كان يسرى الجندى صاحب قضية مغزاها نهضة هذه الأمة والانحياز لهذا الشعب، حملها على عاتقه منذ مسرحيته الأولى «اليهودى التائه»
ووصولاً إلى آخر عروضه على خشبة المسرح القومى «الإسكافى ملكاً» ومروراً بكل نصوصه المسرحية وأعماله التى كتبها للدراما التليفزيونية، ولم يكن اللجوء إلى التراث الشعبى، والتاريخ سوى لتدعيم هذه القضية، فقد كان مسرح يسرى الجندى سياسياً بامتياز على كل المستويات، فى الشكل والمضمون، فحين اختار المسرح الملحمى، كان يعى جيداً أنه يستهدف وعى الجمهور، وأنه لا يطلب الرفاهية أو التسلية، وحين اختار التراث الشعبى أيضاً كان يراهن على وعى الجماعة وارتباطها بهذا التراث.
أذكر أننى سألت يسرى الجندى ذات مرة لماذا لجأت إلى ألف ليلة وليلة أو إلى التراث الشعبى بشكل عام؟ فجاء رده ليؤكد هذه الفكرة وقال «ألف ليلة وغيرها من الأعمال التراثية حينما يتعامل معها الكاتب يعى جيداً أن هناك أرضية مشتركة بين الجمهور وهذه الأعمال وجدانياً وعقلياً.. فينطلق من خلالها، والكاتب يستطيع أن يأخذ موقفاً نقدياً من هذه الأعمال لأنها تنطوى على جوانب سلبية وإيجابية، والعملية الإبداعية هنا تقوم على تنفيذ الجانب السلبى وإضاءة الجانب الإيجابى بما يخدم القضايا التى يعيشها المشاهد المعاصر، مثل قضية الحرية وارتباطها بالمعرفة، وهذا ما تم طرحه فى حكاية السندباد، وهذه القضية تهم المشاهد المعاصر.. فالحرية هى مزيد من التقدم، ومزيد من التقدم فى هذا العصر مرهون بالمعرفة، وهذا يتوقف على ثراء المعالجة للمادة التراثية» وهذا ما قدمه أيضاً من خلال السيرة الهلالية، وملاعيب على الزيبق ورابعة العدوية سواء فى المسرح أو الدراما التليفزيونية، فقد اتجه يسرى الجندى إلى التليفزيون مبكراً هو ورفيق مشواره وزميل الدرب الكاتب المسرحى أبوالعلا السلامونى، وحوّل مجموعة من المسرحيات التى كتبها إلى دراما تليفزيونية وأولها على الزيبق، بالإضافة إلى الأعمال التى كتبها للتليفزيون ومنها مسلسل عبدالله النديم خطيب الثورة العرابية، ومسلسل «أهلا جدو العزيز»، ففى النصف الأول من ثمانينات القرن الماضى شاهد له الجمهور أربعة مسلسلات حققت نجاحاً مدوياً، ما بين التاريخى والشعبى والمعاصر، وبدأ بمسلسل النديم 1982 ثم «نهاية العالم ليست غداً» 1983، و«على الزييق» 1985، وفى نفس العام قدم مسلسل «أهلاً جدو العزيز» ومن قراءة هذه الأعمال يبدو واضحاً اتجاه يسرى الجندى فى الدراما التليفزيونية، ولا تخلو البداية بخطيب الثورة العرابية من دلالة، فثمة اتجاه وطنى، وأيضاً ثمة إلحاح على ترسيخ الهوية المصرية من خلال رموزها، عبدالله النديم الذى بدأ حياته بالطواف فى الأرياف مادحاً وهجاءًً للعمد والوجهاء بالأزجال الشعبية وفى عام 1879 أنشأ الجمعية الخيرية الإسلامية وبدأ وقتذاك حياته المسرحية والأدبية وألّف فى تلك الفترة العديد من المسرحيات لهذه الجمعية والتى كانت تعرض على مسرح زيزينيا ووصلتنا منها مسرحية الوطن أو قُل ما تبقى منها التى كتبها بأسلوب ساخر متهكماً على هؤلاء المتفرنجين وناعياً الوطن المسكين الذى جلس على قارعة الطريق حزيناً مما أصاب أبناءه من جهل ولا مبالاة، لتتغير حياته بعد ارتباطه بالعرابين ومشاركته فى معركة التل الكبير خطيباً وداعماً للثورة المصرية، وكانت هذه النقطة التى انطلق منها يسرى الجندى ليجسد مرحلة هروب النديم بعد انكسار الثورة العربية ودخول الإنجليز مصر، وكيف احتمى البطل الشعبى سنوات طويلة بين أحضان أبناء الوطن حيث استضافه هؤلاء، ليشاهد الجمهور صورة رائعة للشعب المصرى فى تلك الحقبة، وهذا المسلسل إخراج علوية زكى وأدى دور النديم عزت العلايلى مع نخبة من النجوم منهم محمود المليجى وحمدى غيث وعلى الشريف وعبدالسلام محمد وعفاف شعيب وإبراهيم الشامى.. ودون شك كان يسرى الجندى محظوظاُ بفريق العمل بالإضافة إلى الأشعار المدهشة التى كتبها عبدالرحمن الأبنودى وكانت نصاً موازياً مع ألحان عمار الشريعى لحياة النديم، ما زال يحفظها الناس بصوت على الحجار.
وفى العام التالى يخرج من الثورة العرابية والدفاع عن القومية المصرية إلى قضايا اللحظة الراهنة، حيث يستعرض من خلال الدراما التليفزيونية حكايات معاصرة بعيداً عن أبطال السير والملاحم فى عدد كبير من المسلسلات وكانت البداية من خلال «نهاية العالم ليست غداً» لنفس المخرج لتناقش أعماله الواقع المصرى بقوة وكانت قضيته منذ البداية الهزة القوية التى أصابت العالم الثالث وخاصة الواقع المصرى.. فشهدت بداية الثمانينات بداية قوية لكاتب مسرحى يدخل مجال الدراما التليفزيونية بمسلسل يعتمد على الخيال العلمى مستعيناً بشخصية أستاذ الفلسفة الذى أقام علاقة مع كائنات خارجية بعد سلسلة الإحباطات المتواصلة التى تعرض لها، وهذا الطرح استوجب تجديداً فى الشكل فكان لا بد من استخدام الخيال العلمى لمناقشة قضايا العالم الثالث وكان الشكل الأمثل، وكانت القضية هى حصار العالم الثالث وحاجته إلى قوة أخرى أو الاعتقاد فى هذه الحاجة طوال الوقت، وقال عن هذه المعالجة المعاصرة بعد ذلك «كان الهدف أن أقول إن قضايا العالم الثالث لن يحلها سوى العالم الثالث ومن هنا جاءت استعارة الخيال العلمى عن وجود كائنات أخرى أرقى يتصل بها شخص تجمعت حوله كل خيوط المأساة من قضايا التعليم والأسرة وانهيار قيم المجتمع» ثم خاض مغامرة أخرى عام 1985 من خلال شخصية كاتب محمد على فى مسلسل «أهلاً جدو العزيز» وهى أيضاً فانتازيا متخيلة، إذ يهبط هذا الكاتب من عصر محمد على إلى نهاية القرن العشرين فى القاهرة وتتوالى من خلال زيارته أسئلة الواقع والصدمة العنيفة التى تعرض لها، حين يخرج بعد قرن ونصف ليطل على عالمنا لنجد أننا نتخلف أكثر.
ستة عقود قضاها يسرى الجندى بين خشبة المسرح والدراما التليفزيونية ومن قبل وفى سنوات المراهقة كان يكتب ويمثّل فى مسرح المدرسة مع زميله أبوالعلا السلامونى قبل أن يشاركا فى مهرجان مسرحى أقيم فى دمياط وكان من ضمن الحضور نجيب محفوظ ولويس عوض ونصحا الشابين الموهوبين بأن يهبطا مصر المحروسة ليصبح بعد ذلك إحدى المحطات الرئيسية والمهمة فى الكتابة المسرحية والتليفزيونية ويثير الجدل الذى وصل إلى حد مصادرة أول أعماله المسرحية، لكنها كانت شهادة ميلاده فى عالم المسرح، وظنى أن الحدث الأهم فى حياة جيل النهضة والسقوط الذى ينتمى إليه يسرى الجندى ورفاقه أبوالعلا السلامونى، بهيج إسماعيل، على سالم، لينين الرملى، كرم النجار وآخرون، حدث عام ١٩٦٩ فى مؤتمر الأدباء الشبان الذى أقيم فى الزقازيق برئاسة نجيب محفوظ ومعه رموز الثقافة المصرية فى تلك الفترة وحشد من الأدباء الشبان فى محاولة لمحو الآثار النفسية للنكسة وجاءت جوائز المسرح لتصيب أربعة منهم، كالتالى الجائزة الأولى جاءت من نصيب على سالم، أما بهيج إسماعيل ويسرى الجندى وأبوالعلا السلامونى فقد حصلوا على الجائزة الثانية مشاركة فيما بينهم، وكانت بمثابة شهادة ميلاد لهؤلاء، حتى وإن كان بعضهم قدم أعمالاً مسرحية من قبل إلا أن هذا الحدث كان محورياً فى مسيرتهم، بل ونلاحظ اتجاهات الكتاب الأربعة أو على الأقل بعض ملامحها فى الأعمال الفائزة حيث استعار ثلاثة منهم مادة من التراث الإنسانى، الأول كتب عن أوديب الذى استعاره من الميثولوجيا اليونانية وقدمه من خلال معالجة معاصرة للواقع المصرى، والثانى استلهم التراث الشعبى فى «حلم يوسف»، أما الجندى فكتب مسرحية عن « الطفل الجميل الذى لم يولد بعد» وهى التى قدمها من قبل تحت عنوان «الشمس وصحراء الجليد» معلناً للجميع أنه صاحب قضية موضوعها الإنسان المصرى سوف يدافع عنها فى مسيرته وكتب السلامونى «فرسان الله والأرض» التى نشرها فيما بعد تحت عنوان «سيف الله» عن عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد باحثاً فى التاريخ عن تراجيديا عربية سوف تلازمه طيلة مشواره المسرحى، وأيضاً لا يمكن إغفال أن هؤلاء كتبوا نصوصهم وكأنهم يلوذون بهذه الشخصيات لطرح أسئلة اللحظة الراهنة أو بمعنى آخر الاختباء خلف هذه الشخصيات خوفاً من بطش الرقيب فى تلك المرحلة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3
رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...
حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...
11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...