هو خريف مبكر جدا، ذلك الذى يحصد الشعراء واحدا تلو الآخر.. فلم نفق بعد من صدمة رحيل الشاعر الزاهد فؤاد حجاج، حتى فاجأنا نبأ رحيل شاعر طيب آخر هو حسن رياض. نحن فى عز
هو خريف مبكر جدا، ذلك الذى يحصد الشعراء واحدا تلو الآخر.. فلم نفق بعد من صدمة رحيل الشاعر الزاهد فؤاد حجاج، حتى فاجأنا نبأ رحيل شاعر طيب آخر هو حسن رياض.
نحن فى عز أغسطس.. درجات حرارة غريبة لا تقاوم، وكأن الأرض تحرق معاصينا جميعها وتتبرأ منا، فتعود إلينا صهدا أقرب إلى صهد "قماين الطوب" التى كنا نبنيها فى الصعيد ونحرق فى قلبها "قلب الطمى الأخضر"، ليصبح فيما بعد "قوالب" خرسانية صماء مزعجة تحرقنا هى الأخرى بكل ما فيها من صهد.
احتملنا حرارة هذا الصيف لكنه لم يحتمل.. قلبه الطيب المحايد لم يستوعب تلك الألاعيب المناخية، فهو مثل قلبه تماما لا يعرف المراوغة، فسقط مغشيا عليه فى شوارع أكتوبر القاحلة - وهو الذى تعود على شوارع وسط البلد الطيبة الحنون – لتصل درجة حرارة جسمه نفسها إلى 43 درجة.. فلا المستشفى أسعفه، ولا تدخلات الوزيرة إيناس عبدالدايم والزميل هانى يونس سمحت بأكثر من سرير عناية (أنكروه عنه لمدة 24 ساعة قبل أن يتوقف القلب "الخالص" عن النبض ويغادرنا فى جمعه حزينة إلى حيث مدافن أسرته فى "ترب الغفير").
ونحن نمرق تحت النفق.. نظر الملحن الصديق على إسماعيل ونطق مشدوها.. "ها هنا يرقد جسد أحمد فؤاد نجم أيضا.. لماذا اخترت هذه البقعة يا حسن دون كل الأماكن؟!".. ويبدو أننى وجدت الإجابة عن سؤال صديقنا الملتاع بسرعة.. فما هى إلا خطوات حتى وجدت حياة كاملة لبعض البشر داخل المدافن نفسها.. نعم هناك من يعيشون داخل مقابر "ترب الغفير" فى وداعة كاملة لا علاقة لها بما يحدث فى القاهرة الصاخبة ويبدو أن حسن – خولى جناين وسط البلد الذى لا يستطيع الحياة بدون ونس أو صحبة أبدا - اختار صحبته، ليس بعيدا عن الناس أيضا حتى بعد وفاته..
"العمر عدّى، والحزن عادة، الخطوة مادّة، وأنا كل مادة، ألقاها سادّة، ألقاها سادَة، وألقى الفرح عاصى، فين العم الواصى، فين الخال الواصى، رمشه عدى مزعلى توبى
وفاتنى على النواصى".
تلك السطور التى تحولت إلى إحدى تمائم أغنيات منير - بعد تعديلات طفيفة - هى حسن رياض نفسه - ابن الناس الفقرا - الذى عرفته نهاية ثمانينات القرن الماضى ولم يتغير لحظة طيلة 35 سنة كاملة هى عمر رحلتى فى هذه المدينة التى تأكل محبيها وأحبابها.
كنا على موعد أسبوعى فى قصر ثقافة الغورى.. نلتقيه مساء الأربعاء فى ندوة محمد جبريل بجريدة المساء، ثم نقفز قفزا إلى شارع الريحانى، فيما يمهلنا هو حركتنا المتسارعة متأبطا ذراع محمود الحلوانى أو أحمد الطويلة أو أى مسرحى شاب - أنا ما اعرفوش.. يسبقنا محمد الحسينى بطوله الفارع ومشيته الودود تصالح إسفلت شوارع وسط البلد إماما ودليلا لنا جميعا نحن الذين نمضى لا نعبأ بأى إشارات أو سيارات مارقة.. هى فقط الساعات التى تمرق على زهرة البستان أو أى مقهى مجاور، قبل أن يودعنا على وعد بأن نلتقيه فى اليوم التالى بقصر ثقافة الغورى.
كيف سأمر على هذه الشوارع مجددا دون أن يكون هناك حسن رياض؟! آخر مرة هاتفته كان يعد لعودة ندوته بمقهى "الخميس" فى أحد شوارع الجمالية بعد دوشة كورونا.. لكن الندوة لم تتم، ولقاؤنا أيضا لم يتم مثل مواعيد أخرى كثيرة أعطتها له الدنيا ولم تف بوعودها..
"حيث الناس بتخاف من بعض، حيث البعض بيكره بعض
حيث الدنيا دنيئة ودنيا، حيث الناس حلل المونيا
حيث الناس بعض من بعض"..
نعم يا صاحبى دنيا دنيئة.. غاوية تتعب الطيبين فقط.. ويبدو أنك كنت تعرف ذلك مبكرا فاكتفيت بأن تكتب ما تريد.. وأن تمنح ما تريد لمن تريد.. ليس مهماً ما يحدث بعد ذلك.
وقت أن عرفت حسن رياض لم يسألنى من أين جئت ولا أين أعيش.. ولا ماذا أنتوى أن أفعل.. هو فقط يعزم عليك بالشاى ويجلس ليسمعك.. قل ما شئت أما هو فيغنى فقط.. مع نفسه.. وربما لهذا السبب لن تجد لحسن رياض أغنيات كثيرة على ألسنة وحناجر كل من هب ودب.. هى أغنيات ربما لا تزيد على العشرة.. لكن هناك مئات القصائد التى تحتاج إلى أن نجمعها فى ديوان.. وهناك عشرات الأغنيات فى جيوب وأرفف مكتبات أصدقائه من الملحنين.
عشر أغنيات نعم.. لكنها مثمرة ومؤثرة وباقية.. فمن من أبناء جيلى لم يغن تلك الحدوتة اللطيفة الطيبة مع على الحجار وجمال عطية فى أحد أهم ألبومات جيل الثمانينات "أنا كنت عيدك".. كان ألبوما صادما زخما.. جمال بخيت، وإبراهيم عبدالفتاح، وبهاء الدين محمد، وأحمد اسماعيل، وحسن رياض أيضا بأغنية وحيدة لكنها مثل صاحبها "لا تمر مر الكرام".
أربعون سنة وأكثر مرت على كتابة وتلحين "من غير ما تتكلمى"، وحكى لى الحجار أن حسن كتبها كبديل عن أمر مفاتحته لحبيبته وقتها - التى أصبحت زوجته فيما بعد - كان لا يملك أى شىء.. ولا يعرف كيف يخبرها بأنه يريدها شريكة لحياته.. لا يستطيع أن يعدها بالكثير.. لكنه لم يملك لها حبا أكثر.. وكان أن كتب..
"من غير ما تتكلمى، مدى العيون سلّمى، فوق الحيطان ارسمى، الحلم متفسر، وبكرة جاى أخضر، وانتى بتتبسمى"..
هذه البساطة التى ميزت قصة حياة حسن رياض وروحه السمحة ربما عطلته كثيرا.. هو رجل زاه.. يعتز بما يكتب وبكرامة الشاعر الذى لا يدعيه.. كان بإمكانه بعد نجاح أغنيته مع الحجار أن يذهب كما يفعل غيره لمكاتب الملحنين وشركات الإنتاج وقد وصلت إلى الخمسمائة شركة وقتها، لكنه لم يفعل.. هو رجل خجول جدا ينتظر أن يطلبه الآخرون.. لكنه فعلها فى مرات نادرة.. منها تلك التى جعلته يمنح محمد منير واحدة من أهم تجاربه وأكثرها بساطة وسلاسة..
أنا قلبى برج حمام، هج الحمام منه، يا اللى عيينك كلام
ليه الضلوع أنوا؟!، أنا قلبى كان شباك، بس الهوى شباك، يا بكرة باستناك، ليك العيون حنوا"..
وانتظر رياض كثيرا ذلك البكرة، الذى يراوغ.. لكنه لم ييأس ولم يشك.. وزاد فى محبة شوارعها..
"يا حبيبتى قلبى فانوس، بس الغنا محبوس، بكرة اللى جاى شرس، وعينيك يتحنوا"..
ذلك الغناء المحبوس لم يعاود الظهور إلا عبر الحجار ومنير أيضا.. فمن ألحان طارق فؤاد غنى الحجار فى "عينيك الضى"، وهى إحدى الأغنيات التى تضمنتها مسرحية "الفرسان الثلاثة"..
"فى عينيك الضى اللى باقيلى، قنديلك دليلى وسبيلى، وأنا قلبى غريب، مالهش حبيبب، وانت اللى حبايبى ومواويلى"..
فعلا يا صاحب القلب الغريب.. سيعرفون الآن أنه كان بينهم شاعر مهم وكبير.. وقلب أكبر.. لكن هل تكفى التفاتاتهم المتأخرة؟.. أشك أنه يعنيك الأمر..
«اللى اشترى، منك ما وزنش، فما تحزنش، ولا تشكيله
مع الأمران الأحزان بالكيلو، أو يمكن ربك ما أذنش"..
كيف لا تحزن يا صاحبى وأنت كما تقول عن نفسك..
"ليك فى العشق، وليك أتباع، وليك فى الجرح، ليالى وباع"..
هذه الأغنية ظلت لأكثر من عشرين سنة على ألسنة الأصدقاء.. لحنها حسن زكى.. ولحنها كرم مراد أيضا.. وفى مكالمة تليفونية عابرة ما بين الحجار وحسن سأله الحجار "ما عندكش كلام جديد".. فأخبره أنه توجد أغنية قديمة من سنين لكنها له.. وسمعها الحجار وقبل أن يكمل حسن مطلعها كان قد أخبره بأنه يريدها.. وعلى الفور تم تسجيلها لتصدر فى ألبوم الحجار الأخير والذى تصادف أن يجمعنى بحسن رياض بعد أن جمعتنا الحارات لسنوات طويلة.
إحنا ولاد الناس
فى أغنية نادرة من نوادر حسن رياض الكثيرة والتى يحتفظ بها أصدقاؤه هناك اعتراف من حسن نفسه بأنه "بخيل".. نعم بخيل لكن فى الأغانى.. ويبرر حسن ذلك البخل بأنه فى الأغانى أيضا نخيل.. "تلك الكرامة" كرامة النخل مرفوع الرأس هى التى منعت عشرات الأغانى المدهشة من الوصول إلينا.. أتذكر من تلك الأغانى "التحفة" التى لحنها المبدع أكرم مراد ويغنيها حتى هذه اللحظة فى جلسات خاصة كما هى العادة مع معظم أغنيات حسن رياض..
"نظرة تكفينى، وأملا بكفينى، يا ساكنة فى الحواديت، فينك وأنا فينى، زمن الأغانى بخيل، وأنا فى الأغانى بخيل، أنا طول زمانى نخيل، ع البعد شوفينى"..
نعم يا حسن.. لم تكن بخيلا فى الأغانى لكنك كنت "خايل" ولايق عليك النغم.. أحبتك الموسيقى مثلما أحببناك.. لكنها الحبيبة "لا ترانا" لا على البعد ولا فى القرب..
"احنا ولاد الناس الفقرا، احنا ولاد الناس، يا اللى عينيكى بتعرف تقرا، بمودة وإحساس"..
ألست أنت القائل إنها تجيد القراءة بمودة وإحساس.. فكيف لم تستطع أن ترانا يا صديقى؟!
لم يدع حسن رياض أنه شاعر ملهمس.. أو مهم.. ولم يتكبر على مطرب لا صغير ولا كبير.. فى بدايته طلب منه عصام كاريكا أن يغنى له – لم يكن كاريكا معروفا كمطرب - ولم يرفض حسن، وكتب له أولى وأنجح أغنياته تلك التى شاركه فى غنائها أحمد سعد "عبدالرحيم القناوى".. وفيها يظهر وعى رياض الكبير بتراث الصعيد والصوفية رغم أنه لم يفارق عابدين، التى تضم أسرته الكبيرة، إلا لرغبة من أبنائه فى "وسع الصحراء" عندما راح ليسكن فى "أكتوبر".. روح الشاعر الواعى تظهر جلية فى رباعياته البسيطة الذكية وسعد وكاريكا يغنيان..
"عبدالرحيم القناوى، كل اللى جايله جاى ناوى، شايل فى قلبه الغناوى، إوعى فى يوم تقوله لا"..
وهو الأمر نفسه مع أمل وهبى ومتقال القناوى فى أغنيتهما المتفردة التى أعاد فيها حسن رياض توظيف الفولكلور الصعيدى بطزاجة محببة..
"يا بت بيقولك أبوكى، ماتطلعيش فى القيالة، كل العيون لما شافوكى، بعتوا وراكى الخيالة"..
هى أغنيات قليلة نعم.. لكنها كافية بأن تجمع قلوب ملايين المحبين فى وداع شاعر طيب.. نحتاج إلى سنوات لإعادة استلهام محبته فى حر هذه الأيام المزعجة.. شاعر أدرك بصوفية مفرطة أولها من آخرها..
"جلابية زرقا، بس مش فارقة، كل البشر فى الدنيا دى مفارقة، جلابية زرقا وهيه ترحيلة، كان إيه بإيدينا، لا قوة ولا حيلة، مكتوب علينا العشق والفرقة"..
نعم يا صاحبى مكتوب علينا "العشق والفرقة".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.
توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.
بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...
فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...