حميدة الهاربة من الحياة فى «زقاق المدق» بإحساس السـيدة شادية

المبدع الصادق لاينفصل عن هموم مجتمعه، هذه قاعدة وضعها كبار النقاد والمبدعين فى العالم كله، وقال الدكتور طه حسين قولاًمشهوراً فى هذا الموضوع معناه أن الكاتب الذى ينفصل عن «الشعب» ليس كاتباً ولا أديباً،

 والكاتب الروائى الأكبر»نجيب محفوظ» كان خير معبر عن هموم وأحلام الشعب، وذكرى مولده «ديسمبر1911» تعطينا الفرصة لمشاهدة الأفلام المأخوذة عن رواياته، من باب استرجاع الزمن الذى كانت فيه السينما «صوت التقدم» وضمير الناس الحى، والفنانة «شادية» التى هى بحق «السيدة شادية» عبرت عن رؤى نجيب محفوظ، وبعثت الحياة فى شخصيات رواياته «ميرامار، الطريق، زقاق المدق» لكن شخصية «حميدة» اليتيمة المولودة فى «زقاق المدق» كانت فى حاجة إلى من يفهم أبعادها، والسيدة «شادية» فهمت أبعاد هذه الشخصية، فهماً عميقاً، ربما لأن شادية «قاهرية» المولد ورغم انتمائها للطبقة الراقية، لكنها من المؤكد،عرفت «حميدة» وقابلتها فى يوم من الأيام، ومن قرأ رواية «زقاق المدق» لاشك أنه رأى «شادية» فوق سطور الرواية، فمن حيث الهيكل الخارجى، هى تشبه «شادية» لأن هذا «الهيكل التركى» كان هو السائد فى تلك الفترة من تاريخ مصر، كانت المرأة الجميلة، هى التى تميل إلى القصر مع الامتلاء، ومن حيث «الرغبة فى التطلع الاجتماعى» وهو الملمح النفسى الظاهر فى شخصية «حميدة»، اجتهدت الفنانة «شادية» وأقنعتنا بحالة التمرد والرفض التى كانت من سمات تلك الفتاة اليتيمة الطموحة للعيش فى مكان أفضل وأجمل من الزقاق، وفى اللحظة المؤلمة فى حياة حميدة، لحظة الموت، كانت «شادية» موفقة فى تجسيد البؤس الداخلى الذى كانت تشعر به «حميدة فتاة الليل» التى راحت ضحية أحلامها، وضحية لحظة تاريخية كانت قاسية على جميع المصريين، فالبغاء كان مرخصاً من أجل راحة جنود الجيش البريطانى، وكان المصريون يشعرون بالخزى والمهانة، حتى تقدم النائب البرلمانى «سيد جلال» بطلب إلى وزير الشئون الاجتماعية، ودبر له حيلة، جعله يمشى فى شارع من شوارع البغاء ليرى الصورة بنفسه، وهى صورة مقززة، كاشفة للتدهور والانحطاط الأخلاقى الناتج عن الفقر، وغياب العدل الاجتماعى، فى مجتمع «الإقطاع» والعائلة المالكة، وانتهت قصة البغاء المرخص، وبقيت «حميدة» حية، وهى موجودة فى عقل وقلب كل فتاة فقيرة تسعى للغنى والثراء ولاتملك سوى جسدها، فتبيعه، وتفقد آدميتها، وتوهم نفسها بأنها «عايشة عيشة كويسة» وكان «نجيب محفوظ» هو الأديب الذى عاش فى زمن الاحتلال، وكان هو المعبر عن «الشعب» وكانت «شادية» هى الفنانة التى عبّرت عن وجدان نجيب محفوظ، وبثت الروح فى «حميدة» فعاشت فى قلوبنا..

شرفنطح.. الكوميديان الذى أضحك الجماهير ومــات وحيداً

هذا الممثل الموهوب «محمد كمال المصرى» كان خير من يعبر عن شخصية «الموظف القرارى» فى السينما والمسرح، ولم يحصل على «بطولة» وشارك فى خمسة وأربعين عملاً، موزعة على السينما والمسرح،وكان من سكان «حارة ألمظ» فى شارع «محمدعلى»، وهو ابن شيخ أزهرى، ودرس فى مدرسة الحلمية التابعة لوزارة المعارف، وكانت رغبة والده هى أن يرى ولده فى دولاب «الميرى» موظفاً كبيراً، فلم يحقق حلم والده لكنه «صوّر» شخصية الموظف، كما لم يصورها غيره من أبناء جيل الرواد، فى فيلم «سلامة فى خير» وقف «شرفنطح» الذى هو نفسه «محمد كمال المصرى» أمام  «نجيب الريحانى» وسرق منه «الكاميرا» واستقر فى ذاكرة المشاهد، فهو مدرس ابتدائى، يشرح لتلاميذه مسألة حساب، والمسألة قائمة على أمتار القماش، فنسى «نجيب الريحانى» الإمارة التى كان يرتدى ملابسها، بالاتفاق مع أمير حقيقى جاء من آسيا، ويخشى أن يقتله خصومه، وتذكر أنه موظف فى محل يبيع القماش، وتذكر أن هذا المدرس، هو نفسه جاره فى السكن، وبينهما خصومة، فتحوّل المشهد إلى مباراة فنية رائعة بين «شرفنطح» و»الريحانى»، وتولدت الكوميديا من هذا التناقض، فالأمير المزيف المحاط بالأبهة، والمدرس الحاقد على الموظف، يؤديان الدورين اللذين تفرضهما عليهما اللحظة «الرسمية»، فيقول «المدرس» للأمير المزيف «يامولاى..» لكنه فى وجدانه، جاره «سلامة» الفراش فى محل أقمشة، وتوالت المشاهد التى يظهر فيها «شرفنطح» الموظف الحسود الخبير فى إشعال الفتن والمعارك، وفى فيلم «فاطمة» يقدم «شرفنطح» شخصية «مثقف الحارة» الذى يتصدى للدفاع عن «فاطمة» ويواجه «الباشا» وينجح فى رسم الشخصية، وفى فيلم «السوق السودا» يؤدى شخصية «الحلاق» المنتمى للحى الشعبى القاهرى، وهو غير «حلاق» الأرياف، ولكن فى حياته لم يكن سعيداً، فهو أُجبر على مغادرة «حارة ألماظ» بقرار من «البلدية» لأن البيت الذى كان يسكن فيه، آيل للسقوط، وينتقل هو وزوجته إلى غرفة ضيقة فى حى القلعة، ويصاب بمرض الربو، ولم يكن له ولد، ويقضى سنوات وهو يصارع المرض، وخصصت له نقابة الممثلين مساعدة شهرية قيمتها «عشرة جنيهات» وفى أحد الشهور، جاء موظف النقابة ليسلمه «الإعانة» فأخبره الجيران «تعيش إنت..عم شرفنطح مات» ولم يكن بجواره فى لحظة الموت سوى زوجته.

الشيخ مصطفى كامل.. تحوّل إلى العاشق كامل الشناوى!

قصة الأزهر الشريف فى حياة الطبقة الغنية الريفية، بدأت منذ عصر «المماليك» والعثمانيين، المماليك جعلوه منارة للدين وأوقفوا عليه الأوقاف، وخصصوا «الجراية» ـ الخبز اليومى ـ للطلبة أو «المجاورين»، فكل طالب أزهرى هو «مجاور»، وجاء العثمانيون، وجعلوا له إماماً يسمى «شيخ الإسلام» أو «إمام الجامع الأزهر» و«الإمام الأكبر»، وكان الأغنياء يهبون أولادهم للدراسة فى هذا الجامع، ليتلقوا العلم، وكان المماليك يبجلون شيوخ الأزهر، ويكرمونهم، وفى سنوات «محمدعلى» كان الأزهر هو المكان الذى فيه الشبان الريفيون، فاختار محمد على المتفوقين منهم وأرسلهم فى بعثات تعليمية إلى أوروبا «أشهرهم الشيخ رفاعة الطهطاوى»، وأصبح من بين الأزهريين قضاة شرعيون، يبلغون الدرجات الرفيعة، وينالون المكانة الاجتماعية والهيبة، وكان من هؤلاء «الشيخ محمد مأمون الشناوى» الذى بلغ منصب  «شيخ الأزهر» وهو عم ـ الشاعر كامل الشناوى ـ ووالد «مصطفى كامل» أو «الشيخ مصطفى كامل» كان شيخا وقاضياً شرعيا، بلغ منصب رئيس المحكمة الشرعية العليا، لكن «الشيخ مصطفى كامل» هجر الزى الأزهرى، وعرف طريق جريدة «الوادى» وعمل صحفياً مع الدكتور طه حسين «كان رئيساً لتحريرها» وعمل أيضاً فى جريدة «روزاليوسف» و«أخبار اليوم» وهذا هو طابع «الفنان المتمرد»، وهو نفسه الطابع الذى جعله يعيش حياته فى الليل، وينام فى النهار، يسهر ويكتب ويفرح مع الأصدقاء، من بعد صلاة العشاء، ويخشى النوم، لأنه كان يخشى أن يداهمه الموت فى الليل، وكتب الشعر، وتغنى كبار المطربين بقصائده «أم كلثوم وعبدالوهاب وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ ونجاة» وأصبح يحمل لقب «العاشق» وكان قلبه مكسورا، حزيناً لأنه يعشق، ولا يُعشَق، فيبكى ويجلس ليكتب قصيدة، وكان يكتب المقال الصحفى، ويعرفه نجوم الفن والأدب والصحافة، وهو من مواليد «1908» ـ العام الذى مات فيه الزعيم الوطنى مصطفى كامل ـ فقرر والده الشيخ القاضى الشرعى أن يسميه باسم الزعيم الوطنى، وتوفى «كامل» فى «ديسمبر» من العام 1965 وكان عمره سبعة وأربعين عاماً.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نجيب
محفوظ
نجيب
نجيب محفوظ.. مواطن شارك فى تحقيق أهداف الدولة الوطنية المصرية
فى ذكرى ميلاده (3) أفكار فلسفية وشخصيات عبثية فى مسرح نجيب محفوظ
نجيب محفوظ.. رواياته منحت الدراما المصورة حب الجماهيرالعريضة
فى ذكرى ميلاده شكل القصة وجوهر المسرح فى حكايات نجيب محفوظ
فى ذكرى ميلاده  نجيب محفوظ.. روائى فى عصـــر المسرح

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص