القمر آخر الدنيا .. حكايات تصلح لكل زمان ومكان

وسط زحمة الأعمال التى عرضت خلال رمضان الماضى 2020، كان هناك مسلسل يستحق المشاهدة والمتابعة الدقيقة وهو «القمر آخر الدنيا»، فلربما لم يلق الدعاية التى يستحقها لأن

وسط زحمة الأعمال التى عرضت خلال رمضان الماضى 2020، كان هناك مسلسل يستحق المشاهدة والمتابعة الدقيقة وهو «القمر آخر الدنيا»، فلربما لم يلق الدعاية التى يستحقها لأن أبطاله ليسوا نجوم صف أول، لكن الجميع فى رأُيى كانوا نجوما كبارا، ولدينا منتجة تدخل المجال لأول مرة، وسيناريست دراما لأول مرة، ومخرج مخضرم فى عمله الرابع.

تعيش أسرة كريمة (سميرة عبدالعزيز) فى حارة شعبية فى مدينة القاهرة، كواحدة من ملايين الأسر المصرية التى تنتمى للطبقة المتوسطة التى تقوم عليها أسس الحياة فى هذا الوطن، الابن الأكبر أحمد (مؤمن نور) فنان تشكيلى موهوب لكن ظروف الحياة جعلته يعمل كمدرس رسم (بعقد)، وهو متزوج من ناهد (ساندى على) وكانت زميلة شقيقته دلال (بشرى) فى كلية الهندسة وارتبطت بقصة حب مع أحمد انتهت بالزواج على غير رغبة أهلها. والابنة الثانية دلال التى كانت تعيش قصة حب مع زميل لها طوال سنوات الدراسة لكنه عند لحظة اختيار ارتبط بابنة رئيس القسم فى الكلية، فكانت الصدمة.. وعند أول اختبار اختارت خالد (هشام إسماعيل) الذى يعمل مدرساً، وتزوجته بشكل تقليدى وسافرت معه للسعودية. والابن الثالث جلال (عمرو عابد) الذى يعمل بالشئون القانونية بوزارة الزراعة، لكنه يذهب فقط للتوقيع، وبعد ذلك يعمل كسائق أجرة على سيارته الخاصة، ومتزوج من مجدية (ثراء جبيل) التى لا تقرأ ولا تكتب.. والشىء الوحيد الذى يربط بينهم ابنتهم كريمة، ويعيش جلال مع والدته.

 اختفاء كريمة

ذات صباح تستعد كريمة للنزول ومعها عدد من الشنط المملوءة بالطعام، ويبدو أنها عادة لها وفقا لقول مجيدة: "انتى كل مرة تقومى بتفريغ الثلاجة من الأكل وتوزعيه على المجاذيب"، وترد كريمة: "الثلاجة كما هى"، وتعود مجيدة: "لكن اللى يحتاجه البيت يحرم على الجامع"، وترد كريمة: "اللى قال كده أنانى وجاهل". وتغادر كريمة المنزل بعدما تركت - أو نسيت تليفونها، ونراها وهى توزع الأكل على فقراء الحارة. ومع انتهاء اليوم يتصل جلال بشقيقه أحمد ليقول له إن أمه لم تعد للبيت منذ خرجت فى الصباح، وكانت المشكلة فى كيفية إبلاغ هذا الخبر لشقيقتهم دلال التى تصل القاهرة الليلة بعد غياب خمس سنوات مع زوجها وأولادها. وتبدأ رحلة البحث عنها، فبعد السؤال التقليدى فى الأقسام والمستشفيات يكون السؤال لدى الأقارب، فتذهب دلال لبيت عمها لكنها لا تصل لشىء.

ويذهب أحمد للطبيب الذى كان يتابع حالتها فيعاتبه على إهمالها، ويبلغه بأنها كانت تشعر بالوحدة فى الفترة الأخيرة.

 جولة المحافظات

وبعد فقدان الأمل من العثور عليها فى القاهرة يبدأ التفكير فى محيط الأقارب فى بعض المحافظات، وتكون بورسعيد المحطة الأولى حيث تعيش شقيقتها عنايات (لبنى محمود) مع ابنها الوحيد هشام (تامر سمير)،  وتكون الجولة الثانية فى إحدى قرى كفر الشيخ عند شقيق والدتهم سالم البرلسى (سعيد صديق) ونرى نموذجا للانتهازى كما يجب، فقد بنى ثروته من حقوق شقيقاته فى الميراث وأهمل زوجته وأبناءه، وفى سبيل تحقيق مصالحه تزوج ابنة أحد النافذين وأصبح عضوا فى مجلس النواب، ويغضب عند علمه بوجود أبناء شقيقته فى منزله دون إخطار مسبق!!

وقبل مغادرتهم تكشف زوجة عمهم عن مفاجأة وتعطيهم ظرفا مغلقا فيه أوراق تفيد بأن والدهم له زوجة أخرى، وتبدأ رحلة بحث جديدة، ويذهبون لمقابلة عوض - أحد أقارب والدتهم للوصول لزوجة أبيهم لكنهم لا يجدون أحدا، ويقال لهم إنهم انتقلوا إلى مدينة برج العرب. ثم ينتقل البحث فى إحدى قرى الفيوم وهناك كانت المفاجأة.

 الاختيارات والاختبارات

هى جملة قالتها المؤلفة على لسان بطلتها دلال.. إننا طوال الوقت تكون أمامنا اختيارات وعلينا فى النهاية أن نتحمل نتيجة اختياراتنا سواء كانت خطأ أم صوابا، وقياسا على ذلك فقد دخل كل أبطال المسلسل فى هذا الاختبار وكان عليهم الاختيار.. فدلال أمام فقدان حبيبها استسلمت للواقع وتزوجت من خالد وأنجبت الأطفال لكنها لم تكن سعيدة، رغم أنه كان أمامها سامى ابن عمها أحمد كرارة الذى يعشقها وتقدم لخطبتها لكنها رفضته، وظل قابضا على هذا الحب رافضا الارتباط حتى عادت دلال وقررت أن تعيش حياتها كما تريد.

النموذج الثانى هو أحمد الشقيق الأكبر الفنان المتمرد الذى قبل العمل مدرسا للرسم وعندما يقبل الواقع ويحاول تغييره يصطدم باللوائح.. فحصة الرسم غير مدرجة على الجداول والطلبة لا يحضرون للمدرسة خصوصا الشهادات.. وهناك كيان مواز اسمه السناتر.. إلخ.. وعندما يدخل بالصدفة أحد الفصول ويقرر أن يأخذ الطلبة خارج جدران الفصل ويبدأ فى تعليمهم الرسم يمنعونه لأن هناك لجان مرور على المدرسة بخصوص تقييم الجودة للمدرسة، فيسأل عن أى جودة تتحدثون؟

وأمام احتياجه للمال يقبل العمل كمصمم لأغلفة روايات تافهة، ويذهب بهمومه ومشاكله لأستاذه أحمد (سناء شافع) الذى يعيد له الثقة فى نفسه وفى قدراته كفنان موهوب، ويوفر له عملا عن طريق رشا  (نيرة عارف)، والعمل هو تقليد لوحات عالمية، أو أعمال خاصة به لكنه لن يضع عليها اسمه، ويقبل أحمد أمام الاحتياج الشديد للمال ووجود أزمة بعد مغادرة زوجته للبيت والعودة لأسرتها ومعها الأولاد.

النموذج الثالث جلال، الذى ارتبط بقصة حب مع فريال (هدى الإتربى) لكن أمها تقف حجر عثرة فى سبيل ذلك، لأن أمامها عريسا جاهزا غنيا ترى فيه مصلحة ابنتها، فتذهب لكريمة وتحذرها من ارتباط جلال بفريال وأنها ستؤذى ابنها، وتتزوج فريال لكنها لا توفق فى حياتها وترفع قضية خلع، وفى هذه الظروف تقابل جلال وتتجدد المشاعر القديمة وتجد فيه فريال السند بعد أن باعتها أمها وشقيقها لأقرب مشترٍ، ويتزوج جلال من مجدية التى كانت تحبه رغم فارق الثقافة بينه وبينها، لكنه يعانى من انعدام لغة الحوار بينهما، وبسبب جهلها تترك ابنتها بمفردها فى الشقة، وتسقط البنت من الشباك.

النموذج الرابع ناهد ابنة السفير التى اختارت أن تعيش حلمها مع من تحب وذهبت إليه بشنطة هدومها وراهنت على أن أباها (صبرى عبدالمنعم) سيغير رأيه بمرور الأيام، وأن أمها (مادلين طبر) ستكون العامل الحاسم فى هذه القضية. ومع وجود الأطفال وضغوط الحياة وعدم وجود دخل ثابت لأحمد لم تتحمل ناهد وكان تجاهل والدها لتوسلاتها يقتلها.

النموذج الخامس كوثر التى أحبت عمر (أحمد عزت) الذى قرر السفر إلى ليبيا وبعد أربع سنوات من الغربة والذل الذى يلقاه فى بلد يعيش فى حالة من الفوضى والكلمة العليا فيه للجماعات الإرهابية التى تحركها دول وأجهزة أجنبية، ويأتى الخبر أن عمر رهينة فى يد إحدى هذه الجماعات، ويطلبون فدية، وتلجأ كوثر لسامى ويقوم بعمل محاولات، وذات يوم تفاجأ كوثر بعمر أمامها شبه إنسان، وتحاول أن تجعله يستعيد نفسه لكنه كان قد فقد كل شىء، ثم أكمل شقيقه ما بقى منه بطرده له من البيت، واستسلم عمر لشيطانه وقرر التخلص من حياته فى مشهد أليم!!

النموذج السادس سامى، يكاد يكون هو الوحيد المتوازن فى الحكاية، رفض الضغوط وظل مصدقا حلمه ساعيا إليه بدأب. نموذج للعطاء والحب.. رصين وهادئ.

 الرواية الأصلية والمسلسل

أحداث المسلسل مستوحاة عن رواية «طعم الحريق» للراحل محمد الوردانى، كتبت لها المعالجة والسيناريو والحوار الدكتورة ثناء هاشم أستاذ السيناريو بالمعهد العالى للسينما، ودراماتورج عبير سليمان. للأسف أنا لم أقرأ الرواية لكنى اطلعت على خطها الرئيسى، فهى تدور فى إطار ثلاثة أشقاء اختفت أمهم فجأة وراحوا يبحثون عنها، والإطار الزمنى للأحداث عقب أحداث هزيمة 1967 والتى كانت بمثابة زلزال مصحوب بتسونامى أطاح بكل شىء، واحتفظت السيناريست بالفكرة الأساسية وأعادت نسج خطوط وخيوط جديدة للحكاية وبما يتفق مع وقتنا الحالى 2020، وفعلت ثناء هاشم ذلك بشاعرية وعذوبة شديدة مع مزج الواقع بالخيال، فمنذ الحلقة الأولى ونحن نلهث ونترقب ونخمن ونفكر ونسأل أين ذهبت كريمة، ولماذا اختفت فجأة، وما كل هذه الكرامات التى تتحلى بها، فهى تتواصل مع أولادها بالروح والهاتف العقلى والإحساس أثناء أزماتهم، وهى موجودة معهم طوال الوقت (تعبير دلال مثلا.. ريحتها فى الشقة).. وأعتقد أن الرواية كانت فى المجمل تحمل الطابع السياسى الرمزى، والأم هنا ترمز لمصر التى خرجت مجروحة فى 67، وأعتقد أن المسلسل حافظ على تلك الروح الرمزية، وأبرز قضايا ومشاكل تئن منها الدولة مثل قضية التعليم، ومغامرات الشباب فى ليبيا وغيرها بسبب لقمة العيش، وتآكل الطبقة المتوسطة ووجودها تحت ضغط مادى مفزع، وفساد الحياة السياسية فى نموذج سالم البرلسى، وموظف الحكومة الذى يضطر للعمل كسائق تاكسى، والفنان الحقيقى الذى لا يجد منفذا لتحقيق طموحاته وموهبته، فيلجأ لبيع مجهوده لآخرين أصحاب سطوة واسم فى سوق لا يرحم.

ربما أرادت المؤلفة أن تقول أيضا إن جزءا مما نعانيه يعود أيضا إلى أننا فقدنا الصلة بالله والثقة فيه، وأننا طوال الوقت «قافلين» على ذواتنا ونسينا صلة الرحم حتى داخل المنزل الواحد.. فالأم رغم وجودها فى منزلها مع ابنها وزوجته وابنته كانت تشعر بالوحدة، وابنتها الوحيدة لم ترها منذ خمس سنوات رغم أن المسافة لا تستغرق سوى ساعتين بالطائرة! وفى مزج ذكى جدا تطرح ثناء هاشم حكاية ماتيلدا (زينب مراد) صديقة كريمة المسيحية التى تحتفظ بسجادة الصلاة خصيصا لكريمة عندما تزورها فى غرفتها المخصصة للخلوة والعبادة.

أيضاً اختيار ثناء هاشم لعدد من المحافظات كمكان للبحث عن كريمة، مثلا بورسعيد كرمز لمحافظات القناة والمواجهة مع العدو الصهيونى وكنموذج للصمود،

ثم اختيار كفر الشيخ ممثلة للدلتا، ثم برج العرب للمدن الجديدة، والفيوم نيابة عن صعيد مصر، وبهذا تكون مصر بأقاليمها ممثلة فى العمل.

وكان المشهد الأخير بعد اجتماع الإخوة معا واستعادة كل واحد فيهم توازنه، فجلال بعد سفر فريال، ومحاولة مجدية تغيير حياتها بتعلم القراءة والكتابة واللحاق بقطار التعليم، أوجد الأمل بداخله.. وأحمد استعاد ناهد وأيقن بمقدرته على تخطى ظروفه الصعبة، ودلال حددت طريقها وحياتها الجديدة مع زوج يحبها وهى بدأت تبادله نفس المشاعر. ويكون ختام العمل والأشقاء الأصليين ومعهم الذين ادعوا أن أمهم أيضاً كريمة فى نقاش وتفاهم عقلانى، وكريمة تنظر إليهم من أعلى وحولها أولادهم وأحفادها ونظرة جديدة للمستقبل.

 تامر حمزة

نحن أمام مخرج كبير رغم أن توقيعه على العمل كمخرج كان فقط فى 2017 مع مسلسل «الأب الروحى» الجزء الأول ثم الجزء الثانى فى 2018، ثم مسلسل «قيد عائلى» فى 2019، لكن التاريخ المهنى بدأ فى 1998 كمساعد وبعده مخرج منفذ مع مخرجين كبار وأعمال شهيرة، لكن لى بعض الملاحظات وهى وقوف بعض الفنانين على الحياد فى مشاهد عديدة، وأكثر ممثل فعل ذلك عمرو عابد، وهذه مسئولية المخرج فى النهاية، لأنه المسئول وهو المعنى بالوصول بالمعنى والحالة للممثل الذى معه.

أيضاً لم يكن هناك أى تغيير شكلى على الفنانة بشرى، ففى المراحل الثلاث التى ظهرت بها فى الأحداث (طالبة ثم تزوجت وعادت بعد خمس سنوات) كان من المهم أن يكون هناك تغيير يشعر به المشاهد، وأعتقد أن الأمر يمتد للشخصيات الأخرى لكن بنسب متفاوتة، هنا لم يبذل مجهود!!

 سميرة عبدالعزيز

فنانة كبيرة أمتعتنا بأدء رائع، ورغم وجودها كضيف شرف فإن هناك حضورا طاغيا وبساطة وطاقة حب لا مثيل لها.

 بشرى

لا ينتقص الكلام عن قصور الماكيير ومسئولية المخرج ثم الممثل أو الممثلة من الحديث عن أن بشرى جعلت شخصية دلال من لحم ودم، مع فهم كامل لأبعاد الشخصية وحضور كامل فى المشاهد.

 سناء شافع

أعتقد أنه كان آخر أعماله رحمه الله وكأنه يودع التشخيص.. ورغم أن مشاهده لا تتعدى أصابع اليد الواحدة فإننى أشعر بوجوده طوال أحداث المسلسل من خلال رسائله لأحمد وانفعاله الشديد وإحساسه بالحوار، وهو درس لمن يريد أن يتعلم.

 هدى الإتربى

موهبة كبيرة وقدرة كبيرة على أداء شخصيات مختلفة وحضور رائع.

 أحمد كرارة ومؤمن نور

بداية جيدة لكرارة، وحضور هادئ وسلس وثقة فى النفس.. وكذلك مؤمن.. وسيكون هذا العمل محطة انطلاق لكما.

تحية تقدير.. عمرو عابد، هشام إسماعيل، أميرة نايف، صبرى عبدالمنعم، مادلين طبر، منير مكرم، لبنى ونس، عواطف حلمى، لبنى محمود، بسام رجب، محمد عبدالجواد، ثراء جبيل، ساندى على، حنان يوسف، أحلام الجريتلى، سعيد صديق، ليلى عز العرب، تامر سمير، محمد الدقاق، نيرة عارف.

عبرت أغنية التتر عن المسلسل بكلمات أحمد عبدالمنعم وألحان محمد سالم شاشو، وهو أيضاً صاحب الموسيقى التصويرية، أما الغناء فكان لمصطفى شوقى بصوته المميز.


 	محمد أبو شادى

محمد أبو شادى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

انتصار الصورة على الأصل فى مسرحية «فومو»

الذين عاشوا فى العالم الافتراضى

صلاح جاهين.. شاعر كبير أحَبّ الشعب والفن وثورة يوليو

الكتابة عن الشاعر الفنان الكبير صلاح جاهين فرض وواجب على كل كاتب وطنى، لأن هذا الشاعر كان صوت الشعب وضمير...

فيلم Stitch Head يحتفى بالحب والصداقة

حول "ستيتش هيد"، الوحش اللطيف المصنوع من الخردة، وهو من ابتكار العالم المجنون الذي يصنع الوحوش فى قلعة جروتيسكيو، ويعمل...

فارس السينما الأكبر أحمد مظهر (3)

قصة صداقة نادرة بدأت فى الكلية الحربية وتعمقت فى «منقباد» عبد الناصر يعمل مدرب ملاكمة للضابط الشاب أحمد مظهر مصادفة...