عصام الشماع:أنا أول من بدأ كتابة«أيام السـادات»وانشغلت عنه بـ"توت توت"

فى الحلقة الأولى من مذكراته، يروى المخرج والسيناريست والمثقف الكبير د.عصام الشماع، لـ«الإذاعة والتليفزيون»، تفاصيل وأسرارا تنشر لأول مرة، عن جيل الستينات، وكيف تأثر

فى الحلقة الأولى من مذكراته، يروى المخرج والسيناريست والمثقف الكبير د.عصام الشماع، لـ«الإذاعة والتليفزيون»، تفاصيل وأسرارا تنشر لأول مرة، عن جيل الستينات، وكيف تأثر بنكسة 67، وكيف تأثر كذلك بالاتجاه الاشتراكى فى أفلام المخرج الكبير الراحل توفيق صالح، وكل من الكبيرين يوسف شاهين وصلاح أبوسيف، وكيف أحب الفن وهو الطبيب الجراح. تحدث الشماع عن جيله، جيل الستينات، واصفا تلك الفترة بالـ«رائقة»، شارحا أنه ومعه جيله فى تلك الفترة كانت حركتهم فى الحياة حركة منتظمة، من خلال قوانين حاسمة، كما كانوا يشعرون بأن الدولة شريكتهم فى الحياة، بمعنى أنهم فى المدرسة مثلا كانوا يحصلون على وجبات كـ«الجبنة الصفراء»، كما كان هناك التأمين الصحى، بالإضافة إلى وجود تأمين صحى آخر بالوحدات الصحية، ويقول: «كانت هناك حالة من النظام والاعتناء من الدولة بالمواطن، حتى للطبقة الأقل من الوسطى، فأنا كنت على سبيل المثال أنتمى لطبقة الأفندية، لكنهم فقراء، أو التى كانوا يطلقون عليهم لقب «المطربشين»، وهم الذين كانوا يرتدون الطرابيش فى الأربعينات من القرن الماضى.

أضاف الشماع شارحا أنه وجيله كانوا يشعرون بأن عائلاتهم سعيدة، وهذا الشعور كان يأتيهم لأنهم يحسون بالنظام كأول انطباع لهم، ولأنهم يعيشون فى مجتمع منظم جدا عكس الآن، ليس منظما فقط بل كان آمنا أيضاً، وهذا الشعور كان يتسلل لهم منذ لحظة ذهابهم للمدرسة حتى خروجهم منها.

ويكمل: «أهم ما ميز فترة الستينات من القرن الماضى الفنون والطفرة الكبرى التى كانت موجودة بها، فالسينما على سبيل المثال كانت رخيصة تذكرتها بـ3 صاغ، وحينما ارتفع سعرها أصبحت بـ3.5 صاغ، وانخفاض سعر التذكرة جعل مشوار السينما عادة أسبوعية وأحيانا أخرى أكثر من مشوار».

ويضيف: «على جانب آخر كان التليفزيون بدأ البث، كما أن الدولة كانت توفره فى النوادى والحدائق العامة، فى حالة أن الأسر لم تستطع توفيره لأبنائها، والإذاعة هى الأخرى كانت فى أوج عظمتها فى ذلك التوقيت، فكنا نستمع لبرامج موجهة عن الصحة والتعيم، والصناعة، والإنتاج، أو ما كان ما يسمى ببنود الميثاق، وأناشيد المدرسة كانت كلها عن العمل وأهميته ومعانى الانتماء، وما كنا نسمعه فى المدرسة نراه فى الحقيقة، فمثلا كنا نسمع عن توفير فرص للعمل وأصبحنا نرى ذلك يتحقق فى أقارب لنا. والحارة الشعبية كانت منظمة جدا وتسير على نفس نهج المجتمع المنظم، فمثلا الأطفال ينزلون للعب من الساعة 5 لـ7 مساء، ثم يصعدون لمنازلهم، وكأن هناك اتفاقا مسبقا على هذا، فالقانون كان يحكم الحكاية من الصباح حتى المساء.

وأشار إلى أن الأمان، والنظام، والمتعة، أشياء كانت موجودة بطفولته فى فترة الستينات، كما كانت هناك علاقة مباشرة مع أهله، ليس هو وحده بل كل جيله، وتلك الأشياء من أهم سمات فترة الستينات، ومن ملامح تلك الفترة أيضاً أنهم لم يكونوا يشعرون بفوارق شاسعة بين الأغنياء والفقراء. ويشرح الشماع قائلا: «كان لى أقارب من الأغنياء، لكن الفوارق التى بيننا كانت بسيطة، عندهم تليفزيون مثلا وإحنا ماعندناش، عندهم تليفون وإحنا ماعندناش، فالفوارق ليست ضخمة، هم يعيشون فى شقة إيجار وإحنا برضه ساكنين فى شقة إيجار»، وأحيانا الرئيس جمال عبدالناصر يتخذ إجراء بترخيص الإيجارات، فكل عائلة توفر بين 2 و3 جنيهات، فيبدأون بشراء لحمة.. مثل هذه الأشياء كانت تظهر لنا ونشعر بها».

يرى الشماع أنه اثناء طفولته كان البلد فى حالة من الفرح، كما كانت هناك ثقافة حقيقية، فالشباب تجد معهم كتبا وروايات مترجمة، ويقول: «هذا الاتجاه كان منتشرا وسائدا فى تلك الفترة، وأصبحت هناك سخرية من هؤلاء الشباب فى أفلام السبعينات.. كانوا «بيتريقوا على المثقف»، تلك الشخصية التى كانت موجودة بكثرة شديدة أيامنا وعلى جيلى، ففى كل بيت كان لابد أن تجد شخصا مثقفا لأقصى درجة، وذلك بفعل المناخ السائد وقتها الذى كان يشجعنا على الثقافة والقراءة بشكل عام، فالثقافة كانت وقتها جزءا من التباهى لدينا كشباب قرأنا أعمالا لكل من طه حسين، والعقاد، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وزكى نجيب محفوظ، بل كنت تجد حتى أفلام الستينات من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، أى الدولة، وكذلك لمنتجين قطاع خاص أغلبها مأخوذ عن نصوص أدبية كـ«دعاء الكروان»، وغيره من الأفلام العظيمة، كان هناك اقتراب بين الفنون والثقافة، وهذه هى النقطة التى فقدناها تماما.

ويضيف: «كانت هناك مكتبات فى كل المدارس دون استثناء، وكذلك كنا نأخذ دروسا للموسيقى، فأنا شخصيا تعلمت العزف على إحدى الآلات فى المدرسة، كما كانت هناك فرق رياضية، وتقام مسابقات بها منافسات حقيقية بين الطلبة من جميع أنحاء الجمهورية».

ويستدرك الشماع قائلا عن تلك الفترة: «كما توجد مميزات توجد مساوئ، والشىء الذى نغص علينا تلك الحياة، أنه كانت هناك محدودية كبرى فى الاستهلاك، على سبيل المثال (مافيش غير شقة الفول) كما كنا نطلق عليها.. لم يكن اسمه ساندوتش وقتها، وفى فترة الغداء نأكل البطاطس ولا يوجده غيرها، أو باذنجان.. كنا نعيش فى كنف دولة قوية لكنها لا توجد بها فلوس، وبالتالى لا يوجد بها أى بذخ، فالأكل كان بسيطا، والخيارات كانت محدودة جدا، لم تكن لدينا رفاهية فى الأكل والاستهلاك عكس الآن، فالاستهلاك كان محدودا لأن دخل المواطن كان محدودا، لذا لم تكن هناك أى فوارق طبقية كبرى كالتى تتواجد الآن، لسبب بسيط وهو أن الخيارات كانت محدودة على الكل، وليس على فئة دون الأخرى.

وأوضح الشماع أن الثقافة كانت وما زالت هى ما يشغله هو جيله حتى الآن، وبشكل خاص قراءة الكتب، ومتعتها ظلت ترافقه من طفولته حتى الآن، وأضاف: «قرأت للأديب الكبير توفيق الحكيم وعمرى 11 سنة، وكذلك قرأت لكل من عميد الأدب العربى طه حسين، والعقاد، وقرأت لسارتر وأنا فى المرحلة الإعدادية، وما زلت أذكر اسم مترجم تلك الأعمال وهو عبدالمنعم الحفني، كما قرأت فى هذه السن لألبير كامى، كل هذه القراءات فى وقت مبكر من حياتى، هذه السمة الرئيسية ليست لى وحدى، بل لجيلى كله».

أما عن تأثير النكسة على جيله وشعوره وقتها فقال الشماع: «ولا حاجة.. كنا مدركين تماما لها»، فنحن تأثرنا أكثر بخطاب تنحى الرئيس عبدالناصر.. (ده كان يوم أسود).. بل كان أسوأ من النكسة، لأنه كان يمثل لنا الأب، وكنا (خايفين على أبونا اللى قرر يمشى مش أكتر)، فنحن شعب عاطفى جدا، فهو كان رئيسا وقائدا حقيقيا، بدليل جنازته الموجودة على موقع يوتيوب، سترى حب الناس له وخروجها لوداعه، فالناس خرجت بدافع الحب وليس أى شىء آخر.

وحول السينما وكيف تأثر بها يقول: «تأثرت بأفلام للمخرج الكبير الراحل توفيق صالح من بينها فيلمه «صراع الأبطال» مثلا، وكذلك أعجبت بالاتجاه الاشتراكى فى تلك النوعية من الأفلام، كما تأثرت بنوعية أخرى كفيلم «بداية ونهاية» للمخرج الكبير الراحل صلاح أبوسيف، وبنوعية الأفلام الخفيفة، التى كانت مبهجة وقتها كفيلم «شباب مجنون جدا» لسعاد حسنى وثلاثى أضواء المسرح وإخراج نيازى مصطفى، أو فيلم آخر اسمه «شاطئ المرح» لنجاة وحسن يوسف وغيرهما من هذه النوعية من الأفلام.. بجانب تأثرى بأفلام المخرج الكبير يوسف شاهين.. وهذا كله ولم أكن أعرف أننى سأصبح فيما بعد سينمائيا».

ويكمل: «أعترف بأننى لم أبدأ كسينمائى، إنما بدأت كأى شاب مثقف فى الكلية، فقد كنت مشهورا بالمثقف، أى اشتهرت بالثقافة وليس الفن، وأسهمت أثناء دراستى الجامعية فى إنشاء «الجماعة الأدبية»، حتى أصحابى كانوا ولا يزالون يقولون عنى «طول عمرك المثقف بتاعنا»، كان هناك اختراع اسمه «المثقف»، فأنا فى سن مبكرة انتهيت من قراءة أعمال ابن خلدون، وابن تيمية، وغيرهما، وهناك سر أقوله لك وهو أننى لم أكن أحب السياسة، فكنت قارئا لـ«هيجل» الفيلسوف الألمانى الشهير من خلال كتاباته عن نظرية التاريخ وغيرها، ولم أكن أهوى «كارل ماركس»، كما قرأت لـ«سارتر» الفيلسوف والأديب الفرنسى بعمق شديد، فلم أكن من هواة الثرثرة السياسية الماركسية».

وأوضح الشماع قائلا: «قد تكون الصدفة لعبت دورا فى حياتى، حيث إننى كتبت الحوار لأول مرة لمسرحية بترشيح من صديق شاعر لى، عرضت بمقر حزب التجمع، فى أوائل الثمانينيات بداية حكم الرئيس الراحل محمد حسنى مبارك، ومن وقتها «تقدر تقول إن أصدقائى اكتشفوا أننى باعرف أكتب حوار كويس»، ثم أصبحوا يدفعوننى كى أكتب دراما، وأعترف بأن كل ما كان فى ذهنى وقتها «الثقافة والطب» فقط، ولا شىء آخر، ثم تعرفت بعد ذلك على المخرج الكبير محمد فاضل، حيث عرضت عليه قصة الفيلم التليفزيونى فيما بعد «طالع النخل»، فقرأها وأعجب بها جدا، بعد ذلك قلت له «سيبنى أجرب أكتب السيناريو لها»، فقال لى «جرب»، وبالفعل كتبت قصة وسيناريو وحوار الفيلم، ولعب بطولته فردوس عبدالحميد، وصلاح السعدنى، وأحمد راتب، وعبدالله محمود، وغيرهم».

ويواصل: «من هنا كانت انطلاقتى فى عالم السينما والفن، بسلسلة أفلام مثل «الأراجوز» لعمر الشريف وميرفت أمين وإخراج هانى لاشين، ثم «كابوريا» لأحمد زكى ورغدة وحسين الإمام وسحر رامى إخراج خيرى بشارة، ثم «توت توت» لنبيلة عبيد وسعيد صالح، إخراج عاطف سالم، و«دنيا عبدالجبار» لمحمود عبدالعزيز وإلهام شاهين، ووحيد سيف، وصلاح قابيل، وحمدى الوزير، ومحمد كامل، وإخراج عبداللطيف زكى، وكذلك فيلم «النمس» لمحمود عبدالعزيز، ونهلة سلامة، وفؤاد خليل، وحسين الإمام، وسامى سرحان، ثم «الجنتل» لمحمود عبدالعزيز وإلهام شاهين، وبوسى، وسامى سرحان، وفؤاد خليل وإخراج على عبدالخالق. هذه هى المنطقة الأولى لى قبل دخولى لعالم التليفزيون».

وعن فيلمه الشهير «الأراجوز» لكل من النجمين عمر الشريف، وميرفت أمين، يقول الشماع: «الفيلم بالكامل من تأليفى، وليس كما تردد أننى كتبت منه 30 مشهدا فقط، فالناس يمكن أن تعود لما هو مكتوب على التترات، أما قصة أننى كتبت 30 مشهدا فقط «فدى قصة عبيطة»، فهناك تتر توثيقى مكتوب عليه فكرة وإخراج هانى لاشين، وتأليف فلان «اللى هوه أنا»، وأقول لك شيئا آخر وهو أنه من الطبيعى أن يكتب اسمى معالجة سينمائية وسيناريو وحوار، لكنى وضعت بمرتبة أعلى، لذلك كُتب «تأليف عصام الشماع»، وهناك شائعة أخرى لا أعرف مصدرها بأننى كتبت أغانى الفيلم، وهذا ليس صحيحا، فقد كتبها شاعرنا الكبير الراحل سيد حجاب».

أما عن فيلمه الأجرأ والمختلف «كابوريا» لأحمد زكى، ورغدة، إخراج خيرى بشارة، الذى كتبه بعد «الأراجوز» مباشرة، فقال الشماع: «أحمد زكى لم يكن خائفا من اللوك الذى ظهر به، بل كان معجبا بشخصية «هدهد» لاختلافها وتميزها، لكن الخلاف كان بينى وبين المنتج حسين الإمام والمخرج خيرى بشارة على النهاية، حيث قالا لى «خلى هدهد ياخد الفلوس ويمشى.. وفيها إيه لو خدها؟»، لكننى رفضت أن أنصاع لهما ورفضت تعديل النهاية، وجعلت البطل يرفض أن يأخذ الفلوس، كى ينتصر أخلاقيا على الأقل».

وأشار إلى أنه جمعته بعد هذا الفيلم أحلام وطموحات بفتى الشاشة الأسمر أحمد زكى، لكنهما لم يوفقا فى أن تخرج هذه الأحلام للنور. وقال الشماع: «أقول لك سرا ينشر لأول مرة، وهو أننى من أوائل الناس التى شرعت فى كتابة «أيام السادات» لأحمد زكى وميرفت أمين، قبل عدد كبير من الكتاب مثل إبراهيم عيسى، والكاتب الكبير الراحل على سالم، وعلى بدرخان، وآخرين، وبالفعل بدأت كتابة الفيلم والسيناريو بناء على طلب من أحمد زكى، وأذكر أيضاً أنه هو الذى اشترى لى كتب السيدة الراحلة «جيهان السادات»، لكنه لم يسأل مرة أخرى، وأنا لم أسأل، رغم أننى كتبت «شوية حلوين» من السيناريو، ربما يكون عدم سؤالى بسبب انشغالى بالتحضير لفيلم «توت توت» لنبيلة عبيد وسعيد صالح، وإخراج عاطف سالم».

وعن هذا الفيلم يقول: «كان من المفترض أن يكون مخرجه حسين كمال، فأنا طرحت اسمه وطلبت ذلك من الشركة المنتجة، لكنه كان على خلاف مع نبيلة عبيد، فاعترضت، ثم اقترحت عاطف سالم بدلا منه، وبالفعل تولى هو إخراج الفيلم». أما بشأن نسبة رضاه عن الفيلم فى النهاية، فأشار الشماع إلى أنه راض عنه بنسبة كبيرة، لأنه نجح تليفزيونيا جدا فى النهاية.

فى الحلقة القادمة يتحدث المثقف الكبير د.عصام الشماع عن سر الرقم «3» فى حياته، حيث قدم 3 أفلام بطولة محمود عبدالعزيز، وهى بالترتيب «دنيا عبدالجبار» من إخراج عبداللطيف زكى والذى يعد تجربته الوحيدة مع الموسيقار الكبير الراحل بليغ حمدى.. ثم «الجنتل» و«النمس»، للمخرج على عبدالخالق الذى قدم معه فيلما ثالثا هو «راندفو» لسمية الخشاب.. ويواصل سرد حكايات وكواليس تنشر لأول مرة عن عدد من أفلامه مثل «مجانينو»، و«كروانة»، و«علمنى حبك»، و«الجنتل»، كما يتحدث كذلك عن تجربته الوحيدة مع الموسيقار الكبير الراحل بليغ حمدى.

 


 	أشرف شرف

أشرف شرف

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

انتصار الصورة على الأصل فى مسرحية «فومو»

الذين عاشوا فى العالم الافتراضى

صلاح جاهين.. شاعر كبير أحَبّ الشعب والفن وثورة يوليو

الكتابة عن الشاعر الفنان الكبير صلاح جاهين فرض وواجب على كل كاتب وطنى، لأن هذا الشاعر كان صوت الشعب وضمير...

فيلم Stitch Head يحتفى بالحب والصداقة

حول "ستيتش هيد"، الوحش اللطيف المصنوع من الخردة، وهو من ابتكار العالم المجنون الذي يصنع الوحوش فى قلعة جروتيسكيو، ويعمل...

فارس السينما الأكبر أحمد مظهر (3)

قصة صداقة نادرة بدأت فى الكلية الحربية وتعمقت فى «منقباد» عبد الناصر يعمل مدرب ملاكمة للضابط الشاب أحمد مظهر مصادفة...