"ولاد ناس" مسلسل يـدق أجراس الخطر

نحن أمام حادث يبدو بسيطًا ... انقلاب أتوبيس مدرسة، وإصابة عشرة طلاب وموت طالب والسائق، فمن الممكن أن يمر الأمر عادى ويخرج من يبرر، فتجد هناك أسبابًا كثيرة لذلك، ولكن

نحن أمام حادث يبدو بسيطًا ... انقلاب أتوبيس مدرسة، وإصابة عشرة طلاب وموت طالب والسائق، فمن الممكن أن يمر الأمر عادى ويخرج من يبرر، فتجد هناك أسبابًا كثيرة لذلك، ولكن المؤلف والمخرج هانى كمال يضع القضية على مائدة التشريح الدقيق، ويكون الحادث كاشفًا لكل مشاكلنا وأمراضنا، فنحن مشغولين عن تربية ومتابعة أولادنا تحت دعوى تأمين حياة مرفهة ومستريحة لهم، وفى سبيل ذلك ليس مهمًا طريقة كسب هذه الأموال، المهم توفيرها، وأن يكونوا فى مدارس دولية .. !!

فقد جاء الحادث كنتيجة متوقعة لتضافر عوامل عدة؛ أهمها أن هؤلاء الأطفال يعانون من مشاكل عديدة، أهمها أن أهاليهم ربما اكتفوا بأن ألحقوهم بهذه المدرسة ذات المصروفات الباهظة، اعتقادًا بأن دورهم انتهى هنا.

الأمر الثانى انعدام الرقابة على سلوك الطفل، سواء فى المدرسة أو البيت، سبب آخر مهم جدًا، وهو لا يوجد أى نشاط داخل المدرسة يستوعب هذه الطاقات الفتية سواء رياضية أو فنية أو ثقافية، سبب آخر وهو فساد الإدارة فى هذه المدارس.. !!  

أنا أعتبر المسلسل عمل صعب جدًا على كل المستويات كتابةً وتنفيذًا، ولكن هانى يعرض القضية بحرفية شديدة  ويسحبنا واحدة واحدة إلى داخل الحكاية.

 فيبدأ من خلال أسرة عيسى النادى  المحامى صبرى فواز والذى يكسب قضاياه بطرق احتيالية، ولا يعلم شيئًا عن  أولاده هايدى وكريم، وفى مشهد معبر نرى كريم وهو يغادر المنزل للمدرسة وأبيه معه فى الكادر، ولكنه لا يراه (صورة كريم مشوشة) تأكيدًا لأن أباه بعيد عنه، وشقيقته هايدى التى تعيش سن المراهقة وتدخل فى علاقة مع رجل فى عمر أبيها.

هذه الصورة تمتد لكل الأسر، مثل شوقى إيهاب فهمى مقدم البرامج الشهير، والذى لا يتورع عن طلب رشوة من رجل أعمال (فيلتين) مقابل تلميعه فى برنامجه !، ومن المشاهد المعبرة  بعد الحادث وإصابة باسم ابنه، وكثرة الجدال على شنطة المخدرات، التى وجدوها فى الحادث، وباسم ينكر علاقته بها، وأبوه متأكد أنها تخصه، فيسأله هل أخذت حاجة منها قبل الحادث ؟!، وكان رد باسم: يعنى خفيف، ثم استطرد قائلًا لأبيه: يعنى أنت لما تلف سجارة حشيش هيقولوا عليك مدمن ؟!

هكذا كانت علاقة الأب رشدى بالابن باسم.

تكنيك الكتابة والإخراج

يبدأ المسلسل بالحدث الرئيسى وهو انقلاب الأتوبيس الذى كان بعد الظهر تقريبًا، والمشهد التالى مباشرة القاهرة ليلًا،  وتبدو الحياة  طبيعية  فى الشوارع، والمقاهى عامرة، ثم خبر فى أحد البرامج الليلية عن الحادث.

طوال حلقات المسلسل تظل تيمة انقلاب الأتوبيس ثابتة كمشهد أولى  قبل أحداث الحلقة، وتختلف حركة المشهد طبقًا لأحداث الحلقة، فى سرعته بين العادية أو بطئ أو من الأمام للخلف والعكس، وفى كل مرة يضيف لنا المخرج لقطة جديدة  سواء داخل الأتوبيس أو خارجه، فمثلًا داخل الأتوبيس حدث نقاش حاد بين باسم وياسر، ثم اشتباك وخناقة كبيرة، مما جعل السائق لا ينتبه وفقد السيطرة على عجلة القيادة، وصعد فوق الرصيف بسرعة شديدة وانقلبت السيارة، وفى مشهد آخر نشاهد أن هناك سيارة أخرى تتبع الأتوبيس، ونعرف من سياق الأحداث أنها تخص المجموعة التى كانت تريد خطف - رجب -  انتقامًا من أبيه، وفى حلقة أخرى نجد أن هناك سيارة أخرى تقاطعت مع مسار الأتوبيس فحاول السائق تفادى الاصطدام بها فحدث ما حدث، إذن هو مشهد واحد قام المخرج بتوظيفه جديدًا داخل الحلقات بمساعدة المونتير.

يتصاعد  المخرج بالأحداث من خلال حكايات أبطاله أو تحولاتهم الدرامتيكية، فعيسى على سبيل المثال نكتشف أنه محامى المدرسة، وأنه شريك أيضًا فى الملكية، ولكن بعد أن عرف بمحاولة ابنه الإنتحار يبدأ فى مراجعة نفسه، ويتغير موقفه تمامًا.

المؤلف المخرج

ربما لو كان المؤلف قصر الأمر على خمس أسر فقط هى التى تتعامل مع الأزمة لكان أفضل دراميًا، وكان الإيقاع  أسرع، فأنا - مثلًا - لا أجد دورًا مهما لمحمد عز أمير - وأسرته، وسيد مجدى السباعى وأسرته، وأقصد لو تم حذف أدوارهم لما أحس المشاهد بعدم وجودهم، والمسلسل لم يعمق شخصياتهم، كما فعل مع عيسى ويحيى، وقضية الرشوة لا ندرى ظروفها !!

أيضًا التداعى الذى تم لبعض الشخصيات مثل نجوان صفاء الطوخى مديرة المدرسة، والحديث عن اغتصاب زوج أمها لها، ثم قصة اختلافها مع زوجها ناصر سيف وخطف ابنه من زوجته الأخرى وتعهدها بتعليمه فى الخارج، بعد حبس أمه وأبيه (زوجها)، لا أعتقد أنه أضاف شيئًا  لشخصية نجوان، أو كان إسقاطًا على تشددها !! 

وكون المؤلف هو المخرج  يساعد  فى  وجود هذا التشتت، فنحن بشر ونحتاج فى النهاية لمن يراجع عملنا، ويقول رأيه لأن الدراما عمل جماعى، وهذا لا يقلل إطلاقًا من قيمة هذا العمل الرائد، ولكننا نسعى للجودة والكمال.

الآباء  يتطهرون من أوزار الماضى 

من المشاهد الجميلة التى تضمنتها الحلقة رقم 28 هذا المونتاج المتوازى الذى جمع ثلاث شخصيات معًا الأولى عيسى، عندما قرر الذهاب بنفسه لمنزل على زميل ابنه فى المدرسة الذى تنمر عليه، وضرب أبيه (أنا متحفظ على فعل الضرب)، والشخصية الثانية أمير عندما رفض توقيع العقد، وقام بضرب إيهاب صديق عمره الذى حاول التحرش بالقول مع زوجته -، والثالث كان شريف ورأينا كيف  انتفض ابنه يوسف آدم وهدان، بعد أن كاد ينام دون أن يصلى، وكانت أولى دعواه أن ينجى الله رجب زميله فى المدرسة من خاطفيه، وكم كان جميلًا من أبيه أن يطالبه بأن يدعو له، وكأنهم يتطهرون من أوزار الماضى، ويبدأون  صفحة جديدة فى حياتهم.

العلاقة السوية

فى معرض تقديمه للشخصيات حرص هانى كمال على نموذج أسرة يحيى فهى العلاقة الوحيدة السوية فى المسلسل أسرة متحابة، الأب يعرف دوره ومسئولياته كاملة تجاه أولاده، وبعد الحادث وتحطم معنويات ابنه بعد أن علم بإصابته وأنه فى الغالب لن يستطيع ممارسة لعب الكرة مرة أخرى، وأن يكون مثل محمد صلاح، قدم له يحيى التأهيل النفسى المطلوب فى هذه الحالة، وساعده فى اجتياز هذه الأزمة بنجاح، وعندما تعرضت الأسرة لهزة عارضة بسبب ماضى انتهى، لم يؤثر هذا الموقف وتجاوزته الزوجة إيمان رانيا فريد شوقى  .

فى المقابل نجد عيسى يتذكر بحسرة المواقف الكثيرة التى جمعته بأبنائه وبكريم تحديدًا، عندما أراد أن يسمعه الموسيقى التى قام بتأليفها، ولم يهتم، أو عندما جاء من المدرسة باكيًا وسخر منه !!

جرس إنذار وصياغة عقد اجتماعى جديد

يدق هانى كمال جرس إنذار كبير فى حياتنا منبهًا لمسئولية تربية الأبناء، فاالأمر ليس مجرد إنجاب أبناء وفقط، بل حياة ممتدة لجيل جديد صاعد، درجة استيعابه لا شك أفضل من سابقيه بفعل التطور، ولكنه فى حاجة لرعاية أكثر وبيت أكثر تماسكًا، وآباء يعرفون دورهم جيدًا، وأن تأمين الحياة الكريمة لن تكون بفيلا فى كومباوند ومدرسة دولية لضمان تعليم جيد، إنما عمل شريف ورعاية ومتابعة، وكل فرد يعرف دوره جيدًا ويقوم به.

 يدعو هانى فى حلقته الأخيرة من خلال مرافعة المحاميين عيسى ويحيى ومداخلة صلاح  لصياغة عقد اجتماعى جديد للمجتمع، ليعرف كل أب مسئوليته، ويكون المجتمع مراقبًا عليه، ويراجعه كل فترة ليدرك مدى صلاحيته، كم من حوادث مرت علينا، فهل أوقف أحدنا المشهد ليعرف ويفحص ويدقق ويقول لنا: ماذا حدث ؟!، ولماذا حدث ؟!؛ ويجيب عن الأسئلة المسكوت عنها فى حياتنا.

النجوم     

يصنع ماجد الكدوانى مشاهده بتلقائية شديدة دون تكلف، ورغم أن مشاهده قليلة، إلا أن حضوره طاغى وخطف الكاميرا فى مشهد النهاية.

قدم أحمد وفيق شخصية يحيى بحرفية، وكان مثالًا للأب الذى نريده فى حياتنا.

 تفاعل صبرى فواز مع شخصية عيسى جدًا، وهو أكثر الآباء ابتلاءً بالمصائب.

وصنع مع وفاء صادق دويتو رائعًا، خاصة فى مشاهد النهاية.

صفاء الطوخى فى دور نجوان يشكل إضافة حقيقية، وأحمد صيام رائع كالعادة، والمفاجأة الحقيقية فى فريد النقراشى الذى قام بدور الحاج رمضان.

إيهاب فهمى قدم أجمل أدواره وأمتعها.

رانيا فريد شوقى أقنعتنا فى شخصية إيمان.

ويمتد خط النجومية لمجموعة الشباب والأطفال معتز هشام، أحمد عنان، أميرة أديب، آدم وهدان.

فريق العمل

جاء تصميم التتر معبرًا والأغنية مناسبة، وإن كنت أميل شخصيًا أن يقوم المخرج بتقديم أبطاله فى مقدمة تتر البداية، ويليهم فريق العمل، ليتعرف عليهم المشاهد، ويحدث نوع من الألفة بينهم.

الموسيقى التصويرية لأحمد عاطف، المونتاج سامح أنور الذى بذل مجهودًا كبيرًا، وكان طبيعيًا أن تكون هناك بعض  الهنات فى تقديم مشاهد ليست فى محلها، مدير التصوير أحمد العشماوى والديكور والأزياء.

هانى كمال

فى باكورة أعماله كمخرج يدهشنا هانى كمال من تمكنه من أدواته جيدًا وإدارته للمشهد بشكل رائع ومجموعة الفنانين، كما أننى أحييه على إحساسه بالمسئولية الإجتماعية  للفن، وصياغته هذا العمل الرائد، ولا يفوتنى أن نوجه الشكر لشركة الإنتاج التى أقدمت على تقديم هذا المسلسل. 

 


 	محمد أبوشادى

محمد أبوشادى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...

«Me & Roboco».. فيلم الفانتازيا والكوميديا

حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...

الفنان محمد إبراهيم يسرى: والدى دخل المستشفى على قدميه وخرج محمولاً

11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...