«الوسية»..عمل درامى يحكى قصة صراع الفلاح المصرى ضد المرابي الأجنبي

مسلسل "الوسية" إنتاج مصرى خالص، لكن لا أحد يتذكره، رغم أنه من إخراج إسماعيل عبدالحافظ، ويقدم صفحة مهمة من صفحات تاريخ الفلاحين. والمصريون شعب من الفلاحين، نشأت

مسلسل "الوسية" إنتاج مصرى خالص، لكن لا أحد يتذكره، رغم أنه من إخراج إسماعيل عبدالحافظ، ويقدم صفحة مهمة من صفحات تاريخ الفلاحين. والمصريون شعب من الفلاحين، نشأت حضارتهم على جانبى نهر النيل، وكل أقسام التاريخ فى الجامعات المصرية تشهد، والمتاحف كذلك.. لكن هناك حالة تنكر لكل ما هو "فلاحى"، ولا أعرف السبب، ولا أعرف "الجهة" المستفيدة من إسقاط الصبغة "الفلاحية" عن "مصر".. ومن يشاهد مسلسل "الوسية" عليه أن يتذكر أن كاتب القصة هو الدكتور "خليل حسن خليل" أحد كبار المثقفين المصريين الذين كان لهم حضور فى زمن ثورة يوليو 1952، وهذا الرجل كافح ونجح فى تقديم صورة طيبة للإنسان المصرى القادر على تغيير واقعه القاسى إلى واقع رحيم، وقصة حياة "الدكتور خليل" هى ذاتها قصة مسلسل "الوسية"، وهى قصة كفاح الفلاحين المصريين فى فترة الثلاثينات من القرن الماضى، وهى سنوات عاش الناس خلالها واحدة من أعتى الأزمات المالية العالمية، دفع ثمنها "الفقراء" فى العالم، لكن فى مصر كان إسماعيل صدقى رئيس الوزراء وهو ممثل "الطبقة الغنية"، وبالتالى قام بعمل برنامج اقتصادى لإنقاذ ملاك الأراضى من آثار تلك الأزمة العالمية التى هزت أركان أوروبا وأمريكا، وكانت مقدمة للحرب العالمية الثانية. ويقدم المسلسل صورة لحياة أسرة فلاح يعيش فى قرية "الرباعى" مركز "كفر صقر" محافظة الشرقية، اضطر عائل هذه الأسرة إلى الاستدانة من المرابى الأجنبى، ثم زادت الديون على قيمة الأرض المرهونة، فاستولى عليها "المرابى" وفاء لدينه، وكان هناك نظام الامتيازات الأجنبية، وهو نظام نشأ مع ديون الخديو إسماعيل التى استدانها من الدول الغربية، يمنع محاكمة الاجانب أمام المحاكم المصرية، ونشأت المحاكم المختلطة التى كانت تضم قضاة أجانب ينحازون إلى أ بناء جنسياتهم، وكانت هذه الامتيازات إحدى الطرق التى يلجأ إليها الأثرياء المصريون للتخلص من سيطرة الدولة المصرية، كانوا يشترون جنسية إحدى الدول الأوروبية وعقب حصولهم على هذه الجنسية يصبحون فى نظر القانون مواطنين أجانب لا تجوز محاكمتهم أمام المحاكم المصرية، وتكون المحاكم المختلطة هى الجهة التى تفصل فى مشكلاتهم باعتبارهم غير مصريين. وحلقات الوسية تقدم حياة المجتمع الريفى فى الشرقية والدلتا كلها فى تلك الفترة التى كانت قاسية على المصريين جميعا، خاصة الفلاحين، لأن الأجانب اتجهوا إلى شراء الأراضى فى محافظات الدلتا وتحكموا فى الفلاحين واستخدموا فى ذلك جيشا من الموظفين والكتبة الذين لا ذمة لهم ولا ولاء، فطوقوا اعناق الفلاحين بالديون، واستغلوا تفشى الأمية بينهم وخدعوهم وسلبوهم بيوتهم وأراضيهم. والدكتور خليل حسن خليل حكى فى "الوسية" حكاية أبيه الذى خسر أرضه بسبب ديون استدانها من المرابى الخواجة. ورغم أن "خليل" حصل على المركز الأول فى الشهادة الابتدائية على مستوى مديرية الشرقية فإن الظروف الصعبة التى استجدت على عائلته جعلته غير قادر على استكمال دراسته، ولما حاول الحصول على المجانية لم يلق الواسطة التى تسهل له الحصول عليها، فاضطر إلى الالتحاق بالوسية، وهى الأراضى الواسعة التى يملكها "خواجة يونانى"، وعمل فيها الأعمال المختلفة حتى تطوع فى الجيش والتطوع معناه العمل الدائم فى الجيش حتى بلوغ سن المعاش، ثم استطاع من خلال عمله فى الجيش أن يلتحق بالجامعة، ويحصل على الدكتوراه فى الاقتصاد السياسى، وبالتالى أصبح لديه الوعى الكافى لتشريح أحوال المجتمع المصرى فى فترة الأزمة المالية العالمية، فهو صاحب خبرة وصاحب وعى، وهذا جعل مسلسل "الوسية" يتحول إلى قطعة من التاريخ الحى النابض بصور الفنانين وأصواتهم، وكان فريق العمل على مستوى السيناريو، ومن هؤلاء الفنانون حمدى أحمد وعبدالرحمن أبوزهرة ومحسنة توفيق وأحمد عبدالعزيز ومحمود حميدة ومحمد الدفراوى وسناء يونس، وكل هؤلاء الفنانين فهموا رسالة المسلسل، فأبدعوا فى التعبير عن حياة الشعب الذى ينتمون إليه ويشعرون بالمسئولية تجاهه، وكلمات المقدمة التى كتبها الشاعر سيد حجاب مثلت إضافة مهمة لهذا المسلسل المهم. ومن المهم أن يشاهد الجمهور المصرى هذا المسلسل مرة ثانية ليعرف كيف تقوم الدول الكبرى بالسطو على ثروات الشعوب الفقيرة تحت مسميات مختلفة، وهذا ما عاشه المصريون مرتين، الأولى فى عهد الخديو إسماعيل، والثانية فى عهد الملك "فؤاد" ابن الخديو إسماعيل، إلى أن جاءت ثورة يوليو 1952، لتقضى على سيطرة الأجانب على الاقتصاد المصرى وتعيد الأرض إلى الفلاحين صناع الثروة والحضارة فى هذا الوطن العزيز.

على فايق زغلول.. أشهر برامج منوعات على موجة الإذاعة المصرية

بين الإذاعى الرائد الراحل على "فايق زغلول" ومجلتنا "الإذاعة والتليفزيون" حكاية، كنت شاهدا عليها.. وقت تولى الكاتب الصحفى "محمد الغريب" مسئولية المجلة تحريرياً.. حيث كتب لنا حلقات من مذكراته. وبالفعل نشرنا منها حلقات كثيرة، عرفت منها أنه صاحب أسلوب صحفى جميل، وكنت مثلى مثل ملايين المستمعين أعرفه إذاعيا مشهورا، كان يقدم برنامجين هما "الغلط فين" و"الطائرة 777"، وكان هذان البرنامجان فى النصف الأول من سبعينات القرن الماضى يمنحانه النجومية الكبيرة والشهرة الواسعة.. فقد كان المصريون فى أحاديثهم اليومية العادية يستخدمون عبارة من عبارات هذا الإذاعى المشهور، وهى "تاخد خمسة وسبعين قرش"، وكانت هذه العبارة يقولها رحمه الله لكل متسابق يستطيع الإجابة عن السؤال المطروح عليه ضمن مسابقات برنامج "الغلط فين"، فكان الشعب المصرى يستخدم هذه العبارة.. فيقولها الواحد من الناس لصديقه، أو يقولها المعلم لتلميذه، إذا أجاب عن سؤال أو قال شيئا صائبا فى موضوع ما.. وكانت الإذاعة تمنح هذه الشهرة للإذاعيين لأن التليفزيون كان أثره ضعيفا، وكانت "الإذاعة" هى الوحيدة القادرة على الوصول للناس أينما كانوا. وعلى فايق زغلول بدأ حياته فى "مجلة الإذاعة" ثم انتقل من "الإدارة" إلى "التحرير"، فأصبح محررا فى المجلة، وفى عام 1948 انتقل من المجلة ليعمل فى الإذاعة فى "مراقبة تنسيق البرامج"، ثم قدم البرامج الخفيفة التى حققت نجاحا ومن أهمها "اخترت لكم" و"كلمة فى خبر" و"الطائرة 777" و"الغلط فين" الذى تحدثنا عنه، واستمر هذا البرنامج لمدة 25 عاما على موجة البرنامج العام، ثم عدل الإذاعى اسمه ليصبح "مسرح المنوعات" وظل يقدمه حتى أحيل للتقاعد. ومن خلال رحلته الإذاعية الطويلة قدم على فايق زغلول المواهب الغنائية التى حققت شهرة ونجاحا، ومن هؤلاء المطربون محمد العزبى ومحمد رشدى وأمانى جادو وماهر العطار وغيرهم. ومن السمات التى ميزت الرائد الإذاعى الراحل أنه امتلك صوتا ضاحكا، لا تمل الأذن سماعه، وامتلك قدرة على الحوار، ولعل برنامجه المهم "برامجنا فى الميزان" كان أول محاولة نقد إذاعى من داخل الإذاعة نفسها، فكان رحمه الله يستضيف واحدا من الصحفيين أو المثقفين ويطلب منه تقييم برامج الإذاعة والإشادة بما يستحق الإشادة والإشارة إلى العيوب الموجودة إن وجدت، وكان هناك لقاء يتم بين مقدم البرنامج والضيف، وكانت المناقشة تدور من خلال هذا البرنامج، فيستفيد المستمع ويتعلم الإذاعيون من خبرات الضيف، وبالتالى تتحقق الفائدة المرجوة وهى الوصول برسالة الإذاعة إلى أكبر قطاع من الجماهير حسبما يقول أساتذة الإعلام المتخصصون.

رحم الله الإذاعى الصحفى "على فايق زغلول" أشهر مقدم برامج منوعات فى تاريخ الإذاعة المصرية.

سعيد صالح.. فنان أحبه الناس

الفنان "سعيد صالح" من علامات زمن التليفزيون المصرى، وزمن التليفزيون فى مصر بدأ فى عام 1960، لكن "سعيد" تألق مع ظهور أول نشاط للتليفزيون وهو أن جهاز التليفزيون له خاصية الانتشار الواسع، وفن المسرح له خاصية الريادة فهو أبوالفنون، وكانت هذه العلاقة ممثلة فى فرق "مسرح التليفزيون" التى قدمت عشرات النجوم للسينما والتليفزيون. وكان سعيد صالح قد حصل على ليسانس الآداب عام 1960، ثم جاء إلى "القاهرة" من قريته "مجيريا" التابعة لمركز "أشمون" بمحافظة المنوفية، ووضعته الأقدار فى طريق الفنان "حسن يوسف" فقدمه إلى مسرح التليفزيون ولاقى نجاحا جعله يقدم المسلسلات الدرامية، وكانت لونا فنيا جديدا على المصريين فى تلك الفترة، فاشترك فى مسلسلات ناجحة منها "هارب من الأيام" و"خيال مآتة" وغيرهما. وفى السينما قدم "سعيد صالح" خمسمائة فيلم، وفى المسرح قدم ثلاثمائة فيلم، إلى جانب العشرات من الأعمال التليفزيونية والإذاعية. وتبقى له بعض الأعمال التى مثلت علامات فى تاريخه الفنى، مثل "مدرسة المشاغبين" التى قدم من خلالها شخصية "مرسى الزناتى"، وقد تحولت هذه المسرحية إلى علامة على "عصر" كامل، عصر التحول من "الناصرية" إلى "الساداتية" أو التحول من عصر "القطاع العام" إلى عصر "الانفتاح الاقتصادى"، وهاجمها النقاد واعتبروها عملا يناقش ظاهرة موجودة فى المجتمع، فالعلاقة بين التلميذ والمدرسة اهتزت منذ هزيمة 5 يونيو 1967، عندما تعرض المجتمع لهزة عنيفة جعلت "الأخلاق والقيم" التى تربى عليها تتعرض لاختبار عنيف، ففقد المعلم هيبته وفقد التعليم مكانته لدى الشعب، فقد كان التعليم هو الطريق للصعود الاجتماعى وهو الطريق للنهوض الوطنية، لكن بعد وقوع الهزيمة ضاع هذا كله وظهرت "الفلوس" لتصبح "الهدف" الوحيد الذى يسعى الناس إليه، وضاع " الانتماء الوطنى" وحل محله "الحلم الفردى"، حلم امتلاك الشقة الفاخرة والسيارة والسكن فى "برج" مطل على "النيل"!

والفنان "سعيد صالح" موهوب بالفطرة بموهبة الحضور الطاغى، فلم يدرس التمثيل دراسة أكاديمية، لكنه حقق شهرة ونجومية بفضل هذا الحضور على خشبة المسرح، حتى إنه حصل على لقب "فتى المسرح"، لكنه دخل فى صراع مع "نظام مبارك"، فتحول من فنان ونجم حاضر على الشاشة إلى نزيل فى سجون النظام، فدخل السجن مرتين، مرة قضى أربعة شهور وراء القضبان، ومرة قضى سنة كاملة، لكنه ظل محتفظا بمحبة جمهوره له، ويكفى أن نتذكر له حلقات المسلسل التليفزيونى "السقوط فى بئر سبع"، الذى روى جانبا من قصص الصراع بين المخابرات المصرية والمخابرات الإسرائيلية فى الفترة التى سبقت حرب العبور المجيدة فى أكتوبر 1973، وسوف يبقى "سعيد صالح" فى وجدان الناس الذين أحبوه ومشوا فى جنازته فى يوم من أيام أغسطس 2014.


 	خالد اسماعيل

خالد اسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...

«Me & Roboco».. فيلم الفانتازيا والكوميديا

حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...

الفنان محمد إبراهيم يسرى: والدى دخل المستشفى على قدميه وخرج محمولاً

11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...