بيرم التونسى شاعر يؤرخ لوجدان الشعـب المصرى

فى شعر بيرم التونسى تأريخ للحياة المصرية فى الفترة التى عاشها «4 مارس 1893 - 5 يناير 1961»، ولا أقصد التأريخ للأحداث المتعارف عليها، لكنه تأريخ شعرى لروح الشعب المصرى

فى شعر بيرم التونسى تأريخ للحياة المصرية فى الفترة التى عاشها «4 مارس 1893 - 5 يناير 1961»، ولا أقصد التأريخ للأحداث المتعارف عليها، لكنه تأريخ شعرى لروح الشعب المصرى من خلال تفاصيل حياته اليومية وما فيها من عادات وتقاليد، مستعيناً بأسلوب «البارودى» المحاكاة التهكمية فى نقد أفعال وظواهر راسخة فى المجتمع المصرى من خلال قالب السرد القصصى والبناء الدرامى المحكم.

بيرم التونسى -الذى تحل ذكرى مولده هذ الشهر- كنت وما زلت كلما قرأت أشعاره أشعر أن اللغة كانت طيعة فى فمه تهرع إليه حين يطلبها دون عناء، كلمات مصرية خالصة تجسّد لغة الشعب وقتذاك، بل روح اللغة المصرية، تهرع إليه من الشوارع والحارات والمقاهى، من أفواه البؤساء والجوعى، حتى من عند اللصوص والمحتالين، فلم يكن هذا الشاعر العظيم يعنيه أن يكون شاعراً أنيقاً صاحب أسلوب من النخب «رغم أنه صار صاحب أجمل أسلوب»، كان يعنيه أن يكتب شعراً للناس، فعلى الرغم من النجاح الساحق الذى حققته قصيدة «المجلس البلدى» التى كتبها باللغة الفصحى، وكان يصف نفسه ويشير إليه الناس بصاحب قصيدة «المجلس البلدى»، إلا أنه اتجه إلى الشعر العامى، إلى الزجل، لأنه كان يعرف أن 95% من المصريين فى بداية القرن العشرين لا يجيدون القراءة والكتابة، فلم يكن مجرد شاعر عامية أو زجّال كبير، فقبله وبعده كثيرون لكنه وضع قاموس الشارع المصرى بكل أطيافه فى قصائده، مما دفع أمير الشعراء أحمد شوقى أن يخشى على الفصحى منه، وهذه الخشية من جماليات شعر بيرم التى دفعت الجميع -حتى أعداءه- لحفظ شعره، فقد كانت الكلمات تذهب إلى قصائده عارية تماماً من كل زخارف البلاغة تذهب بكامل مشاعرها، وكانت اللغة تطيعه لأنه عاش حياة ثرية حقيقية مؤلمة ما بين القاهرة والإسكندرية وباريس وليون ومارسليا وتونس، وسوريا، وكان إلى جانب اللغة الفرنسية يتقن اللهجات الصعيدى، والبدوى، واللهجة التونسية.

لقد قاسى بيرم التونسى فى حياته كأحد أبطال المآسى الكبرى منذ طفولته وحتى موته مروراً بكل مراحل حياته، حيث بدأ رحلة الشقاء فى سن مبكرة ليعمل فى عشرات الحرف بدأت بصبى البقال، ثم تجارة السمن والجبن فى الإسكندرية، وفى مرسيليا عمل فى مصانع الصلب، ثم شيالاً يحمل صناديق البيرة وحقائب المسافرين فى مدينة ليون، ثم عمل فى شركة للصناعات الكيماوية وكان هذا بمثابة انتحار بطىء وتم نقله إلى المستشفى بعد أن سقط مريضاً، وبعدها عمل فى مصنع للحرير الصناعى ويمرض مرة أخرى نتيجة للغازات الخانقة، ويتم فصله فى النهاية، كل هذه الأعمال فى مدن وحرف مختلفة، جعلته رغم قسوتها منبعاً لا ينضب من التجارب الثرية والشخصيات الحية التى كانت تزخر بها قصائده، فالحياة عند بيرم التونسى، رحلة للبحث عن الحياة، سلسلة من التجارب الفاشلة فى مظهرها، وكأنه ممثل أدى عشرات الأدوار على مسرح الحياة بحثاً عن الدور المناسب، وكان أداءً شاقاً وصعباً، فقد فشل فى دور التلميذ فى الكُتّاب، ثم فى دور البقال، وفشل فى دور تاجر السمن ولكنه نجح نجاحاً مدوياً فى دور الشاعر حين كتب أولى قصائده لينتقم من المجلس البلدى، ولعب دور الصحفى فى مصر وباريس، حيث بدأ فى الإسكندرية بمطبوعة أطلق عليها «المسلة - لا جريدة ولا مجلة» حتى يهرب من التصريح وكان يوزعها بنفسه بعد أن كتبها بنفسه أيضاً وكتب على الغلاف العدد الأول بقلم محمود بيرم التونسى صاحب قصيدة المجلس البلدى ثم ذهب بها إلى القاهرة. وفى العدد الثانى اتهمه الشيخ محمد بخيت مفتى الديار المصرية بالإلحاد والكفر، بعد أن هاجم تجار الدين والتدين الزائف فى أزجاله، وفى العدد 13 هاجم الملك فؤاد وابنه فاروق، فتم إغلاق «المسلة» على الفور، وحاول بيرم إصدار أخرى «الخازوق» وأصدر منها عدداً واحداً وبعدها تم نفى بيرم حتى عام 1939، وتقريباً حارب بيرم الجميع، كان ضد العالم، الملك والإنجليز والحكومة وتجار الدين والنصابين وأهل المغنى، والفنانين، كان ضد العالم، وهذا ما يخبرنا به فى شعره «يا أهل المغنى دماغنا وجعنا دقيقة سكوت لله» وهاجم الفن قائلاً «الفن فى الشرق منه قلبنا ممغوص، من كتر ما بيجلب الأوخام والأوجاع، أصبح هلاهيل لابسها مُدعى بلبوص على المسارح وع الشاشة، وفى المذياع»، لدرجة أنه كتب يقول «أهل الفنون كلها يلزمها تتربى» هذا عنوان قصيدة وفيها «بقت صناعة الأدب يا مؤلفين إجرام، أمريكا شبعت علينا ضحك وأوروبا»، لم يكن راضياً عن المجتمع، ربما حالة المرارة والأسى التى خلفتها سنوات المنفى ورغبته العارمة فى العودة جعلته ناقماً على المجتمع.

فى شعر بيرم التونسى ليس فقط تاريخ وجغرافيا، سياسة، عادات، تقاليد، بل تشاهد فيه الشوارع والحارات والبيوت، بل وسكانها من الداخل وملابسهم وطعامهم والأثاث والحيطان وأحزانهم وضحكاتهم، فقد رسم بيرم التونسى صورة حية، بل قُل مئات الصور الوصفية، والمشاهد الدرامية للمجتمع المصرى فى كل جوانبه، رسمها بالكلمات من خلال انفعاله بتفاصيل الحياة اليومية، فمن يقرأ شعر بيرم التونسى يمكنه دراسة الأزياء التى كان يرتديها المصريون على اختلاف الطبقات الاجتماعية التى ينتمون إليها فى ذلك الوقت، كما يمكنه أن يتعرف على أنواع الأطعمة وطريقة تناولها، وأيضاً العادات والتقاليد فى الزواج والطلاق والأفراح والأحزان، حيث أخذ على عاتقه منذ أول قصيدة كتبها «المجلس البلدى» تسجيل أمراض المجتمع المصرى ورصد مشكلات المواطن وهمومه، فلم يترك وظيفة أو حرفة أو ظاهرة إلا تناولها فى شعره. «شاعر فى الشعر متين، يعمل أشعار لبرابرة، وصعايدة وفلاحين، وتلامذة وأزهرية وخواجات ومفتشين»

رسم بيرم التونسى من خلال أشعاره صورة وصفية للمجتمع المصرى فى النصف الأول من القرن العشرين، وكأنه المؤرخ عبدالرحمن الجبرتى ولكنه يؤرخ للمجتمع المصرى بالشعر ومن خلال تفاصيل الحياة اليومية وعادات وتقاليد الشعب المصرى وقتذاك، أذهلنى قدرته على رصد كل ما يحدث فى المجتمع فى تلك الفترة، وكنت أتخيله جالساً على كرسى أمام مقهى، يشاهد المارة ويكتبهم، كتب عن التليفون، البوسطة، الترام، الحرائق، السيارات، الميكروفون، الفوضى، المجارى، الغش فى بيع الدجاج، فساد الموظفين، الزواج والطلاق، مواسم الحج والنصابين، فلوس الست، روتين الحكومة، دوسيهات الدواوين، التحرش الجنسى، وعشرات القصائد التى ترصد أمراض المجتمع المصرى، وكان نقد بيرم التونسى للمجتمع بعين المحب «يا مصرى أنت اللى هاممنى من دون الكل/ هزيل ويحسبك الجاهل عيان بالسل» وفى قصيدة «حاتجن يا ريت ياخوانا مارحتش لندن ولاباريز» لا يكتفى فقط بالتهكم على أفعال المصريين مقارنة بما شاهده فى باريس، بل يبكى ضياع الهوية المصرية فى الملابس «ولا شفتش ده اللى بلاسه وده بطربوش/ ملابسنا يا ناس تشكيلة تعد أصحابها مايتعدوش» هذا الوعى بالهوية المصرية كان ملمحاً رئيسياً فى شعره، وفى قصيدة أخرى يهاجم الانسحاق أمام الموضة الباريسية، «باريس تقول قصّروا الفساتين نقصّرها/ ترجع تقول طوّلوا، حالاً نجرجرها/ وفى الشتا -قوروا القمصان نقوّرها/ وفى الصيف زرروا الأرواب نزررها» ولأنه قاسٍ فى حياته كثيراً كتب عن البؤساء بشعور نبيٍّ يرثى لحال الإنسانية، ففى قصيدة «الطريق» يرثى لحال بائعة حلوى «أربع عساكر جبابرة يفتحوا برلين/ ساحبين بتاعة حلاوة جاية من شربين/ شايلة على كتفها عيل عينيه وارمين/ والصاج على مخها يرقص شمال ويمين».

وفى قصيدة الخدامة «سبع سنين عمرها جايبنها من سنباط / تخدم تلاتين نفر ساكنين فى سابع كاط «طابق» / هانم عجوزة تسوق الخدامين بسياط / علشان لمونة تنزلها سبع أشواط/ وتحطها نص يوم تغسل فى صحون وبلاط». ولا ينسى «بائعة الفجل» «بياعة الفجل أحسبها من الأبطال / اللى لهم فى المداين يتنصب تمثال/ فى الليل وفى شهر طوبة، والهوا قتّال والناس فى نومة وبتنادى على الأكال / راضية برسمال ومكسب كله ربع ريال / منه الغدا وأكلها هى وست عيال». أما رائعته قصيدة العامل المصرى «ليه أمشى حافى، ونا منبّت مراكيبكم/ ليه فرشى عريان، ونا منجّد مراتبكم / ليه بيتى خربان ونا نجّار دواليبكم / هى كده قسمتى؟ الله يحاسبكم».! فهى تصلح مانيفستو لفلسفة العدل والمساواة بين الناس، وظنى أن فلاسفة الاشتراكية لو قرأوا هذه القصيدة لكانوا وقفوا احتراماً وتقديراً لفيلسوف كتب كل نظريتهم شعراً فى بضعة سطور.

كانت لديه قدرة فائقة على كتابة الصور الوصفية ذات البناء الدرامى المحكم، وهى مشاهد مسرحية قصيرة، حوارية كأنه يعزف فيها بالكلمات، وأنت تقرأ تشعر أن الكلمات ترقص فى هذه القصائد وتكاد تسمعها وتشاهد فيها الحركة والملابس، لذلك كان الناس يتقبلون نقده ويحفظونه، وجاءت أغلب قصائده مشاهد مسرحية قصيرة من الشارع ففى قصيدة «فايقة وذكية» على سبيل المثال وهى حوارية بين فتاتين:

«أنا ح افتح الشباك يا زكية، دى طراوة وساعة عصرية / شوفى ياختى الناس رايحة وجاية والعربيات المليانة»، وترد زكية: «حلاوة بيتكم ياختى يافايقة عاشارع له شكل وهيأة / ياما بابقى ف بيتنا متضايقة، كدا وحدى وقاعده طهقانة»، ثم تبدأ كل منهن تصف ما تشاهده من النافذة «الشيخ دا أبوجبة طرابيشى، وحزام متدلدل مناويشى، جاء خطبنى وبابا مارضيشى، قال مارضيش يسكن ويانا». وتتوالى المشاهدات بالوصف والتعليق على المارة التى ينقل من خلالها الشاعر صورة وصفية للشارع المصرى، وفى النهاية تقول فايقة لزكية فى نهاية المشهد: «خشى أحسن بابا أهو جا يشوفنا، من راس الشارع يكشفنا وابات أنا وأنتى زعلانة».. ليرسم أيضاً صورة للنساء فى عصره ويتكرر هذا فى قصائد أخرى مثل «أم فايق، جوز فهيمة، العيون» وأيضاً يغازلهن فى عشرات القصائد غزلاً لا يخلو من فلسفة عميقة فى قراءة لغة العيون «من العيون يا سلام سلّم شوف واتعلم، تحت البراقع تتكلم والدنيا نهار/ عيون بسر الحب تبوح كا بالمفتوح، وتعرف القلب المجروح ما عليهش ستار/ عيون ما تعرف زعلانة أو فرحانة، صباح مسا أهى سهتانة صاحبة أفكار».

لقد عاش ليصف هذا الشعب وحياته ويحفظه فى نصوصه، فى الشعر، المسرح، فى المقامات، وأنا أصدّقه حين قال «يا مصرى أنت اللى هاممنى».. وفى النهاية لخص محمود بيرم التونسى حياته فى سطور قليلة «حياتى أكتبها فى ثلاثة سطور.. الأولة.. مصر قالوا تونسى ونفونى، والتانية.. تونس وفيها الأهل جحدونى، والثالثة باريس، وفى باريس جهلونى».

 


 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

هوليوود تحتفى بالسينما: ليلـة أوسكارية تعكس نبض العالم

شهدت الدورة الثامنة والتسعون من جوائز الأوسكار ليلة سينمائية حافلة بالإنجازات واللحظات اللافتة فى مسرح دولبي فى هوليوود،

«الخرتيـة» حلـم لـم يكتمـل لـ «زكى فطين عبدالوهاب»

10 سنوات قضاها «زكى» فى كتابة السيناريو.. وكان يفترض تنفيذ الفيلم بـ«منحة فرنسية» «شاهين»: رشحتك مدير مواقع التصوير بـ«المهاجر».. ومستنى...

الشيخ محمد صديق المنشاوى يروى حكايته مع القرآن وحـكاية عائلته معه

لا يحتاج الشيخ محمد صديق المنشاوى تقديماً، هو من أصحاب المدارس فى التلاوة، رغم انتساب مدرسة المنشاوية لوالده الشيخ صديق،...

نجوم الفن يتحدثون عن عودة «الجوكر» للإذاعة

بعد سنوات من الغياب، عاد الفنان الكبير محمد صبحى ليطل على جمهوره في  موسم رمضان 2026 من خلال المسلسل الإذاعى...