حقيقة التهم الموجهة إلى «مدرسة المشاغبين» فى السبعينات؟

عادل إمام الكوميديان الشعبى – 2

أذكر أننى حين شاهدت آخر مسرحيات عادل إمام «بودى جارد» لم أجد مسرحية بالمعنى التقليدى، لم أجد نصاً مسرحياً، ليس سوى مجموعة مشاهد من بطولة عادل إمام، لكنى أعترف أننى استمتعت على مدى زمن العرض وضحكت ولم أشعر بالملل لأن عادل إمام وحده دون مفردات أخرى هو وحده الممثل والمفردات الأخرى! وهذه وإن كانت ميزة فلها أيضاً مساوئ كما سنرى لاحقاً، فعادل إمام ينتمى إلى ممثلى الكوميديا ديلارتى فهو يتمتع بقدرة هائلة على التعبير عن كمية كبيرة من المفارقات من خلال الجسد والصوت والعنف الكوميدى، فهو ينتمى إلى سلالة ممثلى «الفارس» فى العصور الوسطى، حين كان الممثل يقف وحيداً أمام الجمهور ويتحمل وحده عبء المشهد معتمداً على قدراته وثقافته، فهو دائماً يعمل على فضح الأعراف الاجتماعية السائدة، وتوجيه النقد الاجتماعى والأخلاقى والسياسى للمجتمع من خلال الكوميديا وفى أسلوب ساخر يمكن للمشاهد أن يقبله، ولا ينفر منه، وذلك من خلال قدرات فنية خاصة، ليس فقط فى الأداء الحركى، بل من خلال ثقافة عامة تجعل هذا الجسد أداة الممثل قادراً على التعبير عن الموقف، وهذا ما تؤكده أعماله المسرحية والسينمائية والتليفزيونية.

عادل إمام هو الوحيد بعد إسماعيل ياسين الذى تم عمل أفلام خاصة له، الأول أفلام تحمل اسمه إسماعيل ياسين، فى الجيش والبوليس والبحرية.. إلخ، أما عادل إمام فسلسلة أفلامه تحمل صفات ووظائف فى المجتمع، مثل «المشبوه، الهلفوت، المتسول، المنسى»، بالإضافة إلى أفلام تحمل أسماء مثل «شعبان تحت الصفر، رجب فوق صفيح ساخن، رمضان فوق البركان، عنتر شايل سيفه».. وفى المسرح، قدم «الزعيم، والواد سيد الشغال، وبودى جارد»، وهذه الصفات تحتاج إلى قدرات خاصة فى الأداء، صفات لا يمكن الجمع بينها فى الحياة، لكنه جمع بينها فى السينما والمسرح، وهذا لم يحدث من فنان آخر كما ذكرت سوى إسماعيل ياسين، وإذا كان البعض حاول تقليد هاتين الظاهرتين فى السنوات الأخيرة، لكن كان نصيبها الفشل الذريع، لأن هذه الصفات تحتاج إلى قدرات خاصة، ليست فقط الموهبة ولكن تحتاج إلى ثقافة ووعى بالحياة والمجتمع، وهذا ما توفر فى عادل إمام وافتقده الآخرون بنسب متفاوتة، وعادل إمام ممثل كوميدى بالفطرة، حتى إذا أدى الأدوار المأساوية يضفى عليها طابعاً مضحكاً، لأنه بطبيعته يسخر من العالم، يسخر من الأشياء، فالأداء الساخر «البارودى» فى طبيعته، وبدوره كفنان واعٍ طوره على مدى سنوات طويلة، وكان هذا التطوير وفقاً لمتطلبات ومتغيرات اللحظة الراهنة، ففى كل أدواره التى غلب عليها الطابع المأساوى سواء المشبوه، النمر والأنثى، العظماء السبعة «شمس الزناتى» على سبيل المثال أو حتى مسلسل جمعة الشوان الذى يقدم شخصية وطنية.. لا تخلو هذه الأعمال من الطابع الكوميدى رغم مأساويتها، فهو مخلص للكوميديا كما ذكرت، فهى جزء من طبيعته.

كانت أول بطولة كبرى لعادل إمام مع آخرين من أبناء جيله فى «مدرسة المشاغبين» الذى شاركه البطولة رفيق مشواره سعيد صالح مع يونس شلبى وأحمد زكى وهادى الجيار بالإضافة إلى نجوم الجيل السابق نظيم شعراوى وحسن مصطفى وعبدالله فرغلى وسهير البابلى، ففى مطلع السبعينات وفى ذروة تألق المخرج المسرحى الكبير جلال الشرقاوى ولدت فكرة مسرحية «مدرسة المشاغبين» مع سمير خفاجى والكاتب المسرحى المتميز على سالم، المسرحية التى كانت محطة مهمة فى حياته، بل ومحطة فارقة فى مسيرة المسرح المصرى فى النصف الثانى من القرن العشرين، وذلك حين أعطى الأستاذ عبدالفتاح السيد الذى يعمل فى الرقابة على مصنفات التليفزيون المصرى لجلال الشرقاوى خمس كراسات تحتوى على ترجمة النص الفرنسى لمسرحية اسمها «المدرسة الجديدة» تأليف «روجيه فريديناد» وهذا المؤلف كتب ثلاثية عن المشاغبين، الجزء الأول فى المرحلة الثانوية وهو ما تم تقديمه فى مصر تحت اسم مدرسة المشاغبين والجزء الثانى فى الجامعة الذى ترجمه فيما بعد أنور فتح الله وأهداه أيضاً لجلال الشرقاوى والجزء الثالث يجسد لقاء هذه المجموعة وهم فى سن الخمسين، فمسرحية مدرسة المشاغبين لا علاقة لها بفيلم سيدنى بواتيه «الذى حمل عنوان «مع تحياتى لأستاذى العزيز» كما يعتقد الكثيرون، ويحكى جلال الشرقاوى عن معركة نشبت بين الفنان عبدالله فرغلى والكاتب المسرحى ماهر ميلاد والشاعر عبدالرحمن شوقى حول مؤلف مدرسة المشاغبين فكل منهم نسب النص لنفسه، ورغم أن الشرقاوى يحسم الأمر ويؤكد أن النص الذى أخرجه لفرقة المتحدين إعداد الكاتب المسرحى على سالم وتأليف الأغانى والاستعراضات لعبدالرحمن شوقى، والألحان لسيد مكاوى، إلا أنه من الطبيعى أن يكون هؤلاء أيضاً قاموا بترجمة النص ومحاولة إعداده أو قُل تمصيره، لأن وصوله للسيد عبدالفتاح يعنى وصوله للآخرين أيضاً، ولكن ما يعنينا فى الأمر أن النص الذى قدمه الشرقاوى من إعداد على سالم والمسرحية تقدم نفس شخصيات النص الفرنسية بأسماء مصرية لا أكثر ولا أقل، فعلى سبيل المثال بهجت الأباصيرى «عادل إمام» شأنه شأن جابرييل يتاجر فى بعض الأشياء الصغيرة، المربى والبن والسجائر والخمور والأقمشة وهو يحلم أن يكون بحاراً ووالده يصر على أن يكون صيدلياً مثله، وأيضاً الشخصيات الأخرى هى نفس الشخصيات، وقد قام على سالم بتمصير الأحداث ووضعها فى سياق اللحظة التاريخية أى حقبة السبعينات وما شهدته من تحولات فى منظومة القيم، فهذه المسرحية من المفترض أنها ثورة ضد الكبار، ثورة ضد السلطة ممثلة فى هؤلاء الكبار الأب / الناظر/ أبلة عفت وبينما يفشل الأب الدكتور الأباصيرى، والمعلم الزناتى وعبدالمعطى ناظر المدرسة فى تقويم الأبناء تنجح أبلة عفت التى تسلحت بالحب والعلم معاً، هذا ما يطرحه النص الذى أعده على سالم عن ترجمة السيد عبدالفتاح للنص الفرنسى، مجموعة من الشباب الطيبين، طبيعتهم طيبة والمجتمع حوّلهم إلى منحرفين، ومن المفترض أن «مدرسة المشاغبين» هجاء فى المجتمع، فى سلطة الآباء المسئولين!

أثارت «مدرسة المشاغبين» جدلاًكبيراً امتد حتى تسعينات القرن الماضى، فهل أفسدت جيل من الشباب كما اتهمها البعض؟ واتهمها البعض الآخر أنها أحدثت تحولات مؤسفة فى حياة الشباب حين أتاحت لهؤلاء شرعية الاستخفاف والاستهانة بدور المعلم! إذن أين الخطأ فى هذه المسرحية، والسؤال الذى طرحته على نفسى بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على عرضها، هل يمكن أن تفسد مسرحية جيلاً من الشباب كما اتهمها البعض إلا إذا كان هذا الجيل هشاً ضعيفاً والحاضنة الاجتماعية التى يعيش فيها فاسدة، وأن هناك أخطاء تراكمت على مدى سنوات، فوجد هؤلاء المشاغبون هوى فى نفوس الشباب، وإلا كان الشعب المصرى، تأثر وقلّد ريا وسكينة بعد فيلم صلاح أبوسيف حال عرضه 1953! فالمسرحية حققت نجاحاً كبيراً على المستوى الجماهيرى واستمرت أربع سنوات على خشبات المسارح فى القاهرة والإسكندرية وبيروت، ويعترف جلال الشرقاوى فى مذكراته «حياتى فى المسرح» أن المشكلة كانت فى تجاوز الممثلين وخروجهم عن النص وقال «لا أنكر أنهم بالغوا بل وأسفوا فى بعض الأحيان، ولم يستطع مخرج أو منتج كبح جماح هؤلاء النجوم» لتتحول المسرحية التى وصفها البعض أنها تعبر عن التمرد على السلطة ومقاومة الجيل القديم ومحاربة المجتمع الانتهازى وإعلاء قيمة الحب والعلم، وأن الانحراف ظاهرة عرضية تنشأ نتيجة خلل فى النظام الاجتماعى، تحولت مع نزوات النجوم إلى عرض تجارى.

فى كل الأحوال ورغم التحفظات العديدة على «مدرسة المشاغبين» والتى استمرت من 1971 وحتى عام 1975 حققت نجاحاً جماهيرياً كبيراً، أرجعه جلال الشرقاوى إلى التوليفة والتى هى عبارة عن اختيار موضوع يشغل أذهان الناس جميعاً وخاصة الشباب، من خلال عرض ممتع تمتزج فيه فنون ممتعة كالغناء المسرحى والرقص، والتمثيل الكوميدى والمؤثرات العصرية، إذاً فالضحك مضمون والفرجة موجودة، وهذه توليفة فرقة المتحدين لصاحبها سمير خفاجى والتى وجد فيها الشرقاوى نفسه بعد رحلة طويلة فى مسرح الستينات تنقل فيها بين العديد من التيارات المسرحية المختلفة والأفكار المتباينة لكتاب مسرحيين أصحاب معتقدات من هنا وهناك، ليجد نفسه فى هذه التوليفة والتى سيقدم من خلالها عشرات العروض فيما بعد. وحاول جلال الشرقاوى استثمار نجاح المشاغبين فى مسرحية عنوانها «موسيقى فى الحى الغربى» ولم تنجح التجربة. ورغم أن هذه المسرحية لم تكن بطولة مطلقة إلا أنها كانت بداية الرحلة بداية تحديد صورة عادل إمام عند الجمهور وكانت أولى خطوات هذا الفنان ناحية ليس فقط عرش الكوميديا ولكن الملامح الخاصة التى سوف يفرضها على شخصياته الفنية فيما بعد، الشخصية ذات الحضور الكبير، وأيضاً القدرة على الارتجال!

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أوراق الوردة 9 «تمر حنة» يتفوق على «شاهد ما شافش حاجة»
عادل وهاني
عادل
رجال فى حياة «الكوميديان الطيــب» سليمان عيد

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م