"من بعد غيمة.. ضحكتله الشمس".. هذه ليست مجرد فقرة فى إحدى أغنياته الشهيرة.. لكنها وصف دقيق لحالة واحد من أولئك الذين يطلق عليهم
"مطربو الراب" فى مصر.. لم يعد مجهولا، بل صار الأشهر فى الشرق الأوسط.. وكان طبيعيا أن يكون صوت العرب فى كأس العالم لكرة القدم التى انتهت منذ أيام فى الدوحة.
هذه ليست المرة الأولى التى أكتب فيها عن أحمد على المعروف باسم "ويجز".. وأعتقد أنها ستكون الأخيرة.. فرغم كل هذه الشهرة وتلك الأموال التى يحصدها ذلك الشاب وملايين المعجبين فى مصر والعالم العربى.. فإننى أتفق أنه مجرد حالة.. مثل حالات أخرى من الموسيقى عبرت فى لحظات ميتة من تاريخ الغناء المصرى.. أخذت الضجيج الذى يليق بها وبزمنها ثم مضت دون أن يتوقف التاريخ.
"عز العرب".. هذا هو اسم الأغنية التى اختارها "ويجز" لتكون رسالته إلى جمهور الكرة فى العالم كله ما بين شوطى المباراة الأخيرة فى البطولة الأشهر.. وقبلها بساعات كانت عبر موقع "الفيفا" قد عرفت طريقها إلى صفحات ملايين الشباب فى العالم.. لا يمكننى تتبع كلمات ما يغنيه "ويجز" ولا محاولة إيجاد روابط وقواعد للموسيقى التى يعزفها.. لكننى أيضا لا يمكننى تجاهل تلك الفجوة التى يعبر عنها بين جيل جديد لم يعد عمرو دياب ونانسى عجرم وأنغام والحجار وأصالة من بين نجومه.. فضلا عن كونه ربما يسمع لأم كلثوم وعبدالوهاب وحليم.. هذ ذوق جيل يستعمل هذا "الراب" كما يستعمل مخدر "الشابو" باعتباره نوعا جديدا فى سوق "التعاطى".. الفارق الوحيد أن هذا النوع من المخدرات يجد له من العلانية وأسبابها ما يسمح له بالوجود فى حضرة قادة العالم وعبر أهم شاشاته وعلى أغلفة أهم مجلاته.
هذه الهزيمة المنكرة - نهاية ديسمبر عام 2022 – لعتاولة الغناء القديم فى مواجهة ويجز ورفاقه، وتجاهلهم فى ذلك الحدث العالمى، واستدعاء شاب لا تاريخ له قادم من المجهول بلا أى معنى ربما تكون نقطة فاصلة بين عالمين من الموسيقى.. وربما تكون إنذارا مختلفا.. بصياغة مختلفة لأصحاب الأنواع الأخرى من الموسيقى التى تعودناها للاستفاقة قبل إعلان موتهم "الأخير".
البداية على جثة سيد درويش
من نفس المدينة التى جاء منها السيد درويش، أهم موسيقى مصرى فى العصر الحديث، صاحب أول "دقة" فى لحن تطوير الغناء المصرى، خرج الشاب الذى ينتمى إلى جذور يمنية لأب مصرى انفصل عن والدته التى تعمل بأحد مستشفيات الإسكندرية.
"ويجز".. ومعنى اسمه هو نفسه حالة أغنياته "الباروكة المستعارة".. تربى فى حى "العجمى" الشعبى وتعلم فى مدارس الحكومة حتى التحق بكلية الآداب قسم اللغات الشرقية، إلا أنه رسب لمدة عامين.. ولم يعتبر.. برر ذلك بأداء متعال متغطرس لمدرسيه فى الجامعة.. دون أن يذكر التحاقه مع رفاق المقهى بسكة "مطربى الراب" الذى تعلمه فى "شهرين" على يد أحد أصدقائه، قبل أن ينضم إلى إحدى فرق "الراب" المصرى البسيطة فى الإسكندرية.
دموع مالحة.. من البحر المالح
لا تسأل ويجز ماذا تغنى.. لكنه يعرف لماذا يغنى.. هو فقط يبحث عن "الفلوس".. الرجل لا يكذب.. ابن الأسرة الفقيرة الذى لم يكن يحصل على أكثر من مائتى جنيه شهريا من تجارة الملح - بيع أكياس الملح لمحلات عروس البحر. لم يكن يقصد سوى البحث عن الفلوس.. جاءت عبر تجارة الملح، أو عبر العمل "كول سنتر" فى إحدى شركات الاتصالات ليس مهما، المهم أن تأتى.
الرجل لا يكذب.. لم يكن له طموح سوى الحصول على المال.. فمن وجهة نظره فى أغنياته وعبر لقاءات إذاعية أجريت معه، ليس وحده الذى يبحث عن المال.. لكن أفراد الطبقة الوسطى جميعا.. الفقير يريد أن يصبح غنيا.. والغنى يريد أن يصبح غنيا أكثر.. ومن هو فوق ذلك يريد أن يصبح حسنى مبارك.. هكذا قال الرجل فى عام 2018.. ولا أعتقد أنه سيقول جديدا اليوم عما يريد أن يفعل.. هو لم يقرر أن يكون السيد درويش فى نسخته الجديدة.. لكنه مثله فقير من حى فقير فى عروس البحر التى تقبل الجميع.. التعدد.. التنوع.. التمرد.. والغموض أيضا..
"أرمى على قبرك ورود
ادعى.. يا أجيلك يا تعود/ روحك بتطوف.. بتطوف
حاسّك موجود/ أرمى على قبرك ورود"..
هذه الكلمات غير المفتعلة التى لا تدعى أى علاقة مع الشعر كانت بداية الشاب السكندرى الذى كان يحلم بارتداء حذاء "ماركة"، فصار ما يرتديه ماركة مسجلة لدى ملايين الشباب.. هذه البداية كانت مجرد محاولة رثاء من أحمد على لشقيقه من الأب (والده تزوج من أخرى) الذى رحل فى عمر الثانية عشرة..
الدموع المالحة التى ذرفها "ويجز" بصدق فى وداع شقيقه ربما وجدت صداها لدى كثيرين افتقدوا الغوالى.. ليس مهما أن يكون المفقود شخصا.. ربما يكون الحلم.. ذلك الذى كان سببا فى وجود هذا النوع من الموسيقى فى مصر.. من الأصل.
البداية كانت من منطقة فقيرة تشبه الحى الذى نشأ فيه "ويجز".. مدينة السلام فى القاهرة.. نهايات زمن مبارك.. حيث كان أحدهم يبحث عن وظيفة يأكل منها عيشا، فكان أن حاول اختراع "رنات" يبيعها لمستخدمى "الموبايل".. فكانت بداية هذا النوع من الموسيقى التى صارت طقسا مفروضا على الأفراح مع الـ"دى جيه" قبل أن تبدأ أحداث 25 يناير فتصبح الفرق المستقلة بوابتهم إلى الصعود والوجود رغما عنا.. وبإرادتنا.
مكى والفيشاوى.. الطريق إلى جهنم
لم تكن رحلة "ويجز" من البيطاش إلى مدينة السلام فى القاهرة سهلة.. لم يكن معه أى مال بعد أن تم طرده من شركة الاتصالات التى يعمل بها.. لم يكن معه حتى أجرة المواصلات فبات ليلته الأخيرة فى الإسكندرية على مقهى قبل أن يرسل له صديق مبلغا عن طريق "فودافون كاش" ليستقل أول سيارة قادمة لبنت المعز وللشهرة.
أمه مسافرة.. عمل حفلة وخربها
من أمريكا، عرفت أوروبا موسيقى الراب.. مثلما هو الحال مع الجاز.. وكلتاهما جاءت من أفريقيا.. من أصول أفريقيا..
والثابت عند مؤرخى الموسيقى أن الراب جاء عبر رجل قادم من "جامايكا" حاول أن يعزف الموسيقى التى شاهدناها هناك بترديد نفس الكلمات المنتقاة بطريقة أمريكية.. كان ذلك فى سبعينيات القرن الماضى.. وفى شوارع فقيرة فى نيويورك.. الأصول تعود إلى أفريقيا وقبائلها التى كانت تلقى قصصها الشعبية مع دق الطبول.. لكنها عندما انتهت إلى جامايكا احتفظت بلغة "القوافى".. كلمات غامضة ومبعثرة لكنها تحاول موازاة القوافى. وبعد عشر سنوات أصبحت لغة "العدائيين" المتمردين وعصابات المخدرات فى أمريكا وأوروبا.. ثم سرعان ما تخلصت من طريقة "محمد على كلاى" فى الملاكمة.. لتصبح "حلما" بالغنى وترك الفقر.. لكنها فى مصر وجدت طريقا آخر.. فالموضة التى بدأت عام 1998 وجدت طريقها إلى المسارح والشاشات عام 2003 مع فرقة MTM وأغنيتها الأشهر
"أمى مسافرة وهاعمل حفلة".. ثم كان ما قدمه الممثل "أحمد مكى" ومن بعده "أحمد الفيشاوى" بوابة أخرى لجيل جديد يبحث عن غناء غير مفهوم لا ملامح له مثلما هو حال مصر نهاية عصر مبارك.. فى مواجهة غناء تقليدى مستقر يلفظ أنفاسه الأخيرة مع نهاية عصر الكاسيت وظهور أغنية الإنترنت.
من الهامش إلى المقدمة.. "الغسالة" تحكم سواء رضيت أو لم ترض.. نجحت محاولات مطربى الراب فى الوجود بعدما تحولت أغنياته إلى إعلانات تستخدمها الشركات لترويج منتجاتها.. ونجح ويجز فى أن يكون أحد نجوم هذه الإعلانات "باظت خالص".. ثم تحول إلى ممثل ومطرب بفيلم "الغسالة".. كل ذلك الصخب دفع هانى شاكر وقت أن كان نقيبا إلى الاعتراف بهم وبـ"ويجز" الذى وصفه بأنه مثقف، فى لحظة كان يهاجم فيها مؤدى المهرجانات.. ولا أعرف من أين جاء مفهوم الثقافة هذا.. ولا بمعلومته عن كون "ويجز" خريج جامعة أمريكية.. وهل يعنى الحصول على هذه الشهادة إن كان قد حصل عليها فعلا أنه مثقف.
بالمناسبة لا يعنينى حصول ويجز على مؤهل من الأصل، فمعظم المطربين المهمين فى مصر لم يحصلوا على شهادة دراسية، لكنهم درسوا الموسيقى سواء بشكل نظامى فى المعاهد، أو بطريقة شعبية "سماعى".. المهم بالنسبة لى ماذا يقدمونه.. ذائقتى تقبل شكوكو وسعاد مكاوى وعبدالعزيز محمود وشفيق جلال وجميعهم لم يحصلوا على شهادة.. لكنها لم تستوعب حتى هذه اللحظة ما يقدمه ويجز.. الذى صار عنوانا لمصر.. للأسف فى حدث عالمى مهم مثل كأس العالم.. ووجد من يعتبرونه فخرا لنا.. ومعبرا عن ذوقنا وثقافتنا.
ذائقتى تستوعب وتتبنى ما يقدمه هشام نزيه وياسر عبدالرحمن وعمر خيرت.. لكنها لا تحجر على الآخرين ولا ترفض ويجز على إطلاقه.. لكنها ترصده وترصد ما يقدمه ومن يسمعونه أيضا.
ولا ييجى على بالها
تخطت أغنية "البخت " لويجز حاجر المائة مليون مشاهدة، وتكاد تكون هى أغنيته الشهيرة.. ولنأخذها نموذجا لما يقدمه الرجل
"عينى منها بشكل جدى/ وتقيلة مش تقلانة
اتبخر سحرى/ ومش باجى على بالها
ما فكرتش/ وبالى فيها/ وبالى مش ملكى"..
المعنى واضح.. شاب يحب.. مأزوم.. ومن يحبها تقلانة عليه ومش على بالها.. هل يفرق هذا المعنى عن "ازاى ترضيلى حبيبتى" لمحمد منير.. أو عن "حبيبى ولا على باله" لعمرو دياب.. أو عن "موعود معايا بالعذاب يا قلبى" لحليم؟!
الأنثى هى المشترك عند ويجز وعندهم.. ولا أجد فى النماذج التى سبقت تشكيلا جماليا فذا.. الفارق فى الشكل الموسيقى.. فكل منهم وجد شكله الموسيقى الذى وجد جمهوره.. جمهور حليم.. أو جمهور منير.. أو جمهور عمرو دياب.
فارق آخر هو "التطريب".. وجميعهم ليس "عفيجيا" فى الغناء.. وليس شرقيا على الإطلاق.. إذن ويجز باختصار ليس مطربا.. وهو لم يقل ذلك.. قال إنه "رابرز".. لكن النقابة اعترفت به وبجيله ومنحتهم شعبه.. لمجرد الحصول على نسبة مما يحصلون عليه من أموال الحفلات.. والناس - ونحن لسنا أوصياء على أذواقهم - منحوهم الشهرة والفلوس.
الفلوس التى كان يبحث عنها ويجز.. حصل عليها وفوقها الشهرة.. والوجود على أكبر المنصات الدولية.. هذا هو الواقع.. هذه هى ملامح الهزيمة الأشهر فى "مونديال الموسيقى" فى بلادنا.. فهل تنتبهون؟!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3
رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...
حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...
11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...