فى هذه المسرحية «السحر الخفى لأعمدة المجتمع»، اختار أحمد العطار عائلتين من سوريا والسويد، حيث تدور الأحداث بين القاهرة والسويد وتعبر بين مدن أخرى مثل دبى،
ولندن ونيويورك، فى مشاهد وذكريات ثانوية. أسرتان تنتميان إلى الطبقة البرجوازية التى تستهوى أحمد العطار وقدمها من قبل فى ثلاث مسرحيات «الحياة حلوة»، أو «فى انتظار عمى اللى جاى من أمريكا» 2010، و«العشاء الأخير» 2014، و«ماما» 2018.. نفس الشريحة التى تجسد الثراء والقوة وأيضا الفساد.. ويمكن من خلال الأحداث والشخصيات التى تستعير أو تجسد تفاصيل واقع هذه الطبقة أن نقرأ تحولات المجتمع من واقع سلوك هذه الأسرة أو تلك، وغالبا ما يكون للثراء وقوة المال دور، وأيضا للتدين الشكلى أو الزائف دور كبير.
عرض «السحر الخفى لأعمدة المجتمع» عنوانه يوحى بأنه مستعار من النرويجى أبسن «أعمدة المجتمع».. وتدور الأحداث بين أسرتين تنتميان لهذه الطبقة رغم الاختلاف الحضارى، ورغم اختلاف الثقافة، لكنها شريحة رجال الأعمال والمال.. شخصيات لا تخلو من الغرور، والثقة بالنفس، ومبعثها قوة المال مع وجود خدم بشكل دائم لتكتمل حياة هذه الطبقة البرجوازية بكل عاداتها وتقاليدها المعاصرة، وذلك فى ثلاثة مشاهد، حيث يقدم أحمد العطار الأسرتين. والحكاية تبدأ من لقطات عابرة فى المطار، ثم تظهر الأسرتان على خشبة المسرح بالتوازى، أسرة «نور» السورية، و«كارل» السويدى، فى حوار بالإنجليزية والعربية والسويدية مع وجود ترجمة على شاشتين صغيرتين فى عمق المسرح.. هذا المشهد ينتهى بالزواج بعد أن نكون قد تعرفنا على قدر من العادات والتقاليد الشرقية والغربية من خلال أفراد الأسرتين، حيث يختار العطار نماذج تجسد صورة للحياة هنا وهناك، الطبقة البرجوازية العربية والغربية، ففى الأسرة السورية الأب رجل أعمال يتنقل بين الشرق والغرب، سورى خرج من الوطن إلى المنافى، براجماتى تحكمه قوانين السوق، والأم أكثر مرونة مع أخت رغم تحرر زوجها فإنها تبدو متدينة ترتدى الحجاب وتتحدث بخطاب دينى لا يخلو من الزيف والافتعال، وأخ يعيش فى العالم الافتراضى مع الهاتف المحمول، نموذج للشاب المعاصر، ليقدم لنا العرض صورة واقعية لأسرة سورية تعيش فى مصر هى ناتج الحرب السورية، وهى أسرة نور حاملة الماجستير الطموحة، والتى سوف تكون حلقة الوصل بين الشرق والغرب، من خلال العلاقة العاطفية التى ستقيمها مع السويدى كارل لتشتبك مع أسرته، التى ستكون قوام المشهد الثانى.. وسننتظر تغيير الديكور الذى هو أقرب إلى تأسيس حياة جديدة.. ويتم بناء الديكور أمام المشاهدين وكأنه شاهد وشريك فى هذه الحياة، الأسرة من الأم والأب وصديقة أو حبيبة كارل السابقة مع الخادم أيضا.. الأم والأب كلاهما يبدو عليه سلوك الطبقة البرجوازية.. وهنا سوف نشاهد الخلاف أو الصدمة الحضارية بين الشرق والغرب من خلال تفاصيل تبدو صغيرة وبسيطة، مثل المناقشة حول الحجاب بين جدة كارل ونور التى لا ترتدى الحجاب، لكن تخالف الجدة فى أن الحجاب فى الشرق مفروض قهرا على النساء، وأيضا ممارسة يوجا الحوامل التى تظن الأم أنها صلاة المسلمين فتنصحها بأن تصلى فى غرفتها.. نور لا تشرب الخمر ، حبيبة كارل السابقة ما زالت تتردد على البيت ولا تشعر بأن علاقتهما انتهت تماما.. حاول العرض أن يجسد الخلاف بين الحضارتين، وتتدهور الأحداث فى زمن الحظر الذى سببته كورونا. وما إن تفتح القاهرة مجالها الجوى حتى تغادر نور الحامل إلى القاهرة وفى بطنها جنين ثمرة التعاون بين الشرق والغرب، بعد أن شعرت بالقهر والوحدة والغربة مع هذه الأسرة ومعها الزوج، ليتغير المشهد ويسافر الغرب إلى الشرق.
فى نهاية كل مشهد يقف أفراد الأسرتين فى صورة جماعية يلتقطون الصورة، وكل منهم يغنى نشيدا بلغته، وكأنهم يقدمون صورة للجمهور عن التعاون بين الشرق والغرب، عن التقارب الفاشل المحفوف بالمخاطر دائماً.. ويتم تغيير الديكور فى حضور الجمهورليكون شريكاً فى الحكاية دون إيهام ، لتبدأ الحكاية مرة أخرى فى الشرق/ القاهرة، ويبدو كارل غريبا حزينا مقهورا كما كانت تشعر نور فى السويد، من خلال تفاصيل أخرى.. كارل الذى يمسك بأوراقه طيلة الوقت فى مصر والسويد يحاول أن يكمل روايته، فى القاهرة يحاصره أفراد الأسرة، الأب يناديه باسمه المسلم، ويشدد على هذا «يا عبد الرحمن».. الأخت المتزمتة تنصحه بالصلاة وصوم رمضان، بل ويرتب الأب أن يقوم عبد الرحمن أو كارل سابقا بأداء فريضة الحج.. ثمة حصار من الشرق للغرب هذه المرة، بعد أن حاصر الغرب الشرق من خلال نور، الأم تخفف من وطأة القهر ، أو تحاول.. تلد نور طفلة، يحضر الغرب إلى الشرق الأم والأب، تبدو العلاقة فاترة متحفظة، حتى تبدأ النساء فى الحديث حول لقاح كورونا، تبدو فى الأفق صفقة، تجارة.. هنا ينهار الجمود، وتبدو الابتسامات واضحة على الوجوه.. السيدتان تقتربان، الوالدان رجلا الأعمال تتلاشى بينهما الحواجز.. يحمل السورى المتزمت زجاجة الويسكى للسويدى دون محاذير، يبتسمان، لا أحد يسمع اسم عبدالرحمن بل كارل.. لكن هذا الصلح، هذا التقارب الذى ظهر فجأة ينهار أيضاً فجأة، بعد فشل الصفقة، وعودة الغرب إلى الغرب، والشرق إلى الشرق.. وفى مشهد دال تقف كل أسرة فى ناحية وتتبادلان صراخاً أقرب إلى العواء.. وينتهى العرض بنفس الصورة للعائلتين فى صف أمام الجمهور.. بعد أن أبرز الخلاف بين الشرق والغرب.
ورغم أن العرض يناقش قضية الشرق والغرب والاختلاف الثقافى والتباين فى العادات والتقاليد، فإنه يطرحها من خلال نماذج اجتماعية مسطحة من خلال حالة خاصة بين أسرتين، وليس تناولا فى عمومية القضية.. ورغم أنها كما ذكرت تناقش الخلاف بين الشرق والغرب فإنها لا تقدم رؤية نقدية تحليلة شاملة لهذا المجتمع أو ذلك، فليس هناك تغيير.. كما بدأت تنتهى، بالجدل حول المجتمعين، وبنفس الصورة الأولى، لأن العرض لا يناقش القضية فى عموميتها بل يناقش هذه الطبقة البرجوازية من خلال الأسرتين، مشاكل وقضايا الطبقة التى اهتم بها أحمد العطار، فى قالب أقرب إلى صيغة البوليفار لكن من خلال قراءة معاصرة لهذه الصيغة المسرحية، وكانت مسرحيته السابقة «ماما» نموذجاً، ففى هذا العرض أيضاً ثمة بنية ثابتة تتنوع المواقف فيها بين الأسرتين ضمن حبكة فنية متقنة تقوم على الالتباس الناتج عن اختلاف العادات والتقاليد بين الشرق والغرب، والذى من شأنه إثارة الضحك، مثل موقف كارل الذى حولوه إلى عبد الرحمن، أو نور، وهى فى السويد تمارس يوجا الحوامل فتظنها الأم تصلى صلاة المسلمين وهكذا، فليس هناك صراع بين هذه الأفكار باختلافها الحضارى بكل أشكاله.. فالأحداث تتطور وتتلاحق بشكل يؤدى إلى التشويق من خلال خلق أزمة أو قل أزمات صغيرة بين الشخصيات، بين نور وكارل، بين نور والجدة أو مع الأم، وفى الجانب الآخر بين كارل وعائلة نور.. وهكذا أزمات صغيرة تنتظر الحل وتثير شغف المشاهد.. تعتمد فى أحيان كثيرة على التلاعب بالألفاظ خاصة أن العرض يخاطب الجمهور بثلاث لغات.. ورغم هذا التنوع واعتماد العرض على أفكار آنية معاصرة مثل الزواج بين حضارتين فإن موضوعات البوليفار بصيغته التقليدية حاضرة لأن الطبقة البرجوازية حاضرة ويعتمد عليها العرض، مثل الخيانة والمال والحب، والتى تحتل مساحة كبيرة فى العرض.. كارل ونور علاقة حب تشكل البنية العميقة للحكاية، والمال وأعمال التجارة تسهم فى التحول، تحول الشخصيات والأحداث، وتلعب شخصية الحبيبة السابقة لكارل دورا مهما فى الحكاية، فبعد أن تشاهدها نور مع زوجها فى وضع غير طبيعى تقرر الرحيل!
وأما ديكور حسين بيضون فقد جسد سلوك هذه الطبقة، من خلال الاعتماد على الصالون فضاء هذا النوع من المسرح الذى تدور أحداثه غالبا فى غرفة الاستقبال، غرفة أنيقة فخمة لكنها من طراز معاصر، وليس الصالون الكلاسيكى، سواء فى مصر أو السويد.. تدور الأحداث فى فضاء غرفة الاستقبال، مع بعض التغييرات التى تجسد العادات والتقاليد بين الشرق والغرب، ويبرز البار فى السويد وفى القاهرة مع الأسرة السورية، يختفى وتكون عربة الشاى والحلوى هى البديل.. الخلافات ليس كبيرة فى المنظر المسرحى لكنها جذرية تجسد العادات والتقاليد وتراعى التدين والتحرر من خلال تفاصيل صغيرة، وأيضاً تبرز ثراء هذه الطبقة، ولا تختلف الملابس كثيرا فهى أقرب إلى ملابس جمهور هذا المسرح ملابس من الواقع.
أحمد العطار برع بشكل جيد فى تجسيد هذه الطبقة ومشاكلها على مستوى الكتابة، فكما ذكرت هذه هى المسرحية الرابعة ليس فقط على مستوى الكتابة، لكن فى تجسيدها أو قل بعثها على خشبة المسرح من خلال مفردات منظر مسرحى يعتمد بشكل كبير على صيغة البوليفار الذى يتناسب وهذه الطبقة موضوع المسرحيات الأربع.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3
رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...
حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...
11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...