السينما المصرية هى السجل المصور للمكان والناس منذ ظهورها فى مدينة الإسكندرية على أيدى الأخوين "لوميير"، لأن ظهورها جاء فى ظل وجود جاليات أجنبية أوروبية تحديدا، وفى ظل
السينما المصرية هى السجل المصور للمكان والناس منذ ظهورها فى مدينة الإسكندرية على أيدى الأخوين "لوميير"، لأن ظهورها جاء فى ظل وجود جاليات أجنبية أوروبية تحديدا، وفى ظل وجود جيش الاحتلال البريطانى والكفاح الشعبى الذى لم يتوقف لحظة منذ دخول قوات بريطانيا بلادنا فى 11 يوليو 1882، والطبقة المثقفة المصرية والطبقة الغنية عرفت فن السينما ووظفته لتحقيق المتعة والوعى بالقضية الوطنية، وكان "ستديو مصر" الذى أسسه "بنك مصر" مدرسة لتربية الكوادر السينمائية، فمن هذه المدرسة كسبت السينما المصرية المخرج القدير "صلاح أبو سيف"، وهو من ضمن المخرجين الذين اهتموا بالسينما الواقعية التحريضية المبسطة، بمعنى أن كل أفلامه تستطيع الوصول لجميع طبقات الشعب، حاملة خطابا وطنيا تحريضيا دون الإخلال بعناصر الفن السينمائى، ومن أمثلة ذلك فيلمه "ريا وسكينة"، الذى سرد قصة المجرمتين اللتين ارتكبتا جرائم قتل السيدات فى عشرينيات القرن الماضى، وهذا الفيلم تحريض على مقاومة الفساد وكشف للعصر الملكى "كان الملك فؤاد هو الجالس على عرش المملكة"، رغم انه لم يسرد القصة الحقيقية، لأنه اعتمد على ما نشرته الصحف آنذاك، ولكن اختيار الجريمة وتقديم البيئة التى شهدت تفاصيل القتل، هو إدانة للنظام الحاكم، وهذا الفيلم يختلف عن "لا وقت للحب" الذى يصور قصة كفاح الشعب المصرى فى أعقاب إلغاء معاهدة 1936 وتشكل كتائب الفدائيين فى منطقة القنال، وفيلم "القاهرة 30" الذى قام على رواية نجيب محفوظ، وهى الرواية التى قدمت صورة للمجتمع المصرى فى ظل الأزمة المالية العالمية، وهى الأزمة التى ترتب عليها انهيار شرائح اجتماعية وصعود أخرى، فالنظام الملكى المعبر عن "الارستقراطية الزراعية" المسيطرة على المجتمع جاء بديكتاتور مشهور فى التاريخ "إسماعيل صدقى" لينقذ كبار الملاك من آثار الأزمة المالية،على حساب الطبقات الشعبية، والرواية قالت بوضوح إن الطبقة السياسية الحاكمة بالتحالف مع الاحتلال البريطانى تسببت فى دهس كرامة وآدمية فقراء المدن والريف وصغار الموظفين، فظهر نموذج "سالم الإخشيدى" ونموذج "محجوب عبد الدايم" ونموذج "إحسان شحاتة"، وكان صلاح أبو سيف واعيا بالفن السينمائى والفن الروائى وواعيا بتحولات المجتمع، وعبر عن هذا كله بجمال وروعة فى فيلم من أهم الأفلام التى روت تاريخ نضال الشعب المصرى قبل ثورة 23 يوليو 1952، وكان نموذج "المناضل على طه" هو الصوت الذى حمل خطاب ورسالة المخرج والكاتب الروائى، وهو خطاب دعا بقوة لإعادة توزيع الثروة بما يحقق العدل الاجتماعى ويجعل المجتمع منتجا مستفيدا بكل طاقات القادرين على العمل والإنتاج من السكان، وكان صلاح أبو سيف بارعا فى اختيار الفنانين للقيام بشخصيات الفيلم "سعاد حسنى وتوفيق الدقن وعبد العزيزمكيوى وأحمد توفيق وحمدى أحمد ونعيمة الصغير وأحمد مظهر وعقيلة راتب وشفيق نور الدين"، وعموما يمكن القول إن فيلم "القاهرة 30" من الأفلام التى سجلت نضال الطبقات الشعبية المصرية فى ثلاثينيات القرن الماضى، ويعد وثيقة اجتماعية تحتوى تفاصيل المجتمع المصرى فى حقبة سياسية قاسية عنيفة.
عاطف الطيب يصور «الحقد الاجتماعى» فى فيلم الــــــــغيرة القــاتلة
الراحل الكبير "عاطف الطيب" مرت ذكرى رحيله منذ أيام "رحل فى يونيو 1995"، ورغم قصر عمره ترك تركة فنية رائعة، منحازة للوطن والكادحين والمنتجين والطامحين لحياة أفضل، ومن أفلامه المهمة "الغيرة القاتلة" ـ إنتاج 1982ـ الذى لم ينل شهرة كبيرة مقارنة بأفلام "سواق الأتوبيس، الهروب، كتيبة الإعدام"، لكنه فيلم بالغ الأهمية لأنه يورخ للزمن، زمن "الحقد الاجتماعى" الصارخ، ونقصد به زمن الفوارق الطبقية الكبيرة بين طبقات المجتمع، وهذا ما شهده المصريون فى سبعينيات القرن الماضى، بعد تهدئة للصراع الاجتماعى فى الحقبة "الناصرية"، وكانت التهدئة قائمة على تحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم للناس، وعدم السماح باتساع الهوة الطبقية، فكان أعلى دخل سنوى يقدر بالآلاف، لا الملايين ولا المليارات، وكانت هناك "طبقة متوسطة" يشع خيرها على الطبقات الفقيرة، فالمهندس والطبيب والمحاسب والعامل والفلاح، لا توجد بينهم فوارق مالية كبيرة، وبالتالى خفت حدة "الحقد الاجتماعى" بين الأفراد، ولكن حقبة "الانفتاح" خلقت فوارق طبقية فادحة وكراهية بين الناس، والفيلم "الغيرة القاتلة" عرض هذه القضية من خلال قصة المهندس العصامى الطموح "نور الشريف" والمهندس المحدود الدخل "يحيى الفخرانى" والفتاة الجميلة ابنة "ملاك الأراضى"، وكان المهندس الطموح قد استقال من الوظيفة الحكومية، وفتح شركة هندسية خاصة، وحاول الصعود الطبقى عبر الطريق المشروع المحدد بنصوص القانون، وحارب شبكة الفساد المسيطرة على الجهة الحكومية، واستطاع تدبير المال اللازم لتنفيذ مشروع "أمن غذائى"، وقبل بداية العمل، كانت "الغيرة والحقد" فى نفس المهندس المحدود الدخل، تعمل لهدم نجاح المهندس الطموح، فلفق قصة خيانة لزوجة الرجل، وفرق بينه وبين شريكه، ووضعه تحت ضغوط نفسية رهيبة، ورغم انكشاف خطته، إلا أن المهندس الطموح عاش لحظات قاسية، وحاول قتل زوجته بسبب كلام حقير كاذب نقله عنها المهندس محدود الدخل، الذى قدم شخصيته بنجاح الفنان "يحيى الفخرانى"، ورغم "المصالحة" التى تمت فى نهاية الفيلم، وإنقاذ الزوجة من الموت، وافتضاح أمر المهندس الكذاب الحاقد، إلا أن البطل "نور الشريف" ـ المهندس الطموح ـ قال بالنص "العيب مش عليه، العيب على الزمن"، والجملة معناها واضح، وهو اتهام مباشر لزمن الانفتاح الاقتصادى الذى هدم المجتمع، لصالح فئات المهربين واللصوص والفاسدين فى الجهاز الحكومى، ومن المهم التوقف أمام أداء الفنانين المشاركين فى هذا الفيلم، كلهم كانوا بارعين فى رسم الشخصيات التى أدوا أدوارها، وكان الأبرع والأمهر هو "عاطف الطيب" رحمة الله عليه.
عبد السلام محمد.. فرفورالمسرح وفلاح التليفزيون
الفنان الراحل "عبد السلام محمد" من مواليد 1934، وتوفى فى 1992، وتخرج فى المعهد العالى للفنون المسرحية فى 1959، والتحق بالمسرح القومى فى ستينيات القرن الماضى، وهى الحقبة التى شهدت ازدهار المسرح والفنون جميعها، لأن ثورة يوليو كانت تبنى قواعد للثقافة الوطنية، وهى التى أنشأت "وزارة الثقافة" لأول مرة فى تاريخ الحكومات المصرية، وأنشأت هيئات للإنتاج السينمائى، وأنشأت "التليفزيون"، ونهضت بجميع وسائل التثقيف، وكان "عبد السلام محمد" واحدا من فرق فنية كثيرة ظهرت فى المجتمع المصرى، ويقول عنه الناقد "محمود عبد الشكور" فى كتابه "وجوه لا تنسى": فرصة العمر للفنان عبد السلام محمد جاءت له مع المخرج "كرم مطاوع" عندما أسند إليه دور "الفرفور" فى مسرحية "الفرافير" للكاتب الكبير "يوسف إدريس" التى كانت حديث مصر كلها فى عام عرضها على المسرح، وكأن الدور كان مكتوبا ليقدمه "عبد السلام"، ومازلت أذكر مسلسل "قهوة المعلم" حيث كان يقدم دور الصبى، ودوره فى مسلسل "نجم الموسم"، ورغم أهمية ما ذكره الناقد ـ محمود عبد الشكور ـ إلا أننى أتذكر له لقطات فى فيلم "ضربة شمس"، لما قدم شخصية "الطبال" المرافق للراقصة "نجوى فؤاد"، ولقطات فى فيلم "دائرة الانتقام" لما قدم دور"النشال"، ولكن الحضور الأجمل له كان مع الفنان الراحل "محمد رضا" من خلال إعلان توعية بخطورة "البلهارسيا" فى ثمانينيات القرن الماضى على شاشة التليفزيون المصرى، كان يقوم بدور الفلاح المصاب بالبلهارسيا، وكان أداؤه جميلا، وحقق شهرة جماهيرية واسعة، ومن تاريخه الفنى ظهوره فى مشهد وحيد مع الفنان إسماعيل ياسين فى فيلم "المجانين فى نعيم"، ودوره المهم رغم قصره فى مسلسل "الأيام" حيث قام بدور"العريف" ـ مساعد شيخ الكتاب ـ مع الفنان "على الشريف"، وكان رحمه الله صاحب حضور كبير وقدرة على جذب العين والاستقرار فى ذاكرة المشاهدين.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الذين عاشوا فى العالم الافتراضى
الكتابة عن الشاعر الفنان الكبير صلاح جاهين فرض وواجب على كل كاتب وطنى، لأن هذا الشاعر كان صوت الشعب وضمير...
حول "ستيتش هيد"، الوحش اللطيف المصنوع من الخردة، وهو من ابتكار العالم المجنون الذي يصنع الوحوش فى قلعة جروتيسكيو، ويعمل...
قصة صداقة نادرة بدأت فى الكلية الحربية وتعمقت فى «منقباد» عبد الناصر يعمل مدرب ملاكمة للضابط الشاب أحمد مظهر مصادفة...