نحن فى أيام النصر.. ودعنا سبتمبر الحزين.. نحن الآن بين بين.. هى المشاعر المتناقضة تدفعنا دفعا إلى الرقص فرحا بذكرى النصر وإلى الهرب من دموع الذكرى كلما أطلت صور الشهداء.
فى كل عام وفى اللحظة ذاتها تخاطبنى ذكرى أكتوبر العظيم فأستغرق فى أغنياته.. متجاهلا أى حدث آخر.. ثلاثون عاما كاملة وأنا أفعل الأشياء نفسها.. وأستمع إلى الموسيقى ذاتها، متجاهلا قصة الملك.. هو مواليد الأيام نفسها.. الجميع يحتفلون بعيد ميلاده فيما أفكر فى كل مرة أن أسترجع القصة.. قصة نجاح مطرب صعيدى جاء من آخر الجنوب بحلم وتذكرة سفر وثلاثة جنيهات فقط لا غير..
قال لى فى إحدى المرات فيما كنا نأكل حبات الجمبرى بالشطة، كان قد صنعها منذ ساعات فى مطبخ شقته بجاردن سيتى، فيما كنت أمازحه عن سر غرامه بطبخ الجمبرى مداعبا "طبعا مافيش جمبرى فى النوبة".. وكأننى دست على جرح قديم، مع أنها مداعبة عادية جدا، وكلنا نعرف أننا أبناء النيل والنيل لا يعرف الجمبرى ولا الكابوريا.. هناك فقط البلطى والقراميط و"الحويزة" وأحيانا البساريا.. "إحنا بتوع البساريا" هكذا أضفت.. فيما هو سارح فى ملكوت الله. فجأة قال: "احنا الملوك.. والملوك ماعندهمش جوازات سفر.. وكل الأرض والأنهار والبحار فى طاعتهم.. أنت من الرعية".. ثم ضحك وقام ليداعب الموسيقى "رومان بونكا" فيما جلست ساهما لفترة حائرا لا أعرف هل هو جاد أم أنه يداعبنى أيضا.. لم يكن قد أشار من قبل إلى لقب الملك، كانت مجرد مسرحية اسمها "الملك هو الملك" كتب أشعارها أحمد فؤاد نجم، ولحنها حمدى رؤوف، ونجحت أغنياتها.. يومها تحدث لأول مرة عن "ملوك النوبة" أجداده.. وحكى عن الطفل ابن السيدة أمينة محمد حسن والموظف الكبير فى مديرية أسوان.. عن حلم شقيقه فاروق رجل السياحة الذى عاد إلى أسوان ولم ينجح فى اختراق العاصمة، وكيف عاد ليحاول مجددا وفى يده هذه المرة شقيقه منير الذى التحق بكلية الفنون الجميلة.
أحب منير موسيقى بليغ.. وأحب عبدالحليم.. لكن بعض الغيرة كنت تحسه وهو يتحدث عنه.. لم يكن يشعر فيما يقدمه حليم بألفة، لكنه يحب موسيقاه وتجربته.. يحب كفاحه وتحديه للعاصمة وجبروتها.. يحب بليغ فهو أول من اكتشفه عندما ذهب إليه مرافقا لشقيقه فاورق يصاحبه بالغناء وعزف الدف.. لكن أذن بليغ وإحساسه وجدا فى منير الصغير مشروعا.. لكن بليغ المشغول دوما - وكان قد أسس شركة خاصة لاكتشاف الأصوات الجديدة بدعم كامل من "وردة الجزائرية" - لم يبدأ فى المشروع فورا.. أيام طويلة قضاها الحجار ومنير والحلو وتوفيق فريد على "كنبة" أمام مكتب بليغ يتبادلون النوم والسهر والانتظار، وفى تلك الفترة صنع بليغ أغنية محمد الحلو الأول "أشكى لمين"، وأحبها منير رغم أن الحلو سجلها وصورها تليفزيونيا.. مثلما أحب أغنيات الحجار الأولى.. "طاب العنب .. قالت.. على قد ما حبينا".. لكنه كان يبحث عن أغنيته.. رقصته الخاصة.
وقتها كان الشاعر الكبير مجدى نجيب يعمل فى دار الهلال مع رجاء النقاش.. وكان يعد لملف كبير عن العروبة.. وضمنه رسمه.. وكتب مجدى نجيب أغنية القدس..
"ينسانى دراعى اليمين
ينسانى دراعى الشمال
ينسانى ننى العين
وآهة الموال
لو نسيت القدس"..
كانت هذه هى الزيارة الأولى من عبدالرحيم منصور الذى اعتبر منير ابنه، إلى صاحبه مجدى نجيب.. وكانت أغنيته الأولى التى ظلت مجرد كلمات فى جيب منير.. ثم كان قرار منصور بأن يكون ثالثهما أحمد منيب.. ثم شركة سونار وصاحبها هانى ثابت.. وكانت أغنيات "أمانة يا بحر".. جديدة.. غريبة.. مختلفة عن أغنيات المرحلة.. مرحلة ما بعد النصر.. أغنيات طويلة بمقدمات موسيقية مدهشة وبديعة لبليغ وكلمات محمد حمزة فى مدح القمر.. أو منصور عن "الحبيب المتغرب" أو عن الغربة عموما ومواعظ وحكم عبدالوهاب محمد فى "حكم علينا الهوى".
كانت بوادر "مفاوضات" الصلح مع العدو تسير فى الخفاء.. وميوعة سوق الإنتاج وصعود طبقة تجار الخردة تسيطر على ملاهى الهرم.. وعدوية يسحق الجميع.. فماذا يفعل البحر؟!
"أمانة يا بحر
تستلم الأمانة
أحبابنا يا بحر
فى عيونك أمانة
أمانة يا موج
بوس خشب المراكب
أمانة يا موج.. طبطب ع اللى راكب
أمانة يا هوى.. تكتب على الشراع
اللقا أكيد من بعد الوداع".
ورغم عدم نجاح "الألبوم الأول" بالشكل الذى يسمح للفتى الجنوبى باختراق المدينة فإن القلوب سمحت بدخول نغمة جديدة فى توقيت ملتبس.. وكان أن انضم القادم من أمريكا بموسيقى الجاز المتمردة يحيى خليل - وقد كان فردا فى فريق هانى شنودة - إلى مجموعة منير الذى استغرق فى "شاليمار" يعمل ليلا مع رفاق البداية الحجار والحلو وعمر فتحى.. فيما يبحث نهارا مع منصور ونجيب وسيد حجاب عن "البداية الحقيقية".. وكان ألبوم "بنتولد" هو"العنوان الحقيقى" لميلاد "الولد الجنوبى" فى البلاد الغريبة..
"إيه يا بلاد يا غريبة
عدوة ولا حبيبة
فى الليل تصحى عيونك
ونجومك مش قريبة"..
سيد حجاب القادم من أرياف المطرية.. كان قد جرب العمل مع مطربين مختلفين ليس من بينهم عبدالحليم حافظ.. كتب لنجاة.. وماهر العطار.. وعدد من النجوم.. لكنه وجد نفسه بعيدا.. هو يبحث عن صوت مختلف أيضا.. ورغم تعاونه مع بليغ حمدى فى أكثر من عمل فإن أغنيته لفريق الجيتس "الله يا سيدى".. ربما كانت الأقرب إلى "حلمه" المتمرد.
المتمردون اجتمعوا.. فى ألحان مصرية خالية من أى سلطنة عثمانلية.. فكانت الانطلاقة.. وسيطرت أفكار الغربة والتوهة فى تلك المدينة على ألبوم الميلاد بحثا عن الحرية التى كان ينشدها حجاب ورفاقه "افتح زرار قميصى"..!
ألبوم "بنتولد" صدر فى عام 1978 بعد مظاهرات "الخبز" وتراجع السادات عن قراراته الاقتصادية.. لكنه كان مجرد تراجع.. فقد بدأت رحلة الغربة بعيدا عن "تاريخ عروبى سبق".. وعن فكرة الدولة الأم التى أسسها عبدالناصر.. وكان من الطبيعى أن تمضى رحلة الفتى الجنوبى فيما بعد وفى القلب منها تحولات الوطن.. فقد صار منير لسان جيل جديد متمرد جاء فى منتصف العاصفة.
وكان من الطبيعى أن يلتئم شمل شعراء "الريادة" مع جيل جديد من الموسيقيين والشعراء، فكان جمال بخيت وعصام عبدالله ومن بعدهما كوثر مصطفى إلى جوار فؤاد حداد وصلاح جاهين ومنصور ونجيب.
حاول حداد البحث عن "جذر" نتمسك به فى لحظة "ضالة"، وحاول يوسف شاهين إعادة "الابن الضال" ووجد كلاهما فى صوت منير مرآته..
فغنى منير لحن منيب الذى سبق وغناه محمد حمام "الليلة يا سمرا"، وهى أغنية قديمة كتبها حداد فى سجن الوادى الجديد احتفالا بعيد ميلاد زكى مراد المثقف النوبى المعروف داعيا "السمرا" إلى..
"حطى اللى خلفك قدامك
تلقى البلد عامرة الليلة"..
وغنى مع فؤاد حداد أيضا وعبدالعظيم عويضة لحنا أعاد توزيعه بعد أن غنته إحدى فرق كورال "الأبطال" مشددا على أن..
"فى كل حى ولد عترة
وصبيةحنان
وكلنا جيرة وعشرة
وأهل وخلان"..
ومن ألبوم إلى آخر.. من محطة إلى أخرى.. ظل منير يستكشف مدينته.. يغادرها إلى سفر قصير ثم يعود إلى حضنها يلومها.. يغضب منها.. يناكفها.. لكنها "القاهرة.. ونيلها.. وليلها".. لكنها حبيبته التى عاتبها بغضب فى 2010..
"إزاى ترضيلى حبيبتى"
وهى نفسها التى يغنى لها الآن، بعد خمسين سنة كاملة من البدايات..
"وده حب إيه ده
اللى من غير أى حرية"..
هى ليست العزيزة بنت السلطان كما رآها الأبنودى فقط.. لكنها الحبيبة المدينة التى جاءها بدون تذكرة عودة.
خمسون عاما من عشق الناس والشوارع والشجر وطعم البيوت هى قصة محمد منير، التى لا تزال فى أوج غنائها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تعاقدت الفنانة أسماء جلال على بطولة مسلسل يعرض خارج السباق الرمضانى فى 15 حلقة، على أن يعرض على إحدى المنصات...
بعد وفاه والدته الأسبوع الماضي، انضم الفنان حاتم صلاح لفريق فيلم «بحر »، مع الفنان عصام عمر، ويجسد شخصية كوميدية.
أستمتعت بالعمل فى «عين سحرية».. وسعيد بنجاحه
بتركيبة ودور مختلف جداً، خاضت النجمة يسرا اللوزى السباق الرمضاني مع النجم الكبير ماجد الكدواني، وذلك في مسلسل كان يا...