جاء نص مونودراما "الحصان"، الذى قدمه مسرح الطليعة عام 1983، محطة محورية فى مسيرة كرم النجار المسرحية، ولعبت فيه دور البطولة الفنانة سناء جميل وإخراج أحمد زكى، ومثلت هذه المونودراما مصر فى مهرجان قرطاج المسرحى فى نفس العام، وقدمت فى افتتاح المهرجان على المسرح الوطنى، وقدمت أيضا فى افتتاح مسرح المنصور بالعراق 1984، واستمر عرضها 25 ليلية متصلة.
والمسرحية تناقش فكرة الاستسلام للطموح الفردى دون المجتمعى، والتى قد تؤدى فى النهاية إلى الشعور العميق بالعزلة والوحدة، وتجسد بقوة مساوئ قيم الإنفتاح الاقتصادى وتحولات المجتمع المصرى فى السبعينات، وفى هذه المونودراما بدأت أفكار التغيير الاجتماعى التى تصوّر المظاهر القبيحة للمدينة الحديثة تبدو واضحة من خلال ما جاء على لسان البطلة: "كيف يرقى مجتمع يمتطى كل واحد فيه حصاناً ويتركه جامحاً على هواه؟".. بهذه السطور قدم كرم النجار لمونودراما "الحصان " التى كتبها فى قالب غير تقليدى.
فى الألفية الثالثة قدم المسرح المصرى لكرم النجار نصين؛ الأول عرفت من خلال أوراقه أنه كتبه فى مطلع سبعينات القرن الماضى أو على الأقل كتب فكرة أو مسودة هذا النص فى تلك الفترة، ثم اكتمل فيما بعد وهو «أولاد الغضب والحب» الذى لم يتم تقديمه على خشبة المسرح إلا عام 2001، ثم مرة ثانية عام 2006، وأذكر أننى شاهدت العرضين، والمسرحية الثانية «يا غولة عينك حمرا» قدمها مسرح التليفزيون عام 2005 وكلاهما يعالج قضايا سياسية مباشرة.
خرج كرم النجار فى هذه النصوص من الكلام بالأمثلة ولم يعد مضطراً للاختباء خلف القناع أو الحصان أو البرواز أو الجائزة، ولم يعد ينظر إلى العالم من خلال حساسية الفنان وانفعالاته، وتخلى عن الرؤى الذاتية، وراح يعرض شخصيات تحتج وتثور وتطالب بحقوقها بشكل مباشر وصريح، ولكنه ظل مغرماً بتقديم شخصيات مركبة، ولا تخلو من الالتباس، شخصيات يمكن قراءتها بمستويات متعددة حتى وإن كان خطابها مباشراً، ولم تكن هذه النصوص تنتمى إلى الواقعية فى صورتها التقليدية فى محاولة إعادة تمثيل الواقع وتصوير حقيقة ما نفسية أو اجتماعية بشكل موضوعى، بل الواقعية الجديدة التى تقوم على اختيار مواضيع من الحياة اليومية وعلى استخدام الحوار القريب من اللغة المحكية، وربط النصوص المسرحية بالواقع السياسى والاجتماعى المحلى، وطرح قضايا تهم المتفرج، وفى هذين النصين طرح كرم النجار فى «أولاد الغضب والحب» صرخة الجيل الجديد، وفى المسرحية الثانية صرخة إلى الأمة العربية لتحذيرها من أمريكا، ورغم أنه تناول قضية آنية فى «أولاد الغضب والحب» ترتبط بالواقع السياسى والاجتماعى المحلى، طارحاً قضية تهم المشاهد، إلا أنه فى هذا النص المكتوب وليس العرض لم يتخلَّ عن سمات المذهب التعبيرى فى المسرح ممثلة فى «التركيز على الصراع بين الفرد والمجتمع، الاستغناء عن الحبكة التقليدية وتفتيت الحدث إلى مشاهد منفصلة تعبّر عن مراحل تطور الشخصيات، واستخدام اللغة استخداماً انفعالياً مبالغاً».
وظل كرم التجار مخلصاً للتعبيرية؛ هذه الحركة التى اعتبرها البعض «التعبيرية رد فعل على الواقعية، والانطباعية والطبيعية حيث انطلقت من مبدأ رفض المحاكاة وتصوير الواقع إلى تشويه الواقع لذلك ارتبطت بالقبح والكاريكاتير والذى تم اعتباره وسيلة لتحقيق الصدق الفنى، والكاريكاتير ليس المقصود به الفكاهة وإنما تشويه الواقع والمبالغة فى تصوير العيوب وإعطاء رؤية خاصة والابتعاد عن الجمال بمفهومه التقليدى»، وهذا ما فعله كرم النجار فى نصوصه الأولى بامتياز وذلك حين اختار صدق التعبير بعيداً عن الطابع السياسى المباشر، ولكن فى هذين النصين ارتد إلى الواقعية واختار الخطاب السياسى المباشر، ربما لطبيعة الموضوعات التى طرحها أو رغبة فى أن تكون الرسالة واضحة. بل واختتم مشواره المسرحى بمعالجة درامية لشخصية محمد كُريم..... ووفقاً لأوراق كرم النجار آخر نصوصه التى كتبها مسرحية «أولاد السيد محمد كريم» عام 2010 حول أول مقاومة شعبية حقيقية للحملة الفرنسية فى مدينة الإسكندرية وذلك أنها (لم تجد مكانها على خشبة المسرح لظروف الثورة) ويقصد الخامس والعشرين من يناير 2011، ومن المعروف أن كرم النجار قدم هذه الشخصية فى سهرة تليفزيونية من قبل وأيضاً عالج شخصية محمد كريم فى مسرحية قدمتها فرقة دمنهور فى الهيئة العامة لقصور الثقافة، وظنى أن ما يقصده بالنص الأخير معالجة درامية متطورة لهذه الشخصية، فالكاتب كرم النجار ووفقاً لما كتبه فى أوراقه يعتبر الزعيم محمد كريم أهم بطل فى تاريخ الحملة الفرنسية لأنه جاء دون تمهيد، لم يكن هناك نموذج قبله قاوم الحملة، ففى ذلك الوقت كانت مصر ولاية عثمانية، فلم تكن دولة وكل من فيها من رعايا مصريين ومماليك وأتراك وطوائف أخرى يتبعون دار الخلافة العثمانية فى اسطنبول، وحين جاءت الحملة الفرنسية هُزم مراد بك وإبراهيم وكلاهما هرب، لقد قرر أن يحارب الفرنسيين بعد أن هرب الحكام الرسميون، ويعتبرها كرم النجار لحظة اكتشاف رهيبة، ورغم أنه لا يملك أى سلاح إلا أنه يقاوم ويدخل فى حرب غير متكافئة، ومع اشتداد الحصار يتم القبض عليه ويقابله نابليون ويقول له، لقد أمسكتك والسلاح فى يدك ولكننى أعفو عنك لأنك محارب شريف لم تتقهقر خلف جنودك، ويمنحه نابليون سلاحه ويعفو عنه، فيذهب إلى بدو البحيرة ويقاوم معهم الفرنسيين. الذين لم يجدوا أمامهم إلا اعتقاله وإعدامه. ودور محمد كريم وخطورته أنه وضع أساساً للأدوار التى جاءت بعده.
مسرحية «يا غولة عينك حمرا» التى قدمها مسرح التليفزيون عام 2005 بطولة وإخراج نور الشريف تدور الفكرة الرئيسية حول مدى إمكانيات التضامن العربى فى مواجهة الهيمنة الأمريكية ومن يستطيع مواجهة نفسه بحقيقة التبعية السياسية حين تقرأ عنوان مسرحية «يا غولة.. عينك حمرا» دون شك سوف يستدعى العنوان المثل القديم حد يقدر يقول للغولة يا غولة عينك حمرا! بالإضافة إلى المفارقة بين المثل والعنوان، فإذا كان المثل يتساءل فعنوان المسرحية يجيب بصراحة نعم يا غولة.. عينك حمرا، وهذه رسالة كرم النجار أو مقولته المباشرة والصريحة من خلال هذه المسرحية، ومن العنوان نستطيع التعرف على مضمون المسرحية بشكل مباشر والغولة معروفة، خاصة فى العصر الذى نعيشه، فما أكثر الغيلان.. والقاصى والدانى يعرف الغولة، بل ويقاسى من أفعالها ليل نهار فهى أمريكا أو إسرائيل وكلاهما وجهان لعملة واحدة، وهذه هى الصرخة التى أطلقها المؤلف فى مسرح التليفزيون على مسرح يوسف السباعى من إخراج «حسن عبدالسلام» ونحن أمام عرض يطرح بشكل مباشر قضية آنية، بل ومستمرة للواقع العربى.
وكما ذكرت تم بناء العرض طبقاً لمقولة أو مثل شعبى دلالته واضحة فى عقل الجماعة المصرية، والهدف صريح: أن نقول للغولة -عينك حمرا - ولا نكتفى بالتساؤل كما فى المثل الشائع، وهذا هو هدف المؤلف، فالأمر لا يحتمل التأويل، فهناك خطر يهدد الأمة العربية - هذه الغولة - فمن الذى سيقف فى وجهها ويقول لها عينك حمرا، اختار كرم النجار، المواطن عصمت عبدالحق «نور الشريف» لينسج حوله خيوط الحكاية، وليكون القوة الفاعلة التى تحرّك الأحداث وتبعث برسالة فحواها هذا الخطر الذى يهدد الأمة العربية، ولنتأمل شخصية هذا المواطن درامياً ومنها ندخل إلى العرض ونتعرف على وجهة النظر والرسالة، فنحن أمام فلاح مصرى يمتلك مزرعة ياسمين، ودلالة الياسمين واضحة حين تعرف أنه طيب صاحب قيم ومبادئ، فهو رجل مثالى، زوجته رئيفة «نهال عنبر» سورية تعرّف عليها أثناء الوحدة بين مصر وسوريا حيث ولد عصمت هناك فى الإقليم الشمالى بعد أن ذهب جده إلى دمشق فى ذلك الوقت وبعد انهيار الوحدة صمم المواطن على عمل وحدة خاصة بزواجه من رئيفة - والذى لا يزال مستمراً حتى الآن، والدلالة هنا واضحة ولا تحتاج إلى تعليق، ولهذا المواطن خمسة أبناء سافر اثنان منهم إلى أمريكا لدراسة التكنولوجيا «طارق لطفى ومنال سلامة» وبعد عودتهما يصمم هذا المواطن أن يبنى لهما مصنعاً سوف يكون موضوع المسرحية ومن خلال فكرة المصنع يكشف العرض الوجه الحقيقى لأمريكا وإسرائيل.
الهدف من العرض لا يحتمل التأويل من خلال دلالة الوحدة العربية والتهديد الأمريكى الإسرائيلى للعرب وقد نجح المؤلف فى ذلك من خلال البناء الدرامى للشخصيات لتجسيد هذه الرؤية بشكل مباشر، وإذا قلنا إن العرض قال كل شىء يحدث فى العالم الآن فلن نكون مبالغين سواء فى تفاصيل الحياة اليومية فى مصر أو أزمة الواقع العربى وصولاً إلى أفعال أمريكا وإسرائيل فى المنطقة العربية والعالم، فنحن أمام رصد وتسجيل لقضايا اللحظة الراهنة بكل تفاصيلها فى عرض مسرحى.
يدخل المواطن عصمت عبدالحق إلى خشبة المسرح وقد تمزقت ملابسه وهو يهرول ويحكى للعائلة ما حدث له فى الأوتوبيس حين كان عائداً من المزرعة إلى البيت فى موقف كوميدى، فالعرض مزيج من الكوميديا والتراجيديا وأيضاً المواعظ الأخلاقية، وهنا يبدأ الحديث عن المصنع والمشكلة، لنبدأ فى التعرف على ما حدث من قبل، فالصحافة التى جاءت لإجراء الأحاديث مع «طارق لطفى - منال سلامة» ليست سوى عيون إسرائيل التى جاءت لتتجسس على أخبار المصنع وأيضاً عامل المجارى والتليفونات لنشاهد الفنانة فرح «لميس» وهى من شركة مستر جاكسون غير المرئى تتحدث عن خطورة هذا المصنع وسوف يتضح لنا بشكل مباشر أن جاكسون رمز لأمريكا، ولميس هى إسرائيل، ويبدأ الصراع بين هذه الأطراف حول المصنع فى محاولة لإجبار عصمت عبدالحق على بيع المصنع ولكن هيهات! فلن يفعل المواطن هذا ويرضخ رغم كل الضغوط، ففى المشهد الأخير يكون رد المواطن على جاكسون الأمريكى صريحاً ليضحى بنفسه ويقول لا، وتخرج روحه فى ملابس بيضاء، وتنزل إلى الصالة وتقول للمشاهدين الرسالة التى يرغب أن يقولها العرض وهى - حين يطفح الكيل يتسيد الجنون، إذ قام نور الشريف بتدمير جهاز مستر جاكسون الذى يتجسس به على العالم وهو رمز قوته، ومات المواطن ولكنه قال «لا» حين طفح الكيل، والرسالة واضحة ومباشرة، حيث جاءت أيضاً كل مفردات العرض المسرحى فى هذا الاتجاه، فالمخرج حسن عبدالسلام للوهلة الأولى من خلال ديكور حسين العزبى ومع موسيقى ياسر عبدالرحمن يضع غولة تملأ فضاء المسرح برأس مخيف وأذيال طويلة وتحتها مجموعة من الجماجم فها هى الغولة كرمز يدور حوله العرض، ثم نشاهد حديقة منزل عائلة عصمت والذى يبدو كمنزل عربى يمكن أن تشاهده فى مصر أو سوريا أو لبنان أو أى بلد عربى، وحتى حين نشاهده فى مشاهد أخرى من الداخل سوف يبدو هكذا أيضاً، إذ جاءت الصورة بين هذا المنزل والشركة فى المشهد الأخير فى أمريكا، وحاول المخرج توظيف مجموعة من الأغانى التى ارتبطت بالوحدة العربية داخل العرض بالإضافة إلى أغنية «صباح فخرى» يا مال الشام والله يا مالى، وفقاً للأجواء المصرية السورية فى العرض، مع أشعار سيد حجاب فى مجموعة من الأغانى من ألحان ياسر عبدالرحمن إذ حاول أن يكون العرض استعراضياً إلى حد ما، فهناك بعض الاستعراضات، إذ يبدأ العرض من خلال رقصة شعبية مع أغنية «صبح الصباح والصباح لله» وأيضاً الاستعراض الذى جاء فى المشهد الأخير فى أمريكا، وظنى أن هذا العرض جاء فى لحظة حرجة يعيشها المواطن العربى وينطبق عليها قول الشاعر حافظ إبراهيم فى قصيدته الشهيرة، مصر تتحدث عن نفسها: «فى موقف تصعب الآراء فيه وعثرة الرأى تُردي» ليبعث بنداء للأمة العربية بهذا الخطر الأمريكى الإسرائيلى ونجح العرض فى تجسيد شخصية المواطن عصمت عبدالحق «نور الشريف» الذى صمد وقال «لا» وبذل حياته لترفع أسرته رأسها عالياً وقال للغولة عينك حمرا، وأظن أن هذا العرض يرغب فى أن يحث كل مواطن عربى على أن يقول للغولة عينك حمرا.. ولِمَ لا؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تُعد الدراما التركية اليوم واحدة من أكثر أنواع المحتوى الترفيهي انتشارًا في العالم العربي، حيث استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن...
لو كنت قرأت مذكرات المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف لعرفت المعاناة التي عاناها فنانو الواقعية، رغم أن ستديو مصر...
كريم عبد العزيز وأحمد عز الأبرز
رحل الفنان الكبير هانى شاكر، بعد رحلة كبيرة مع الفن والطرب والموسيقى...