«Poor things» خليط من الخيال العلمى والفانتازيا

رائعة سينمائية جديدة لا يختلف عليها المشاهدون

اذا كان هناك شىء يتميز به فيلم Poor things أكثر من أى فيلم آخر وكلنا نتفق عليه فهو أنه أجبر كل من شاهده بان يتحدث عنه ويفرج عن رؤياه وتصوراته للعالم من حوله وجعلنا نوجه انتقادات حادة وآراء متباينة بشدة.

بعض النقاد رأى أنه تحفة سينمائية وآخرون هاجموه وقللوا من قيمته الفنية وضنوا على الفيلم بما يحمله من رموز فنية وبصرية غامضة وغير مباشرة.

يأخذنا المخرج يورجوس لانثيموس فى رحلة رائعة خلال فيلمه poor things بصحبة بطلته بيلا باكستر «إيما ستون» التى تصورها الممثلة بأداء رائع لشخصية بسيطة تتطور لتصبح شخصية مركبة معقدة فتقدمها بعمق وبدقة وقدرة عالية على نقل مجموعة واسعة من المشاعر منذ مولدها حتى نضوجها إلى أن ينتهى الفيلم ويتركنا مع عدة أسئلة جدلية حول تأثير البيئة والعادات والتقاليد والقوانين على براءة وإنسانية البشر وكيف تبعدهم عن فطرتهم التى ولدوا بها وتحاكمهم عليها.

القصة مستوحاة من رواية للكاتب الاسكتلندى الكبير السدير جراى الذى يتميز أسلوبه بالواقعية وتتميز رواياته بالخيال العلمى والفانتازيا وهو نفس الأسلوب السينمائى الذى اعتمده المخرج يورجوس لانثيموس فكان الفيلم محملاً بالصور الفانتازية وخليط الواقعية الخيالية فى نفس الوقت، ولم يبتعد المخرج كثيراً عن رواية الكاتب فقدم فيها لوحات فنية سينمائية رائعة ممتعة.

بيلا باكستر حامل انتحرت وأعادها دكتور جودوين باكستر إلى الحياة ومنحها مخ جنينها فتبدأ من الصفر عقلياً وبتطور المخ واكتساب الخبرات تتطور بيلا التى تعتبر دكتور جودوين باكسر ربها الذى منحها الحياة وضمن لها مكاناً آمناً فى قصره ومعمله وعين لها أحد تلاميذه لملاحظتها على اعتبار أنها تجربة فى مرحلة المراهقة.

تحاول بيلا الانطلاق إلى العالم خارج حدود القصر والمسكن ويحقق لها ذلك محامى فاسد يغريها ويغويها فترافقه إلى العالم وتنطلق تكتسب خبرات مختلفة وترى العالم بعيونها البريئة وقلبها الوليد.

الفيلم مذهل (تمثيل وتصوير وإخراج ومكياج وإضاءة) فيلم متكامل، تأتى الحياة من الخبرات التى نكتسبها والظروف التى نعيشها والبيئة التى تحيط بنا من أشخاص وقوانين وعادات التى تستغرق عقوداً لتتراكم حتى نموت. بيلا باكستر تحصل على هذه الخبرات بسرعة وتنمو وتتطور بسرعة وتنتقد ما حولها وتطرح أسئلة بفطرتها التى لم تتلوث بعد حول السلوكيات التى تفرض علينا حكم العادات والتقاليد أو بحكم القانون أو بحكم البيئة التى نعيش فيها.

فى البداية تبدو بيلا مثل اللوحة البيضاء، غير ملوثة بالضغوط والمتطلبات المجتمعية أو اللياقة أو المجاملات. تبدأ رحلتها بعقل طفل جنين وجسد امرأة. وكطفل يخطو خطواته الأولى تتلعثم فى كلماتها الأولى ولكنها تتعلم بسرعة إلا أنها فى نهاية فيلم «أشياء فقيرة» تتحدث الفرنسية بطلاقة وتدرس علم التشريح، وعيناها وأذناها ممتلئتان بالأصوات والأفكار والتعليمات.

يضعنا لانثيموس فى ما يشبه عصور لندن الفيكتورية فى القرن التاسع عشر وهو العصر الذى ازدهرت فيه كل العلوم والزراعة والصناعة ومع ذلك كانت حقوق المرأة مهضومة فكان الرجل يتمتع بحياة مريحة رغدة بينما المرأة تعانى مادياً وجسدياً وجنسياً، لكن التفاصيل السريالية التى تزيد فى غرابتها تشير إلى عالم مفتوح متصدع خارج المكان والزمان، العربات التى تجرها الخيول هى حرفياً نصف حصان ونصف عربة، والطيور لديها وجوه القرش، نصف خنزير ونصف دجاجة تمشى فى الشوارع دون أن يفكر أحد وكائنات وعربات غريبة تطير فى السماء. يساهم فى هذه الحالات الطبية التجريبية الغريبة وعالم دفن الموتى ويزيد من غرابتها حياه الدكتور جودوين باكستر (ويليم دافو) الذى أعاد بيلا إلى الحياة فاعتبرته أباها الروحى وأحياناً تناديه جود التى تعنى الله.

«أشياء فقيرة» فيلم مضحك بشكل هستيرى وهو الفيلم الأكثر فظاظة الذى من المحتمل أن تشاهده طوال العام إذا ما اثارك الفيلم فكرياً وأدهشك سينمائياً وفنياً.

دكتور جودوين «ويليام ديفو» له وجه مخيف، أصيب بندوب - بالمعنى الحرفى والنفسي - بسبب والده الجراح الذى استخدمه للتجارب حتى أصبح كما لو أنه تم تقطيعه وتفكيكه، وإعادة تركيبه ولصقه، وخياطة قطعه معاً مرة أخرى بشكل عشوائى. وهو أيضاً مخصى على يد والده فى إحدى التجارب، أحد تلاميذه فى غرفة العمليات هو طبيب القرية المبتدئ ماكس ماكاندلز يعمل معه على اعتبار أن بيلا باكستر تجربة علمية يحاول ملاحظة تطورها ورصد التغييرات التى تطرأ عليها أثناء إعادتها إلى الحياة، ويعترف ماكس لجودوين أنه يحبها وطلب خطبتها طمعاً فى الزواج منها فى النهاية هذا الطبيب هو الجانب الطيب - الخير المسالم فى الحياة، تتركه بيلا لتنضم إلى الجانب الآخر اللامع المغرى الذى يعدها بمغامرات وعالم جديد وسعيد فترمى بنفسها فى أحضانه وتستمر معه إلى أن تكتشف صورته الزائفة وشعاراته الضعيفة.

أثناء تطور عقل بيلا يضعنا المخرج فى وسط أسئلة وجودية يأتى جزء من منحنى التعلم الوجودى لبيلا بالطبع مع اكتشاف العادة السرية، ومن ثم ممارسة الجنس فى نهاية المطاف، والذى يمتلئ فيلم «Poor Things» بمشاهد كثيرة وطويلة وهامة لذلك الفيلم مخصص فوق ١٨ عاماً لما يحتويه من مشاهد دموية وجنسية بشكل مكثف وأفكارفلسفية صعبة.

جوهر الفكرة كيف تتحكم غرائزنا فى صنع القرار فأول قرار اتخذته بيلا قرار الانطلاق إلى العالم خارج حدود القصر فكسرت قوانين جودوين مع المحامى الفاسد الذى تسلل إليها وأغواها بالهرب معه فتركت خطيبها وربها (جودوين) فى القصر وانطلقت لتكتشف وتختبر العالم.

رحلة بيلا المثيرة من خارج مسرح المرآة الفرويدية إلى العالم ككائن جنسى مستيقظ. لانثيموس وكاتب السيناريو الذى تعاون معه فى كتابة فيلم «المفضلة» تونى ماكنمارا، مفتونان بالطرق التى تحكم بها الرغبة كل عملية صنع القرار لدينا. عند لقائها بالمحامى الفاسد دنكان ويديربيرن «مارك روفالو»، قررت بيلا أن عليها «المغامرة» بدلاً من ربط نفسها بالله وماكاندلز، اللذين يرعياها.

يعتبر يورجوس لانثيموس معروفاً بأفلامه الفريدة والتى تثير التساؤلات الجدلية، حيث يتناول فى أفلامه العديد من القضايا الفلسفية والاجتماعية.

تمارس بيلا كل خبراتها الحياتية بانبهار وبراءة وتمر بالكثير من المغامرات فى رحلتها إلى لشبونة، يمارس دنكان وبيلا الجنس فى كل موقف يمكن تخيله تقريباً. ولكن بينما تنمو بيلا أكثر حرصاً وحكمة يوماً بعد يوم - وتستمر خصلات شعرها ذات الشعر الأسود فى النمو بسرعة خارقة للطبيعة إلى أن تبدأ فى التساؤل عن كينونة هذا المحامى وتشبهه بالشيطان المغلف فى جسد جذاب وعقل يفرق الناس عن بعضهم البعض». وتتغير نظرة بيلا للمجتمع حين تكتشف أن هناك فصيلاً آخر يعانى من الفقر حتى الموت جوعاً فتتغير ويتغير سلوكها وتتبرع بكل ما لديها، تصرف ناضج ورد فعل إنسانى نلتمس منه تطور شخصية بيلا نفسياً واجتماعياً وتطور فى ردود أفعالها وتصحيح رؤيتها فتنطلق إلى العالم لتكسب مال لتعيش وتأكل ثم تطلب العلم وتسعى إلى المعرفة التى من خلالها حررت نفسها حتى مما ظهر لها من آثار تاريخها قبل ميلادها على يد دكتور جودوين.

كل عناصر الفيلم تبدو مكتملة تمثيل إيما ستون وتطور شخصيتها من طفلة لمراهقة لعابثة ثم نضوجها أداء متمكن يستحق ترشحها للأوسكار. ولا يقل عنها روعة أداء مارك رافلو الذى كان أسير أفلام عالم مارفل وافتقدناه كثيراً فى أدوار مثل التى أبهرنا بها مثل دوره فى فيلم you can count on me الذى صدر عام ٢٠٠٢ أو دوره فى فيلم eternal sunshine with spotless mind وكذلك دوره فى فيلم collateral أو Zodiac أو Shutter Island، مارك رافلو ممثل موهوب جداً فهو قادر على أداء أدوار متنوعة بشكل كبير ورائع؛ وفى فيلم poor things أضاف الكثير من المواقف الضاحكة فقد كان الشخص المهووس ببيلا ويريد أن يصطحبها فى كل مكان إلى أن يعتقد أنها مريضة نفسية تدمر حياته بينما هى فى الحقيقة فى مرحلة تتعرف على العالم وعلى ما يدور حولها، بينما هو يريد الاحتفاظ بها كأنها دمية يمتلكها فيتعامل معها بطريقة مختلفة، وهو ما أراد يورجوس أن يقوله عندما نتعلم الدروس من الحياة ولكنه قدمه بشكل كوميدى غير مباشر.

أثناء وجوده على متن سفينة سياحية عبر البحر الأبيض المتوسط، يخبر راكب ساخر (يلعب دوره جيرود كارمايكل) بيلا أن الفقر والرعب والحزن هى ما يجعلنا أشخاصاً ذوى أهمية. وكما يعلم أى من محبى لانثيموس، فإن هذه هى محك جميع أفلامه السابقة، بما فى ذلك فيلم «Dogtooth» الذى يحمل نفس الفكرة، والذى ركز أيضاً على اللقاءات السطحية للناس وفهمهم للعالم من حولهم حرفياً، حيث يقوم بتأطير العالم فى كثير من الأحيان باستخدام عدسة عين السمكة، وهو الجهاز الذى استخدمه فى فيلمه السابق «المفضلة» ولكنها هنا تناسب الموضوع أكثر وتقدم تصوراً لتطور منظور بيلا للأشياء والبيئة من حولها نفسياً واجتماعياً.

يعتبر فيلم Dogtooth بداية شهرة لانثيموس الذى نال جوائز عديدة ونال إعجاب النقاد. صدر الفيلم فى عام 2009 وحصل على جائزة نظرة خاصة فى مهرجان كان السينمائى. يتناول الفيلم قصة مثيرة ومثيرة للتفكير حول عائلة غريبة تعيش فى عزلة وتفرض قواعد غريبة على أبنائها، يميل لانثيموس للأفلام التى تحمل أفكاراً غير العادية أفلام مثل «The Lobster» و«The Killing of a Sacred Deer» تتحدى المشاهدين من خلال سرد غير تقليدى ومواضيع فلسفية عميقة. تستكشف غالباً تعقيدات العلاقات الإنسانية وتركيباتها الاجتماعية. وهكذا يبدو لنا أن يورجوس لانتيموس يفضل الأفلام التى لها بعد فلسفى وتناقش رؤية المجتمع للعادات والتقاليد التى ينقلها يورجوس بشكل غير عادى ومبدع يثير الفكر ويتحدى المشاهد فى الوصول لفكرة محددة فالفيلم يتناول أكثر من فكرة وينتقد أكثر من موضوع.

 	أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

عمرو سعد يصوّر «إفراج» فى القلعة

يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.

طارق لطفى و «فرصة أخيرة» فى شوارع شبرا

عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.

وحدة تصوير ثانية ل «صحاب الأرض»

يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.

معتصم النهار يعود لـ«نصيب» بعد رمضان

يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...


مقالات

حي الغورية
  • الثلاثاء، 03 مارس 2026 09:00 ص
قصر الجوهرة
  • الإثنين، 02 مارس 2026 05:56 م
باب العزب
  • الأحد، 01 مارس 2026 09:00 ص