثة أيام».. هكذا ردد زيلينسكى بعد أن حل عقدة يديه وفكر فى ملابسه غير الرسمية، حين تأمل أناقة ترامب ونائبه، وهنا أنتبه إلى صراخ جى فانس، فصرخ بدوره وطالب النائب بأن يخفض صوته، وبدوره دافع ترامب عن درجة صوت نائبه المعتدل، فاختلط الأمر على زيلينسكى.. هل هو فى المسرح، وأن الحرب ومقعد الرئيس ليس سوى حلم طويل، أم هل هو فى الواقع يجلس على مقعد كبير فى البيت الأبيض؟
وهنا تذكر الممثل أن جوهر المهزلة المميز لها فى تجلياتها العديدة على مر التاريخ هو هيمنة الموقف المادى على الإنسان وتحكمه فيه، الذى يحيله من فاعل يسيطر على بيئته الفيزيقية إلى مفعول به، أى إلى لعبة فى يد الوجود.. شعر زيلينسكى بأنه يعيش فى هزلية كبرى تدور أحداثها ليس بين جدران المسرح، بين جمهور محدود، بل يشاهدها العالم على الهواء مباشرة، فغادر البيت الأبيض وتم إلغاء المؤتمر الصحفى.. ضحك الرئيس الأمريكى، اهتز جسده الضخم، نظر إلى نائبه فى إشارة إلى النصر الذى تحقق، أمسك هاتفه وكتب يغرد للعالم: «بإمكانه العودة لاحقاً عندما يكون مستعداً للسلام»..!!
لكن من الذى يعود؟! هو مستعد لكل شيء.. هو ضعيف وبائس وهو فى طريقه دون وداع رسمى بعد أن فشل فى أداء الدور.. وحين شاهدته على الشاشة حائرا، وبدورى اختلط الأمر علىّ أنا والمشاهدين، كنت أود أن أهمس فى أذنه: يا سيادة الرئيس، الممثل السابق، ألا تعرف أن الهزلية كوميديا موقف، لكن الموقف لا يتخلق فيها من شبكة علاقات إنسانية واجتماعية منطقية مفهومة كما كنت تظن حين أتيت إلى هنا، مهما بلغ تشوهها، أى تفاعل البشر بعضهم مع البعض أو مع المجتمع.. بل يتخلق من شبكة تعسفية من المفاجآت اللامنطقية والصدف الغريبة، المصادفات العجيبة التى تهدم منطق الأشياء كما فعل معك الرئيس المتعجرف ونائبه، فتنقلب أنسقة التوقعات المألوفة رأسا على عقب، وتنقلب على رأسك أيضا، فلا تملك حيالها إلا الاستسلام أملا فى أن تحملك بمعجزة إلى شاطئ النجاة، أو ينحسر مد العبث فيستقيم منطق الحياة ثانية. لقد ذهبت وفى رأسك منطق وأسباب ولا تعرف أن كل شىء انقلب رأسا على عقب، والآن أنت مستسلم وليس عندك سوى انتظار المعجزة، أو التخلى عن المنطق، ألم يخبرك أحدهم ذات يوم فى المسرح بأن الهزلية خروج مؤقت على المنطق المألوف للحياة وقلب منظم للمواضعات، فاخرج من هنا ربما تحدث معجزة أوروبية تنتشلك من هذه المهزلة، هذه هزلية لم تشاهدها فى المسرح من قبل.
الهزلية الثانية فى استاد القاهرة
وقف الحكم ومعه المساعدون، والمعلق الإماراتى احتل موقعه.. كان سعيدا يتحدث دون توقف، ينقل أحداثت غرائبية، يتأمل فضاء استاد القاهرة والجمهور وصياحه الهادر وكرة قدم ميتة عاطلة عن العمل! وثمة شخص يرتدى حلة رسمية وفى يده هاتف إلى جوار الحكم، أقرب إلى صديق البطل فى عروض الفودفيل، عروض الكوميديات الموسيقية، الذى يؤدى دورا ثانويا لكنه مهم، فراح يتصل بآخرين عبر الهاتف، ينظر إلى السماء وإلى الحكام، الجمهور يصرخ فرحا فى مدرجات الزمالك وغاضبا فى مدرجات الأهلى، المسرحية لن تكتمل، كيف ونصف الممثلين تتجول بهم حافلة فى مدينة نصر على بعد خطوات من استاد القاهرة؟! الحافلة لن تدخل.. مشهد يتجاوز ليس فقط الهزليات بل وكل فلسفة العبث، حضر الجمهور ولم يحضر أبطال العرض! مقاعد جهاز الأهلى فارغة، الجمهور فى المدرجات يشجع الفريق الغائب، ويدرك أنه فى مسرحية كبرى، هكذا يردد.
ولأن الهزلية ثورة على المنطق أو موجة عاتية من الفوضى المنطقية، تكتسح الأنظمة.. يمثل الإيقاع السريع اللاهث الساخن عنصراً أساسيا فى تحققها.. وهو عنصر غالبا ما يغيب عن الهزليات المصرية داخل المسارح لتعسف الرقابة، لكن هذه المرة كان حاضراً فى مسرح الحياة، حيث لا حيلة للرقيب. فى الصباح احتج الأهلى لدى رابطة الأندية المنظمة للمسابقة، صمم على طلب حكام أجانب، أوقل جدد طلبه منذ إعلان قرعة الدور الثانى من الدورى، القرعة التى تمت سرا فى الفجر دون حضور الأندية مما يثير الشبهات.. الرابطة لا ترد، ورئيس اتحاد الكرة مشغول فى انتخابات الاتحاد الأفريقى، فقط يعد بحل المشكلة.. وزيرالشباب والرياضة حائر، ماذا يفعل؟ أعلن قبل المباراة عن طاقم تحكيم سعودى، الأهلى وافق، كان من الممكن تأخير موعد المباراة ساعات، لكن ثمة حلقة مفقودة، وفقا لمنطق الهزلية لزوم التشويق والإثارة.. حضر الحكم المصرى الذى رفضه الأهلى ومعه فريق الزمالك إلى أرض الملعب ينتظران لمدة عشرين دقيقة، والحكم يعلم أن الفريق فى ملعب النادى ولن يأتى.. لقد نجحت الرابطة واتحاد الكرة، ووزير الرياضة حاول سواء كانت المحاولة جادة أو ضمن المسرحية.. أين ذهب الحكام السعوديون، لماذا جاءوا؟ فإذا كانت الهزلية ثورة على الأنسقة العقلانية أو الأبنية النظرية والقواعد المألوفة التى تحكم النشاط الإدراكى والعملى للإنسان، وتنتج صورة العالم السائد، فهذه الهزلية رغم إيقاعها السريع جاءت مفككة مهترئة، لأن الجمهور يعلم نهايتها التى أعلنت السبت الماضى وأكدت ذكاء الجمهور وخيبة صناع هذه الهزلية، وخير دليل قرار رابطة الأندية والعقوبات التى نالها النادى الأهلى بعد أيام.
ترامب ونائبه قدما هزلية ذات حبكة قوية فاجأت زيلينسكى والعالم، لم يتوقع أحد نهايتها، ذهب الرئيس الأوكرانى ومعه دعم أوروبى، وأيضا صفقة المعادن، بالإضافة إلى دعم جو بايدن والحكومة الأمريكية السابقة، فاعتقد والعالم معه أن اللقاء سيكون دراما واقعية تخضع للقواعد التقليدية، لكن ترامب كان يعد هزلية متكاملة الأركان.. وفى فضاء استاد القاهرة كانت الهزلية معدة سلفا يعرف الجميع مراحلها، ربما ينتظرون معجزة أو حلا خارقا، لكنه لم يحدث.. لأن المشهد بكامله يلخصه بيت شعر لبيرم التونسى كان من أسباب نفيه خارج مصر وتشريده سنوات طويلة، حين خاطب الملك فاروق إثر حادثة هزت أركان القصر الملكى قائلاً «الوزة من قبل الفرح مدبوحة.. والعطفة من قبل الأوان مفتوحة».. أليس كذلك؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.
عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.
يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.
يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...