من مظاهر عبقرية الراحلين صلاح أبوسيف ومحسن زايد تحويلهما قصة عادية كتبها أديب يرصد فيها صورة المجتمع إلى فيلم مهم جدا يحوى مشاهد راصدة لحياة الطبقات الشعبية فى
من مظاهر عبقرية الراحلين صلاح أبوسيف ومحسن زايد تحويلهما قصة عادية كتبها أديب يرصد فيها صورة المجتمع إلى فيلم مهم جدا يحوى مشاهد راصدة لحياة الطبقات الشعبية فى "القاهرة" عقب وقوع هزيمة 5 يونيو 1967. وقبل أن نتطرق إلى الفيلم المهم "حمام الملاطيلى" نود أن نعرف القراء الأعزاء خطورة هزيمة 5 يونيو 1967، فهى هزيمة سقطت خلالها مدينة القدس، والضفة الغربية لنهر الأردن، وسيناء المصرية، وهضبة الجولان السورية، وهى هزيمة لمشروع "الوحدة العربية" والاستقلال الوطنى، ولهذا فهى تمثل الجرح الغائر فى نفوس العرب، وآثارها الاجتماعية والنفسية على العرب كانت قاسية، ولهذا نجد صداها فى الفنون، خاصة الأدب والسينما، ومن أدلة ذلك رواية "المرايا" التى كتبها "نجيب محفوظ" عقب الهزيمة ورفض "هيكل" نشرها على صفحات "الأهرام" لأنه رأى فيها إحياء لمرارة "الهزيمة" وتعريضا بالنظام الذى كان المسئول عن وقوعها وهو نظام ثورة 23 يوليو 1952 ورئيسه الراحل جمال عبدالناصر.
أما فيلم "حمام الملاطيلى" فهو فيلم قام على سيناريو رائع للراحل محسن زايد، وتمثيل راق لطاقم الفنانين: محمد العربى (ودوره فى هذا الفيلم هو أول أدواره على الإطلاق) وشمس البارودى وفايز حلاوة وإبراهيم قدرى (صاحب العبارة التى تتكرر طوال الفيلم "ربنا يتوب علينا")، ويوسف شعبان الذى غامر بتقديم شخصية خاف منها الفنانون وهى شخصية الفنان التشكيلى المنحرف أخلاقيا، لكن يوسف أداها بنجاح كبير. وقصة هذا الفيلم تدور حول الشاب "أحمد طاهر" المولود فى الإسماعيلية والمقيم فى الشرقية بعد قيام الحكومة بتهجير أهالى الإسماعيلية وبورسعيد والسويس إلى محافظات الدلتا والصعيد حماية لهم من غارات الطيران الإسرائيلى التى لم تتوقف عن القصف والقتل منذ يوم الهزيمة، وجاء أحمد إلى القاهرة ليبحث عن عمل يساعده على الالتحاق بكلية الحقوق - حسب رغبة الوالد والوالدة - وأثناء رحلة البحث يكتشف أحمد الشاب الصغير حجم الفساد المسيطر على أجهزة الحكومة.. ظهر ذلك فى المشاهد التى قدمها المخرج داخل المصلحة الحكومية، فهذا موظف مستغرق فى حل الكلمات المتقاطعة، وآخر مشغول بتلميع حذائه، وموظفة تقضى وقت العمل فى أشغال التريكو.. وهذه المشاهد ترجمتها السياسية هى أن جهاز الحكومة المكدس بآلاف الموظفين أصبح يشكل عبئا على الموازنة العامة، فهؤلاء الموظفون يمثلون بطالة مقعنة لا يعملون شيئا ويتقاضون رواتب من المال العام، وكانت هذه اللقطات أول دفعة من جانب السيناريست تجاه عرض الواقع المصرى وإظهار أسباب الهزيمة.. ثم تنقلنا الكاميرا إلى حديقة عامة يتجمع فيها فقراء يبيعون الشاى للرواد، ومنهم فتاة الليل التى هربت من أهلها فى الصعيد ودهستها أقدام المدينة القاسية.. ورغم أن هذه الفتاة كانت تحمل حلما كبيرا وطموحا أكبر فإن قسوة الظروف أفقدتها الطموح والكرامة، ثم قتلت على أيدى أهلها!
وقدم السيناريست والمخرج صورة من عالم القاهرة الشعبية، بالتحديد حى الجمالية، فالتحق أحمد طاهر بوظيفة كاتب حسابات فى المستوقد الملحق بحمام شعبى يستحم فيه الراغبون، ويتجمع فيه الرجال المنحرفون أخلاقيا، ومنهم وكيل وزارة كان يواعد شابا عاطلا مقابل منحه الأموال التى تسد جوعته، وتنتهى هذه العلاقة الآثمة بمقتل وكيل الوزارة على أيدى الشاب العاطل، وكذلك الفنان التشكيلى رؤوف بك - يوسف شعبان - الذى يمارس نفس الممارسات المنحرفة ويدعو أحمد طاهر الشاب الضائع فى المدينة ليشاركه هذه الممارسات تحت مسمى الحرية والتحرر.
والفيلم لمن لا يعرف لاقى هجوما حادا عند عرضه، لأن البعض اعتبره تشهيرا بالبلاد ودعوة لليأس والإحباط، لكن هؤلاء مردود على دعايتهم بشخصية الفنان "إبراهيم عبدالرازق"، الذى كان يرتدى ملابس الدراويش، ويحكى مواقف من تاريخ الشعب المصرى.. حكى قصة "طومان باى" الذى تصدى للسلطان العثمانى "سليم الأول"، وكانت نهايته القتل وتعليق جثته على "باب زويلة" لعدة أيام، وكانت آخر عبارة نطق بها هذا "الدرويش" المثقف عبارة "اصحى يا مصر"، وهى عبارة تحريض للشعب كى ينسى آلام الهزيمة ويمتلك القدرة على تجاوز المحنة. والفيلم لا يعرض كثيرا على قنوات التليفزيون بدعوى أنه يحتوى عبارات خادشة للحياء ومشاهد جارحة للشابات والشبان والعائلات المحافظة، لكن الحقيقة التى لا يستطيع أحد إنكارها هى أن ما جرى للمجتمع المصرى والعربى من تحلل وتفسخ قيمى وأخلاقى كان أكبر مما توقع الساسة وعلماء الاجتماع.
سؤال لأهل الثقافة والإعلام: أين اختفت الفنون الشعبيـة المصرية؟
منذ عام 1955 حرصت الدولة المصرية على إحياء الفنون الشعبية، وتولى الكاتب يحيى حقى والكاتب الراحل زكريا الحجاوى تشكيل أول فرقة موسيقية غنائية تعبر عن فنون الفلاحين والبدو وغيرهم من أهل مصر الذين صنعوا حضارتها القديمة. والقصة كما حكاها يحيى حقى فى كتابه "يا ليل.. يا عين" الذى صدر عن "هيئة الكتاب" تتلخص فى أن الرئيس الصينى قرر أن يزور مصر ردا على زيارة قام بها الرئيس "جمال عبدالناصر" إلى الصين، وتقرر أن يتم تقديم جانب من الفنون الشعبية المصرية للضيف الاسيوى الكبير، وبالفعل تولى زكريا الحجاوى عملية تجميع الفنانين من القرى والنجوع والعزب، وتم عمل اوبريت "يا ليل يا عين"، وسر الضيف الصينى، وأعجب الرئيس عبدالناصر بـ"الأوبريت"، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الفنون الشعبية محل اهتمام الدولة، فنشأ المركز القومى للفنون، ومجلة الفنون الشعبية، ومعهد الفنون الشعبية، وتم دمج فرقة رضا ضمن أجهزة وزارة الثقافة، وخصصت الإذاعة المصرية مساحة أسبوعية للراحل "زكريا الحجاوى" ليقدم خلالها برنامجه الشهير السامر، وهو برنامج اعتنى بتقديم فنون الشعب فى مختلف أقاليم مصر، وقدم بعد ذلك الإذاعى سيد على السيد برنامج "أنغام من بلدنا"، ثم قدمت نفس البرنامج الإذاعية عايدة شكرى، وكانت هناك إذاعة اسمها إذاعة الشعب كانت موجهة إلى الفلاحين وغيرهم من المواطنين من غير سكان المدن الكبرى، وانتهت هذه الإذاعة وأنشئت بدلا عنها عشر إذاعات محلية - ما زالت تعمل إلى الآن - موجودة فى محافظات الإسماعيلية والإسكندرية وشمال سيناء وجنوب سيناء وأسوان والمنيا ومطروح والوادى الجديد وحلايب.. لكن السؤال الذى يطرح نفسه بقوة: أين اختفت فنون الفلاح المصرى؟
هل سقط الفلاح من حسابات القائمين على الثقافة والإعلام المملوك للدولة؟
وأعتقد أن أربعين مليون مواطن يعملون فى الزراعة ما زالوا يقدمون الفنون التى تعبر عن أفراحهم وآلامهم ونظرتهم إلى الحياة بتفاصيلها، ومازالت أعمال الفنانين محمد طه وأبودراع وفاطمة سرحان وخضرة محمد خضر وحفنى أحمد حسن والتونى وياسين التهامى وغيرهم من عباقرة الغناء الشعبى قادرة على مخاطبة قلوب الملايين من أبناء الوطن المقيمين فى وادى النيل والصحارى والسواحل. وإذا كان الإنتاج الفنى قد تجاهل هذه الملايين فإن هذه الملايين مازالت تمارس إبداعها الخاص القادر على تلبية احتياجاتها، لكن بالطريقة المناسبة لظروفها وقدراتها المالية.. وأخيرا أقول إن الاهتمام بالفنون الشعبية هو اهتمام بالهوية الوطنية، وحفاظ واجب على الهوية الحضارية فى مواجهة العولمة الهادفة إلى محو ثقافات الشعوب وإبادتها.
الفنانة معالى زايد..
ضحية موهبتها الكبيرة واعتزازها بكرامتها
الفنانة "معالى زايد" واحدة من الفنانات الموهوبات.. كانت رسامة تخرجت فى كلية التربية الفنية، وفى رواية أخرى الفنون الجميلة، لكنها فى كل الأحوال كانت رسامة "بورتريه" متميزة، ولم تتخل عن هذا النوع من الإبداع طوال رحلة عملها فى التمثيل على الشاشة الصغيرة، ثم الشاشة الكبيرة، وهى ابنة الفنانة " آمال زايد" التى قدمت شخصية "أمينة" فى فيلم "بين القصرين"، وشخصية "أم فؤادة" فى فيلم "شىء من الخوف"، وخالتها هى الفنانة "جمالات زايد" إحدى علامات فرقة "ساعة لقلبك" الإذاعية، التى حققت حضورا جماهيريا كبيرا فى حقبة الخمسينات من القرن الماضى. ومعالى زايد من مواليد عام 1953، وتوفيت إلى رحمة الله عام 2014 بعد صراع مع مرض "سرطان الرئة".. وبين تاريخ الميلاد والوفاة عاشت "معالى زايد" حياة صاخبة. قدمها المخرج الرائد "نور الدمرداش" لأول مرة فى مسلسل "الليلة الموعودة" مع الفنانين أنور إسماعيل وصلاح السعدنى وكريمة مختار، ثم توالت مشاركاتها التليفزيونية فقدمت دورا مهما فى مسلسل "دموع فى عيون وقحة" مع الفنان عادل إمام، حيث قدمت دور الزوجة "المكفوفة" للبطل "جمعة الشوان" الذى جندته المخابرات المصرية فى الفترة التى تلت هزيمة 5 يونيو 1967، وأجادت "معالى زايد" تقديم هذه الشخصية بما لديها من خبرة ومعرفة بالحياة فى البيوت الشعبية، فهى من مواليد حى "السيدة زينب" وتنتمى إلى عائلة "المنباوى"، واستمدت اسم "زايد" من عائلة والدتها، ودخلت معالى السينما فقدمت فيلم "البيضة والحجر" وظهرت فيه بصورة فتاة جميلة تنتمى إلى أحد الأحياء الشعبية وتخاف من الجن والعفاريت، وتظن أن عدم زواجها راجع إلى عمل سحرى أسود، ثم يتلقفها أجنبى أعجبه جمالها فتسافر معه إلى أمريكا وتعود فى صورة شخصية غنية، مثقفة، تتحدث الإنجليزية. وقدمت "معالى زايد" دورا مهما فى فيلم "كتيبة الإعدام" وكانت تطارد فيه "نور الشريف" عقب خروجه من السجن وهى تظن أنه قتل والدها أثناء حصار مدينة "السويس".. والفيلم من إخراج عاطف الطيب. وقدمت أدوارا عديدة فى أفلام منها "للحب قصة أخيرة" و"قضية عم أحمد" و"الأرملة والشيطان" و"السادة الرجال" الذى حصلت عن دورها فيه على جائزة "أحسن ممثلة" عام 1987. وغابت "معالى زايد" فترات طويلة عن جمهور التليفزيون والسينما لأنها كانت تتحرك وفق "الهواية" لا وفق المكسب والخسارة، وكانت ترفض أعمالا كثيرة لأنها كانت تعتز بكرامتها وترفض أن تكون مجرد صورة جميلة تزين الفيلم أو مجرد سنيدة لأحد النجوم الموجودين فى سوق السينما، وهذه الشخصية القوية التى تمتعت بها الفنانة الراحلة معالى زايد لم يقبلها "النجوم" الكبار، فحرضوا عليها المنتجين فأهملوها، فلم تظهر على الشاشة لفترات طويلة، وتعرضت - رحمها الله - لمضايقات من "مهاويس" الجماعات الإرهابية فأقاموا ضدها دعاوى الحسبة واتهموها بالتحريض على الفسق والفجور فى أفلام "أبوالدهب" و"للحب قصة أخيرة".. وعاشت معالى زايد الحياة مرفوعة الهامة رحمها الله برحمته الواسعة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهدت الدورة الثامنة والتسعون من جوائز الأوسكار ليلة سينمائية حافلة بالإنجازات واللحظات اللافتة فى مسرح دولبي فى هوليوود،
10 سنوات قضاها «زكى» فى كتابة السيناريو.. وكان يفترض تنفيذ الفيلم بـ«منحة فرنسية» «شاهين»: رشحتك مدير مواقع التصوير بـ«المهاجر».. ومستنى...
لا يحتاج الشيخ محمد صديق المنشاوى تقديماً، هو من أصحاب المدارس فى التلاوة، رغم انتساب مدرسة المنشاوية لوالده الشيخ صديق،...
بعد سنوات من الغياب، عاد الفنان الكبير محمد صبحى ليطل على جمهوره في موسم رمضان 2026 من خلال المسلسل الإذاعى...