في يومه الدولي.. السلام حلم الإنسانية في عالم مضطرب ومثقل بالحروب

في زمن يموج بالصراعات وتعصف به الحروب.. ووسط تصاعد ملحوظ في وتيرة النزاعات.. وارتفاع غير مسبوق في أعداد الضحايا والنازحين والمحتاجين للمساعدات الإنسانية العاجلة ..

يحتفل العالم الأحد باليوم الدولي للسلام.. من أجل التذكير بضرورة احترام القانون الدولي الإنساني، ودعم حقوق الإنسان، والدعوة إلى إنهاء النزاعات المسلحة ونبذ العنف وتعزيز ثقافة السلام بين الشعوب، وتوفير بيئة تمكن التنمية المستدامة من أن تزدهر.

اليوم العالمي

في الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام، تحتفل الأمم المتحدة والعالم بـ "اليوم الدولي للسلام"، وهو اليوم الذي أقرته الجمعية العامة بقرارها رقم 36/67 عام 1981، وجددته بقرار 55/282 عام 2001 ليصبح مناسبة سنوية مكرسة لوقف إطلاق النار والدعوة إلى نبذ العنف وتعزيز ثقافة السلام بين الشعوب.

هذا اليوم لا يعد مجرد احتفالية رمزية، بل منصة عالمية تستعرض فيها الأمم المتحدة التقدم المحقق نحو إنهاء النزاعات المسلحة.

وقد شددت رسائل المنظمة هذا العام على أن السلام لن يتحقق ما لم يُترجم إلى حماية فعلية للمدنيين في مناطق الصراع، وعلى رأسها قطاع غزة.

شعار عام 2025.. "اعملوا الآن"

اعملوا الآن من أجل عالم يسوده السلام.. هو شعار الاحتفال باليوم العالمي للسلام لعام 2025.. فلكل منا دور يؤديه، من أفراد حفظ السلام الواقفين على خطوط النار في مناطق النزاع، إلى أفراد المجتمعات، إلى التلاميذ في الفصول الدراسية المنتشرة في أصقاع الأرض.

علينا أن نرفع أصواتنا في وجه العنف والكراهية والتمييز واللامساواة، وأن نمارس الاحترام ونحتفي بتنوع عالمنا.

وهناك سبل كثيرة يمكن أن نسلكها بدءًا من هذه اللحظة. فلنُشعل حواراتٍ حول الحاجة الملحة إلى التفاهم، ونبذ العنف، ونزع السلاح. لنتطوع في مجتمعاتنا، ونصغِ إلى أصوات تختلف عن أصواتنا، ونتصدَّ للعبارات التمييزية في أماكن العمل، ونبلِّغ عن التنمّر في الفضاء الرقمي وخارجه، ونتأنّى في التثبّت من الوقائع قبل نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي.

العالم أصبح أكثر عنفا

العالم أصبح اليوم أكثر عنفاً وتشرذماً بكثير مما كان عليه قبل عقد من الزمن..

كانت السنوات الأربع الماضية الأكثر عنفاً في العالم منذ نهاية الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات في القرن الماضي.

ووفق تقرير «اتجاهات الصراع: نظرة عامة عالمية»، الصادر عن معهد أبحاث السلام في أوسلو (PRIO)، يزداد اللجوء إلى العنف المسلّح في الصراعات المختلفة بوتيرة لم يشهدها العالم منذ حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وسجلت سنة 2024 رقماً قياسياً جديداً في عدد من الصراعات المسلحة بين الدول هو الأعلى منذ أكثر من 7 عقود.

وسجّلت أيضاً نحو 61 صراعاً مسلحاً في 36 دولة.

شهد العالم نحو 185 صراعاً مسلحاً في العام 2024، بزيادة قدرها 15% بالمقارنة مع العام 2014، وبنسبة 64% بالمقارنة مع العام 2004.

وتتنوع هذه الصراعات بشكل واسع لتشمل صراعات مسلّحة بين الدول، وحروب أهلية، وحروب بالوكالة تدار من الخارج، بالإضافة إلى صراعات دينية أو قومية أو عشائرية أو صدامات بين عصابات تقوم بأنشطة غير شرعية مثل تهريب المخدرات، فضلاً عن أعمال عنف أحادية الجانب تنفذها جهات حكومية أو غير حكومية ضد المدنيين العزل.

أفريقيا الأكثر تضرراً

وأوضح التقرير أن القارة الإفريقية ما زالت الأكثر تضرراً من الصراعات، حيث سُجّل فيها 28 نزاعاً حكومياً، وهو ضعف ما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات. تلتها آسيا بـ17 صراعاً، ثم الشرق الأوسط بـ10، وأوروبا بثلاثة، والأمريكتان بصراعين اثنين.

وفي المقابل، لوحظ انخفاض طفيف في عدد النزاعات غير الحكومية، من 80 صراعاً في 2023 إلى 74 في 2024.

أرقام صادمة

وبينما يحيي العالم هذا اليوم لا تزال الحروب والنزاعات تحصد أرواح المدنيين في مناطق مختلفة، من فلسطين والسودان واليمن، مرورًا بأوكرانيا وأفغانستان، وصولًا إلى مناطق أخرى تشهد توترات مزمنة.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الملايين من الضحايا بين قتيل وجريح ونازح يعانون من ويلات العنف المسلح، ما يجعل الدعوة إلى تعزيز السلام أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

فبحسب تقارير الأمم المتحدة، شهد عام 2023 مقتل أكثر من 33 ألف مدني في مناطق الصراع، بزيادة تقارب 72% عن العام السابق، بينهم نساء وأطفال يشكّلون نسبة كبيرة من الضحايا.

كما ارتفع عدد النازحين قسرا إلى مستوى غير مسبوق، حيث تخطى 122 مليون شخص حتى مطلع 2025،وهو ضعف الرقم المسجل في عام 2015.. من بينهم ما يقرب من 74 مليون نازح داخلي و43 مليون لاجئ عبر الحدود.

يعيش الآن أكثر من 473 مليون طفل - أكثر من 1 من كل 6 أطفال على مستوى العالم - في مناطق متأثرة بالصراع.

و281.6 مليون شخص يعانون من أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي.

هذه الأرقام تعكس عمق المأساة الإنسانية التي يعيشها ملايين البشر، وتجعل من الدعوة إلى وقف الحروب وإحلال السلام حاجة ملحة لا تحتمل التأجيل

غزة: التحدي الأكبر لشعارات السلام في 2025

مع تصاعد الأحداث في قطاع غزة خلال 2025، بات واضحًا أن اليوم الدولي للسلام يكتسب معنى مضاعفًا، فقد أكدت تقارير الأمم المتحدة أن القطاع يشهد واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، ما يجعل الدعوة لوقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات اختبارًا حقيقيًا لجدية المجتمع الدولي في الالتزام بروح هذا اليوم.

وفي هذا السياق، شددت بيانات الجمعية العامة ومجلس الأمن على ضرورة ضمان هدنة دائمة تفضي إلى حل سياسي شامل، مع إعطاء أولوية لإعادة الإعمار، وحماية المدنيين، ورفض أي محاولات للتهجير القسري.

الدور المصري: من الوساطة إلى إعادة الإعمار

هنا يبرز دور مصر باعتبارها أحد أهم الفاعلين الإقليميين في ملف السلام، فمنذ اندلاع الحرب في غزة، قادت القاهرة جهودًا متواصلة للوساطة بين الأطراف، وسعت بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لوقف إطلاق النار وضمان دخول المساعدات الإنسانية.

وفي 11 فبراير 2025، أعلنت وزارة الخارجية المصرية أنها بصدد طرح خطة شاملة لإعادة إعمار غزة، تقوم على ضمان الشفافية والمشاركة الفلسطينية الفعلية، مع رفض أي محاولات لفرض واقع جديد على الأرض عبر التهجير.

وبعدها بأيام، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحفي مع رئيس وزراء إسبانيا في 19 فبراير 2025 أن إعمار غزة يجب أن يتم دون تهجير سكانها، وبما يحترم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وتوجت هذه الجهود في 4 مارس 2025 خلال قمة الجامعة العربية الطارئة في القاهرة، حيث عرضت مصر رسميًا خطتها للإعمار، وحشدت دعمًا عربيًا ودوليًا واسعًا لهذه الرؤية التي تترجم شعار الأمم المتحدة للسلام على أرض الواقع.

إسهامات مصر في القضية الفلسطينية هذا العام لا تنفصل عن روح اليوم الدولي للسلام، بل تُجسدها عمليًا، فبينما تدعو الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين، تتحرك القاهرة على الأرض من أجل تحويل هذه الدعوات إلى واقع ملموس..

وبذلك تبرز مصر كجسر بين المبادئ الدولية وبين متطلبات الأمن والاستقرار في المنطقة، مؤكدة أن السلام ليس مجرد شعار عالمي، بل ممارسة عملية تتطلب إرادة سياسية وشراكات فاعلة.

التوصيات التي أصدرتها مصر في المحافل الدولية لوقف الحرب بغزة

1. تعزيز العمل مع الأمم المتحدة، لا سيما الجمعية العامة، مجلس الأمن، ومنظمات حقوق الإنسان، لضمان أن أي قرار يتم تبنيه ينفذ، ليس فقط يقر.
2. ضمان أن الخطة المصرية لإعادة إعمار غزة تشمل مراقبة دولية ومحلية لضمان الشفافية ومنع الفساد، وضمان مشاركة فلسطينية في التصميم والتنفيذ.
3. تأكيد وقف دائم لإطلاق النار مع ضمانات، وليس فقط هدنة مؤقتة، يُفضي إلى حل سياسي شامل.
4. العمل على حملات دولية للمساعدة الإنسانية لا تتوقف بفعل النزاعات، بل تُسهِّل تسليم المساعدات الأساسية إلى المدنيين بدون عوائق.
5. التشديد على الحقوق الأساسية للفلسطينيين، وضرورة احترام القانون الدولي، وتوفير حماية المدنيين كجزء لا يتجزأ من أي اتفاق سلام.


مصر والسلام العالمي

كانت مصر في طليعة الدول المساهمة في إحلال السلام عالمياً، بدءاً من دورها كمؤسس للأمم المتحدة، ولتجمعات الجنوب العالمى، وعلى رأسها حركة عدم الانحياز ومجموعة الـ77 المطالبة بنظام دولى منصف، عادل، يحترم القانون الدولى ويحقق التطلعات التنموية لشعوب العالم أجمع، وهى الضمانة الأوثق لصيانة السلم والأمن الدوليين.

الدور المصري الرائد في جهود إحلال السلام امتد أيضاً إلى جميع الأزمات في الدول المجاورة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وليبيا والسودان والصومال من خلال الحفاظ على المؤسسات الوطنية في دول الجوار وتمكينها من أداء المسئولية المنوطة بها لخدمة لشعوبها وتحقيقاً لتطلعاتها.

ولا تقتصر مساهمة مصر على المشاركة النشطة في جميع محادثات السلام ذات الصلة، وإنما تقوم كذلك بتسخير كافة قدراتها في دعم تلك الدول الشقيقة المجاورة لتجاوز محنتها الحالية واستعادة السلام والاستقرار المنشودين.

وعلى صعيد بناء القدرات، فقد أسست مصر مركز القاهرة الدولى لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام في عام 1994، بهدف المساهمة الفعالة في تدريب وتأهيل الكوادر المصرية والعربية والأفريقية والفرانكفونية، سواء العسكرية أو الشرطية أو المدنية في مجال حفظ السلام الذى كانت مصر، ولا تزال، رائدة.

وفي النهاية، يبقى السلام ليس مجرد شعار نردده في المحافل الدولية، بل هو مسؤولية إنسانية مشتركة، تبدأ من داخل كل فرد وتمتد إلى المجتمع والعالم أجمع.

فاليوم الدولي للسلام هو دعوة للتأمل والعمل، وفرصة لنتذكر أن مستقبلًا أكثر أمنًا وعدلًا لا يمكن أن يتحقق إلا بالسلام.

 

Katen Doe

هالة حربي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير منوعة

"السياحة والآثار" في أسبوع.. تنشيط السياحة الوافدة وافتتاح متحف "توت عنخ آمون"

تنشيط الحركة السياحية الوافدة لمصر والترويج للمقصد المصري، وافتتاح متحف مستنسخات كنوز الملك توت عنخ آمون، كانت من أهم أنشطة...

"فقاعة الذكاء الاصطناعي".. السيناريوهات المحتملة للتوسع التكنولوجي

طفرة غير مسبوقة يشهدها العالم في تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، مما أدى إلى ارتفاع التوقعات بحدوث...

المتحف الكبير محايد كربونيا وويل سميث في الأهرامات.. أهم حصاد "الآثار" بأسبوع

اعلان المتحف المصري الكبير منشأة محايدة كربونيا وزيارة ويل سميث الأهرامات خلال إجازته في مصر.. كانت أهم حصاد وزارة السياحة...

معرض الكتاب.. نجيب محفوظ محور الدورة الـ57 ومشاركة 1457 دار نشر

"من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قرونا".. كلمات الأديب الكبير نجيب محفوظ ، وشعار معرض الكتاب 2026 في دورته السابعة...