ليس كل ما يعرض في المهرجانات يستحق التصفيق له، ولكن من المتوقع ان الفيلم الذي يختاره المحكمون لابد ان يحمل قصه مختلفة او فكرة جديده او عرض لفكرة قديمة باسلوب جديد،
ليس كل ما يعرض في المهرجانات يستحق التصفيق له، ولكن من المتوقع ان الفيلم الذي يختاره المحكمون لابد ان يحمل قصه مختلفة او فكرة جديده او عرض لفكرة قديمة باسلوب جديد، المهم ان يحمل نوعا ما من المتعة فنيا او فكريا، ومن هذه الافلام فيلم انتظرت عرضه على قنوات الميديا بفارغ الصبر، هو الدانماركي السويدي "جولة اخرى"، الذي حصد العديد من الجوائز تقريبا في كل المحافل الفنية التي شارك بها حتى جائزة الاوسكار احسن فيلم دولي.
SOUL فيلم عن الحياة ومعانيها والإحساس بمبهجاتها ومعنى السعادة، فيلم يطرح السؤال الفلسفي الوجودي عن المغزى من الحياة، وهل يكمن المعنى في الإنجاز ؟!، وما السعادة إذا حقق الفرد ما يصبو إليه ولم يصل إلى الرضى ؟!؛ ولم يشعر بالسعادة فهل يستحق العيش ؟!، فيلم يهز الكيان الإنساني، باختصار فيلم جميل يستحق المشاهدة.
روعة الفيلم في تسلله بسلاسة ويسر إلى فكر المشاهد، وتحريك الجمود والبلادة التي تقتل النفوس، ويدعو إلى البحث في كل ما نملكه، وقيمته وأهميته عن السعادة الموجودة في كل شىء حولنا، ولكننا نتبنى الفكر الدرامي، وننزع إلى الندم والشكوى واستسهال الاستسلام، الفيلم إخراج بيت دوكتر، ومن بطولة أنجيلا باسيت، وتينا فاي، وجيمي فوكس.
صنع المخرج بيت دوكتر 3 أفلام تعتبر من الكلاسيكيات لشركة "بيكسار"، منتجة soul، وهي Inside Out وUp وMonsters Inc، كلها أفلام رسوم متحركة حققت مكانة فنية وأرباحًا تجارية، ووضعت مخرجها في قائمة أفضل مخرجى الرسوم المتحركة.
تدور أحداث الفيلم حول معلم موسيقي وعازف جاز، ظل يحلم أن يلتحق بفرقه ويمارس شغفه في العزف، وكان يعتقد أن هدفه فى الحياة أن يتحقق هذا الحلم، كانت أمه لا تريد منه ترك وظيفته لمجرد الشغف؛ لأنها ترى في الوظيفة الأمان. وعند اتخاذ القرار والالتحاق بالفرقة، وفي الليلة التي سيُقام فيها الحفل مع هذه الفرقة سقط في البالوعة ليلقى حتفه، ويموت قبل أن يحقق هدفه، فى هذه الأثناء روحه خرجت من الحياة، ودخلت في عالم البرزخ، وهنا وجد أرواحًا متعددة، وكان يريد الهرب، والتقى بروح ٢٢، الروح الضائعة التي لم تكمل حياتها الأرضية وبمحاولة منها أن ترجعه إلى الأرض، عادت معه ولكن عاد جو في جسد هرة، و٢٢ بجسد جو.
هناك العديد من الأحداث والمواقف التي ساعدت "جو"، دون علم ٢٢، وبطريقة غير مخطط لها، تؤكد له أن الحياه عبارة عن لحظات إن لم نستمتع فيها ونعيشها بتفاصيلها فقد نفقد جزءًا من حياتنا ونفوت المتعة، بعد عودة جو إلى جسده ذهب للحفلة، وبعد الانتهاء منها، وبعد الأداء المميز لم يشعر جو بالسعادة، فعرف أن السعادة ليست في تحقيق الهدف، وإنما في الطريق والاستمتاع بصناعة ذلك الهدف.
جو يعاني من أزمة وجودية، لا يبحث عن الشهرة والثروة، بل مجرد فرصة، هي حلم حياته، للعزف في نادٍ محلي، تدور أحداث الفيلم حول مسيرة "جو جاردنر" الموسيقي الأربعيني، وما يشوب حياته من رتابة أبعدته عن شغفه وطموحه، إنه ليس نموذج البطل المعتاد عليه لدى الأطفال، فهو ليس بطلًا شجاعًا، ولا غريب الأطوار، ولا حيوانًا يقود عصابة، ولكنه يمثل انعكاسًا لكل المشاهدين البالغين بشكل عام، كلنا البطل جو جارنر الذى يؤديه صوتيًا جيمي فوكس، وآماله وأحلامه التي لم تتحقق، ويسعى دائمًا إلى تحقيقها، ظنًا منه أنها منتهى السعادة، وأنه لم ولن يشعر بالسعادة إلا في هذا العمل.
حين تنتقل روحه إلى عالم الأرواح، حيث يتعرف على الروح ٢٢، وتدور الأحداث حول المغامرة التى تُفرض عليهما، تشعر الروح ٢٢ بالسأم من العالم الأرضي، ولا ترغب في العيش فيه، لذا لا تريد أن تُولد، وتتهرب من النزول على الأرض، متعللة بأنها تفتقد الشغف، لذا فهي لا تناسب روح جو الذي يسعى إلى كسر حياته الروتينية، القائمة على تدريس الموسيقى في مدرسة ابتدائية لتلاميذ يفتقرون للموهبة، باحثًا عن فرصة تضعه في المسار الصحيح، كعازف جاز محترف، وسط ضغوطات معيشية يومية تسهم في تشتته وعرقلة أحلامه.
الموسيقى الذى يجوب الأرض شرقًا وغربًا، يحارب ويصارع ويجتهد لتحقيق حلمه، ولكن تأتي الأقدار وتضعهما في مهمة معًا، يتبينان من خلالها المعنى الحقيقي للحياة وللشغف الذي يجعلنا نقبل على الحياة، ويجعل لها قيمة، وتستحق أن تُعاش.
يبدو هذا الثنائي شريكين غير متناسبين، ولكن ينتهي بهما المطاف بمساعدة بعضهما على تعلم دروس مهمة طوال الطريق، عبر رحلة مؤثرة وعاطفية، ولكن في حين يقدم "جيمي فوكس" و"تينا فاي" أداءً رائعًا في تجسيد شخصيتيهما، فإن شخصية جو لا تحصل على التطور الكافي في نهاية المطاف، وذلك لخدمة النمو العاطفي ورحلة 22.
كان من الممكن أن يصبح هذا الفيلم على قمة أفلام بيكسار، لولا البهتان الذي بدا على الشخصيتين الرئيسيتين، لا تتمتع أي منهما بالجاذبية أو روح الدعابة أو الديناميكية التي نراها في أبطال أفلام بيكسار الأخرى، وهي الجاذبية التي تجعل شخصيات بيكسار لا تموت، مثل شخصيات شركة المرعبين المجدودة وشخصية السمكة نيمو، حيث إن 22 ليست على سبيل المثال بجاذبية جو في فيلم Inside Out، كما لا يرتقى جو إلى مستوى شخصيات مثل كارل فريدريكسين في فيلم Up.
يبدأ جو كفاحه المستميت للعودة إلى جسده وتحقيق ما يصبو إليه على الأرض، لندخل في تفاصيل كوميدية متوقعة من عالم بيكسار، ويمرر الفيلم معلومات عن الزمان والأبعاد والتداخل الخيالى للعوالم، عالم الأرواح وعالم الأرض، وفي الوقت الذى يتحرك جو بثقة ناحية تحقيق هدفه، تبدو الروح ٢٢ ساخرة لا مبالية ورافضة للإرشاد والتعليم، ودائمًا ما يتساءل: لماذا لا بد لى أن أعيش داخل جسد على الأرض ؟!، وما قيمة الحياة ؟!، ولماذا لا أعيش فى عبث ؟!، وبينما يحاول جو أن يقوم بمهمته في اقناع هذه الروح بمعنى وأهمية الحياة، يحاول أيضًا استغلالها لتحقيق هدفه بمرور الوقت، ومع محاولة جو إعادة ترتيب حياته نستكشف معه كمشاهدين رسالة الفيلم فى تحري الجمال في الحياة، ذلك الذي غفلنا عنه في حياتنا وسط الزحام واللهاث وراء تحقيق مكاسب مادية استهلكت طاقتنا ووقتنا، وضيعت علينا الإحساس بالبهجة.
رسم الكاتب والسيناريست العالم الروحاني بخطوط بسيطة مجردة، ففي الوقت الذي خدمت فيه هذه البساطة أن يكون الفيلم سهل الاستيعاب، ولو كان استيعابًا محدودًا بالنسبة للأطفال، حيث يحاول Soul أن يكون روحانيًا دون تشدد، فيبقى على الجانب الآمن في تصويره ورسائله، لدرجة أنه يجعل تلك العوالم تبدو في كثير من الأحيان أقرب للحياة الأرضية وغير روحانية.
كلما نردد اسم بيكسار يتذكر الجميع فيلم "كوكو" لنفس المخرج، لذا من الصعب جداً عدم مقارنة الفيلم الجديد مع "كوكو" الأفضل والأكثر حيوية، والغني بالموسيقى والمعاني، ويتناول الحياة ما بعد الموت، ويقدم رؤية أعمق من تلك التي يقدمها "سول"؛ لكن الأخير يتميز بما يتركه داخل المشاهد من رحلة البحث والتفكير في معنى الحياة وجدواها، ويؤخذ على "سول" افتقاره للمؤثرات العاطفية التي ضج بها فيلمup" "، خاصة في الدقائق العشر الأولى منه، مما جعل سول أحيانًا مضطربًا في توضيح حدود البشر ومحاولة استمتاعهم باللحظة والتفاصيل، وربما هذا ما جعل المخرج والسيناريست يقدمان الحياة على الأرض أكثر صخبًا وبهجة، بكل ما فيها من أحداث ومصاعب وعراقيل، وأكثر تميزًا من المشاهد التي تصور العالم الآخر الخالي من المشاعر التي نستمدها من الأصدقاء والأسرة، ومحركات المشاعر من الثقافة والموسيقى والفنون.
الموسيقى في الفيلم رائعة ولها دور رئيسي يرقى لمستوى البطولة، ويلعب الجاز دورًا مهمًا في حياة البطل، ويقدم جون باتيست موسيقى الجاز الأصلية، بالإضافة إلى الموسيقى التصويرية البسيطة التي تجعل "سول" ممتعًا للأذن والعين.
لا يمكن أن نعتبر "سول" فيلم رسوم متحركة عائلي تقليدي، ففكرته جديده وتناولها يحتاج قدرًا من الإدراك والثقافة، لكن أى فيلم يريد التعمق في معنى الحياة يحتاج أسلوبًا قويًا في الصورة والسيناريو أكثر مما يقدمه فيلم رسوم متحركة عائلي تقليدي.
قدم الفيلم عالم حياة السود في امريكا كعالم طبيعي، بإيجابياته وسلبياته، بعيدًا عن معايير الضواحي البيضاء، حيث تبدو شخصية عازفة الجاز "دوروثيا ويليامز" (التي تمثلها صوتياً "أنجيلا باسيت" بروعة) نابضة بالحياة، وتتمتع بحضور مذهل كما لو أنه من فيلم واقعي، وزاد الفيلم واقعية بوجود شخصيات أسهمت في رسم حياة جو من الأشخاص الذين يرتبط بهم لجعل قصته أكثر تأثيرًا في النهاية، مثل علاقات جو مع والدته "ليبا" (فيليسيا رشاد)، والطالبة الموسيقية الواعدة "ميهو" (إيستر تشاي) التي تركت صدى أكبر من العلاقة التى تجمعه بالروح 22.
الفيلم إخراج وتأليف "بيتي دوكتر" و"مايك جونز"، وشارك في أداء أصوات الشخصيات جيمي فوكس، وتينا فاي، وكويست لف، ودافيد ديجز، وفيليشيا رشاد، وجون راتزنبرجر، وآنجيلا باسيت، وريتشيل هاوس، وأليس براجا.
"سول" ليس مضحكًا، وليس كوميديًا بما يكفي، أو مجزيًا عاطفيًا، لنعتبره أفضل أفلام بيكسار، ولكنه يقدم تأملات فلسفية كغذاء للأفكار والكثير من العاطفة، منحته الأوسكار والجولدن جلوب أفضل فيلم رسوم متحركة عام ٢٠٢١.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تُعد الدراما التركية اليوم واحدة من أكثر أنواع المحتوى الترفيهي انتشارًا في العالم العربي، حيث استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن...
لو كنت قرأت مذكرات المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف لعرفت المعاناة التي عاناها فنانو الواقعية، رغم أن ستديو مصر...
كريم عبد العزيز وأحمد عز الأبرز
رحل الفنان الكبير هانى شاكر، بعد رحلة كبيرة مع الفن والطرب والموسيقى...