زقاق المدق.. قراءة فى السياسة المصرية خلال زمن الملك والاحتلال والوفد

فى ستينات القرن الماضى تولى نجيب محفوظ المكانة الأدبية والوظيفية اللائقة به، ولأول مرة تتعاقد الأهرام معه باعتباره كاتبا روائيا عليه أن يكتب رواياته ويسلمها إلى إدارة

فى ستينات القرن الماضى تولى نجيب محفوظ المكانة الأدبية والوظيفية اللائقة به، ولأول مرة تتعاقد الأهرام معه باعتباره كاتبا روائيا عليه أن يكتب رواياته ويسلمها إلى إدارة الأهرام لتنشرها.. واحتفل "هيكل" رئيس تحرير الأهرام بعيد ميلاد "محفوظ" الخمسين، وانتقل الكاتب الكبير من وزارة الأوقاف إلى وزارة الثقافة وعمل "رقيبا" على السينما لمدة عامين، وتحول عدد من رواياته إلى أفلام أنتجتها الهيئة العامة للسينما.. وهنا نتحدث عن روايته "زقاق المدق" التى تحولت إلى مسرحية ثم إلى فيلم أخرجه المخرج الكبير "حسن الإمام"، وكتب له السيناريو والحوار سعد الدين وهبة، واشترك فى تمثيل شخصياته الفنانون عبدالوارث عسر وعدلى كاسب وحسن يوسف وصلاح قابيل وشادية وعقيلة راتب ويوسف شعبان، وهؤلاء قدموا شخصيات الزقاق الموجود فى حى الجمالية بالقاهرة، والعجيب أن هذه الرواية تنتمى إلى نوع الروايات التسجيلية، أى التى تسجل واقعا ملموسا لا دور للخيال فيه إلا دور "المنظم" الذى يقدم أشياء ويؤخر أشياء، لكن الهيكل الأساسى الذى قامت عليه الرواية كان حقيقيا.. كان هناك المعلم كرشة صاحب القهوة، الذى يهوى مرافقة الغلمان وأصحاب الوجوه الحسان، وكانت هناك حميدة التى فكرت فى الصعود إلى أعلى السلم الاجتماعى فلم تجد وسيلة غير السقوط فى بئر الرذيلة والانضمام إلى البيوت التى كانت مخصصة لتلبية رغبات الجيش الإنجليزى المحتل لمصر فى ذلك الزمان.. والرواية التى قام على أصولها الفيلم تقدم صورة للمجتمع المصرى تحت قبضة الاحتلال الإنجليزى، ففى الوقت الذى كان فيه شبان يسقطون شهداء برصاص الاحتلال، كان هناك من يورد الطعام و"المزاج" إلى جنود الاحتلال، وكان من بين رجال السياسة من يرى أن "الإنجليز" قدموا لمصر خدمات جليلة بإقدامهم على احتلالها، وكان هؤلاء الساسة يرون أن قوات الاحتلال جاءت لتلحق مصر بالنهضة والتقدم، وكانت هناك شريحة الخدم أو الهامشيين الذين يبحثون عن المال ويرون فى الجيش البريطانى مصدرا للرزق الواسع، ولا تشغلهم قضية الاستقلال الوطنى، فكل ما يعنيهم هو "المال" والأكل والمتع بكل أنواعها، وهذه الشريحة هى التى سرقت حميدة من الزقاق واستدرجتها إلى أحد شوارع المتعة فى وسط القاهرة، حيث كان فرج أحد هؤلاء الهامشيين يجمع بنات الشعب ويعلمهن ويجهزهن ليكن صديقات لجنود الاحتلال مقابل حصوله على الأموال.. كان يعلمهن الإنجليزية ويشترى لهن الملابس الغالية الأثمان، ويقدمهن لجنود الاحتلال، ويقبض المال الحرام دون أن يهتز له جفن أو قلب أو ضمير! فى المقابل.. كان هناك "عباس الحلو" الشاب الحلاق الذى يعمل فى زقاق المدق ويحلم بالزواج من حميدة، لكن صديقه حسين ابن المعلم كرشة يخبره بأن حميدة لا تريد الزواج من حلاق فقير، وأن لديها الحلم الكبير، حلم الانعتاق من الفقر.. ويقرر عباس الحلو السفر إلى التل الكبير للعمل فى أحد معسكرات جيش الاحتلال ويشترى الشبكة، لكنه يعود فيعرف أن حميدة سرقها تاجر الأعراض فرج وحولها من بنت بلد فقيرة شريفة إلى فتاة ليل تجالس جنود الاحتلال، وبالمصادفة وحدها يرى عباس الحلو "الحبيبة" حميدة وهى تركب عربة حنطور فى وسط القاهرة فى إحدى الليالى، وتنتهى أحداث الفيلم بعودة حميدة إلى "زقاق المدق" لكنها عادت لتموت بين أهلها.. وما قصده "نجيب محفوظ" من هذه القصة واضح للغاية، فبذات الرمزية التى كتب بها نقول إن "حميدة" ابنة الفقراء كانت تمثل الشعب الطامح إلى التحرر والشبع، وهذا الشعب تتنازعه قوتان، قوة حزب الوفد والقوى الوطنية وقوة "السراى" و"كبار الملاك".. القوة الوطنية كانت تتمنى أن تقود الشعب إلى الطريق الصحيح المتمثل فى الكفاح واللقمة الشريفة، لكن القوى الأخرى غير الوطنية باعت الشعب إلى المحتل وقبضت الثمن.. وانتهت القضية الوطنية ـ مؤقتا. ولعل الرواية نجحت فى تصوير ما عاشته مصر فى ثلاثينات القرن الماضى حيث انتهت ثورة 1919 وحل محلها المستبد الطاغية إسماعيل صدقى الذى سلّم البلاد للقصر والمندوب السامى البريطانى، لكن فى عام 1935 صحا الشعب من جديد وتفجرت انتفاضة الطلبة وعادت الثورة إلى الحياة وتبدل المشهد تماما فى زقاق المدق.

عمر الجيزاوى.. عامل بناء جاء من «أبوتيج» ليغير صورة الفـن بالقاهــرة!

اتفق الناس فى مصر على حب الفنان الشعبى عمر الجيزاوى، واختلفوا فى نسبته إلى بلد محدد، فهناك من يقول إنه جيزاوى وهناك من يقول إنه أسيوطى، وبالتحديد من مدينة أبوتيج. ومن واقع خبرة ـ العبدلله ـ ببلاد الصعيد الأعلى أؤكد للقراء الأعزاء أن "عمر سيد سالم" ينتمى إلى أبوتيج، وبالتحديد إلى قبيلة جاءت من ليبيا واستقرت فى أبوتيج، ودليلى هو الملامح واللهجة، وهما عندى أقوى من الوثائق والأوراق الأميرية الحكومية، أما الدليل الثالث المؤكد على انتماء عمر الجيزاوى إلى عرب الصعيد أو عربان الصعيد الأحرار فهو اعتزازه بكرامته وانتمائه إلى الصعيد رغم ما حققه من شهرة جعلته نجما مشهورا فى فرنسا وإيطاليا ولبنان والكويت وغيرها من بلاد الدنيا. وإذا عرفنا أن عمر الجيزاوى بدأ طريق الفن من عالم البناء والغناء على السقالات المشدودة بين العمارات، وعرفنا أنه انطلق من إحياء الأفراح فى الجيزة إلى الغناء فى أفلام السينما والإذاعة، فنحن أمام شخصية بدوية أو عرباوية بامتياز، والبدوى يعيش الخطر دائما، ومطالب بأن يحيا الحياة كريما صامدا مقاتلا.. فالحياة فى الصحراء معناها الفقر، ومعناها الكرم، فالفقر الناتج عن نقص الثروات يستلزم من "بنى آدم" الكرم والتعاطف والتشارك فى هذه الثروة، والثروة نفسها ـ القليلة الكمية ـ تستلزم المشقة للحصول عليها.. انظر إلى البدوى لترى كيف يحصل رزقه، إما من رعى الغنم أو الصيد أو قطع الطريق، وكلها وظائف تستلزم قوة البدن  والشجاعة والتعب.. وعمر الجيزاوى حامل جينات البدوى المقاتل، قاتل حتى وقف أمام الجماهير ليقدم ما عنده من فن، ثم انتقل من مستوى إلى آخر، فى فترة تحول شهدها العالم، فكان الملك فاروق يستعد لمغادرة العرش عندما ظهر عمر الجيزاوى ابن الشعب، وحاول رجال القصر ركوب جماهيرية وشعبية هذا الفنان وطلبوا منه أن يتغنى بأغنية لجلالة الملك، لكن البدوى الذى فى عروقه رفض هذا الطلب، ثم أذن الله بالفرج فجاءت ثورة 23 يوليو 1952 فتغنى بها وغنى لها، وفتحت له الثورة أبواب الإذاعة والسينما، وحقق الانتشار الذى حلم به، ونال التكريم من الرئيس جمال عبدالناصر، وهو الذى أحيا ليلة زفاف السادات على جيهان فنال التكريم من السادات عندما أصبح رئيسا للجمهورية، لكنه فى عهد مبارك وقع له ما لم يكن يتمناه.. فوجئ بالفنانة "شادية" تتغنى بأغنية "يا اللى من البحيرة ويا اللى من آخر الصعيد.. هنوا بعضكم وباركوا مصر اليوم فى عيد" بمناسبة عيد تحرير سيناء، فذهل الفنان الجيزاوى، وطالب بحقه الأدبى فى هذا اللحن الذى سبق به الجميع بذات الكلمات فى خمسينات القرن الماضى، وذهب إلى المحكمة وإلى جمعية المؤلفين والملحنين التى قضت بنسبة "نصف اللحن" إلى عمر الجيزاوى، ونصفه الآخر إلى "جمال سلامة"، لكن محمد عبدالوهاب قال إن عمر الجيزاوى لا حق له فى المطالبة بأى حق فى اللحن الذى تغنت به شادية، فحزن عمر وأصيب بجلطة أودت بحياته رحمه الله فى عام 1983.

حسن البارودى.. الفنان الذى قدم شخصية رجل الدين المنافق فى «الزوجة الثانية»

الفنان الرائد الكبير حسن الباردوى صعيدى الأصل، وهذا واضح من اسمه وملامحه.. ففى "جرجا" عائلة كبيرة مشهورة هى "آل الباردوى"، وفى أسيوط قرية كبيرة اسمها البارود، وسواء كان من "بارودية" جرجا أو بارود أسيوط، فلا فرق ولا اختلاف، وإن لم يكن تخمينى هذا صحيحا فالملامح عربية قُحّة، والشخصية تحمل سمات العرب، حسب ما رواه ولده الدكتور أشرف حسن البارودى. وأول مرة قرأت فيها اسم هذا الفنان كانت فى مذكرات الرائد المسرحى "فتوح نشاطى"، وعرفت من هذه المذكرات أن البارودى كان يترجم الروايات عن الفرنسية ويتولى تمصيرها، ثم عمل فى وظيفة الملقن وهى وظيفة تفرض على صاحبها الجلوس أسفل خشبة المسرح وبيده نسخة من المسرحية، ودوره يتلخص فى تلقين "الممثل" الجملة التى نسيها فيستقيم الحوار ولا يشعر الجمهور بالفراغ أو الخلل، ثم انتقل حسن الباردوى من هذه الوظيفة إلى الترجمة والتمثيل فى فرقة رمسيس، ثم عمل مع الفنانة "فاطمة رشدى"، وبعد ذلك كون فرقة مسرحية مع الفنانة "نجمة إبراهيم"، وسافر مع فرقته إلى السودان وعاش هناك عشر سنوات، ثم عاد من السودان ليعمل فى السينما والمسرح والإذاعة.. ومن المهم أن نعرف أن حسن البارودى عمل مع يوسف وهبى صاحب فرقة رمسيس لمدة عشرين عاما، وتولى فى عام 1950 إحدى إدارات المسرح الشعبى، وظل فى هذه الوظيفة إلى عام 1954، وعندما ازدهر مسرح الدولة فى ستينات القرن الماضى كان البارودى حاضرا ومشاركا فى هذه النهضة، فقدم أدوارا مهمة فى غالبية المسرحيات التى قدمها المسرح آنذاك، منها "سكة السلامة" و"بداية ونهاية"، أما العمل فى السينما فقد بدأه البارودى بفيلم "بنت النيل" فى عام 1929، وفيلم "صاحب السعادة كشكش بيه" فى عام 1931، وفيلم "ليلى بنت الريف" فى عام 1941.. وفى عام 1955 عمل مع توفيق صالح فى فيلم "درب المهابيل"، وعمل مع صلاح أبوسيف فى فيلم "الفتوة" فى عام 1957 ، ومع يوسف شاهين فى فيلم "باب الحديد" وقدم شخصية "بائع الصحف" الذى يعطف على "قناوى" البائع السريح عاشق "هنومة"، وهو الذى يقنعه بارتداء قميص مستشفى الأمراض العقلية بعد أن حاول قتل هنومة وهدد بالانتحار على شريط القطار فى محطة السكة الحديد.. وفى عام 1959 شارك فى فيلم "حسن ونعيمة" وقام بدور الحاج عبدالحق خال "نعيمة" الطيب الذى سعى إلى إتمام زواجها من حسن رغم أنف "عطوة" ابن عمها ووالدها، وفى عام 1967 قدم البارودى شخصية تحولت إلى "علامة" من علامات السينما، شخصية رجل الدين المنافق الذى يعمل لحساب "العمدة" ويفسر القرآن الكريم لصالحه، ضد الفلاح المسكين "أبو العلا"، ويبرر الجريمة التى أقدم العمدة على ارتكابها وهى تطليق "فاطمة"ـ سعاد حسنى ـ من زوجها الفقير بزعم أن الدين يأمرنا بطاعة أولياء الأمور فى كل الأحوال.. وفى الإذاعة قدم البارودى بصوته المميز شخصية "أبو الفرج الأصفهانى" صاحب كتاب الأغانى، وشارك فى آخر فيلم فى مشوار حياته الفنى وهو "العصفور" مع يوسف شاهين، وتوفى فى عام 1974 عن عمر ناهز 84 عاما.

 


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...