في اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الصراعات .. للحروب ضحايا غير معلنة

للحروب خسائر وضحايا كثيرة لا تعد ولا تحصى فهي لاتحصد قتلى وجرحى من الجنود والمدنيين فقط بل تبقى البيئة في كثير من الأحيان ضحية غير معلنة للحروب.

 

وفي سبيل تحقيق المكاسب العسكرية فقد يتم تلويث آبار المياه، وإحراق المحاصيل وقطع الغابات وتسميم التربة بل وأيضا قتل الحيوانات، وبالرغم من أن الطبيعة لها القدرة على مداواة نفسها بنفسها، دون تدخل البشر لكن يظل العنصر الأساسي لحماية البيئة هو تفادي الوقوع في كوارث طبيعية.

لهذا حرصت الأمم المتحدة على إدخال الأعمال المتعلقة بالبيئة ضمن الخطط الشاملة للسيطرة على النزاعات ولحفظ السلام، حيث إنه يرتبط بالحفاظ على الموارد الطبيعية لدعم النظم الإيكولوجية وحددت الأمم المتحدة 6 نوفمبر من كل عام يوما دوليا لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات لنشر التوعية بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية وحماية البيئة وللإشارة إلى التضامن وإنهاء الصرعات العسكرية والحروب وجعل الحفاظ على البيئة من الأولويات القصوى ومنع استخدامها كنتيجة لآثار الحروب.

واختارت الأمم المتحدة هذا التاريخ باعتبار أن يوم السادس من نوفمبر يصادف ذكرى إطفاء آخر بئر نفطية أشعلتها قوات الغزو العراقي للكويت، حيث أن الإرادة الكويتية نجحت في إطفاء الآبار النفطية في غضون 240 يوما فقط وكان تاريخ إطفاء آخر بئر نفطية يوم 6 نوفمبر 1991، محطمة بذلك كل التوقعات والدراسات التي قدرت أن الآبار لن تطفأ قبل ثلاث سنوات على الأقل.

- الأمم المتحدة وويلات الحروب

"إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب" هي من بين الكلمات الأولى في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة، وكانت هذه الكلمات هي الدافع الرئيسي لإنشاء الأمم المتحدة، التي عانى مؤسسوها من دمار عالمي وحروب بحلول عام 1945.

ومنذ إنشاء الأمم المتحدة في 24 أكتوبر عام 1945 تمت دعوة الأمم المتحدة في كثير من الأحيان لمنع النزاعات من التصعيد إلى حرب، أو للمساعدة في استعادة السلام بعد اندلاع النزاع المسلح، وتعزيز السلام الدائم في المجتمعات الخارجة من الحروب.

وعلى مر العقود، ساعدت الامم المتحدة في إنهاء العديد من الصراعات، في كثير من الأحيان من خلال الإجراءات التي يتخذها مجلس الأمن وهو الجهاز الذي تقع على عاتقه المسؤولية الرئيسية، بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وهي الحفاظ على صون السلم والأمن الدوليين.

وعندما يفضي نزاع ما إلى القتال، يصبح التوصل إلى وضع نهاية للصراع في أقرب وقت ممكن المهمة الرئيسية الأولى للمجلس.

وفي مناسبات عديدة، أصدر المجلس تعليمات لوقف إطلاق النار لعبت دورا أساسيا في منع انتشارالأعمال العدائية على نطاق أوسع وقام المجلس أيضا بنشرعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة للمساعدة في تخفيف حدة التوتر في المناطق المضطربة، وابعاد القوات المتنازعة عن بعضها البعض، وتهيئة الظروف لسلام مستدام بعد أن يتم التوصل إلى التسوية ويجوز للمجلس أن يقرر اتخاذ تدابير إنفاذ، عقوبات اقتصادية مثل عمليات الحظر التجاري أو اتخاذ إجراء عسكري جماعي.

وفي هذا الإطار أوضح برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن أكثر من 40%من الصراعات الداخلية خلال الفترة الماضية مرتبطة بالسيطرة على الموارد الطبيعية ذات القيمة العالية مثل النفط والذهب والأخشاب والماس، أو الموارد النادرة مثل المياه والأراضي الخصبة ذلك لأن أثناء نشوب الصراعات تفشل الحكومات في الحفاظ على مواردها الطبيعية.

- الحروب وأثرها على البيئة

إن الروابط بين النزاعات والبيئة متبادلة التأثير، فمن ناحية كانت القضايا البيئية ولا تزال تمثل أسبابا للصراع، فالتنافس على احتياجات النفط والغاز والمياه والخشب والمراعي يؤدي في كثير من الأحيان إلى نشوب الحروب والصراعات.

وتضع الأمم المتحدة في اعتبارها أن الضرر الذي يصيب البيئة في أوقات الصراعات العسكرية، يتلف النظم الأيكولوجية والموارد الطبيعية لفترة طويلة بعد فترة الصراع وغالبا ما يتجاوز الضرر حدود الأراضي الوطنية والجيل الحالي.

وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن حروب العصر الحديث لا تخلو من أشكال الدمار التي تهدد الأمن البيئي على نطاق جغرافي واسع، حيث لا تعرف الآثار البيئية المدمرة التي تخلفها الحروب الحدود الجغرافية أو السياسية بين الدول، والتي غالبا ما تتعدى دول ومناطق تبعد عن مواقع العمليات العسكرية بمسافات بعيدة، وذلك لاختلاف نوعية الأسلحة الحديثة وشدة درجتها التدميرية ونتائجها وما يتخلف عنها في الطبيعة.

وتعد الحرب العالمية الثانية في نطاقها الأوروبي (1939-1945) حربا شاملة بعيدة المدى بما خلفته من أوجه الدمار والخراب على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفوق ذلك أنها شهدت قبل نهايتها بأسابيع قليلة أول تجربة حية للسلاح النووي ضد اليابان، بإلقاء سلاح الطيران الأمريكي قنبلتين نوويتين فوق مدينتي هيروشيما وناجازاكي على التوالي، وذلك كرد فعل وعقاب مؤخر بعد تقدمها على الأسطولين الأمريكي والبريطاني في المحيط الهادي.

وستبقى أثار تلك التفجيرات النووية لقرون قادمة في المحيط الحيوي، ليس في اليابان وحدها بل في مناطق متفرقة من العالم والتي قد أصابها وابل من سحابة التلوث النووي التي تحركها وتؤثر فيها العوامل الجوية، ولا سيما الرياح السطحية والعلوية وتساقط المطر.

ومن فداحة الحرب العالمية الثانية خسائرها البشرية التي تقدر بنحو 73 مليونا من القتلى، ثلثيهما من المدنيين والثلث الآخر من العسكريين، إلى جانب ملايين اللاجئين والمشردين في ظل ما شهده الاقتصاد الأوروبي من انهيار وتدمير لنحو 70% من بنيته التحتية الصناعية.

وأدت عقود من الحروب، في العديد من المناطق بشكل واضح في تلويث المياه الطبيعية وزيادة التلوث الكيميائي والإشعاعي إضافة إلى أنواع آخرى من التلوث لم تحدد بعد .. وسيظل التلوث البيئي بالعناصر السامة من اليورانيوم المنضب لحقب جيولوجية قادمة.

ولن تفلت منظومة الحياة البرية النباتية والحيوانية ومعها البحرية، من التعرض لتغيرات بيئية حادة تؤدي إلى خسائر بيئية إقتصادية مروعة .. كذلك انتشار الفوضى المدنية وانهيار البنية التحتية والمرافق الحيوية، من محطات الكهرباء والمياه والصرف الصحي وغيرها، وأيضا تلوث المسطحات المائية بالمخلفات السائلة والصلبة، وما يترتب على ذلك من تفشي الأمراض والأوبئة وتزايد احتمالات الإصابة بالأمراض السرطانية ولا سيما سرطان الدم عند الأطفال.

بالإضافة إلى تزايد حدوث التشوهات الخلقية في الأجنة وتزايد معدلات العقم عند البشر والحيوانات، كما أن هناك أنواعا جديدة غير معروفة بعد من الأمراض والأوبئة لذلك مطلوب من المجتمع الدولي تفعيل مبادىء الأمن البيئي والعدالة بين الشعوب ونشر ثقافة السلام بين الدول، والبحث في سبيل اشتراك الدول المتسببة في الحروب نحو تخفيض آثار ذلك الدمار البيئي الشامل.

- أهمية وجود تدابير ملزمة لحماية البيئة في الحروب

لقد فشلت جميع المحاولات السابقة في التوصل إلى تدابير ملزمة لحماية البيئة في الحروب والنزاعات المسلحة.

إن قضية حماية البيئة في النزاعات والصراعات المسلحة كانت موجودة في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية منذ بداية القرن الماضي في اتفاقيات جنيف ولاهاي، ولو لم يشار لها صراحة، إلا أن إدماج البيئة بشكل واضح في القانون الدولي والمعاهدات الدولية لم يتم إلا بعد أن تفاقمت المشكلات البيئية في السبعينيات من القرن الماضي وما نتج عن الحروب والصراعات من اعتداءات صارخة على البيئة.

ولعل الكثير منا يتذكر الصور المروعة للدمار البيئي المتمثل بتدمير متبادل لمنشآت النفط وتجفيف الأراضي والمستنقعات وتسرب النفط وتلوث الخليج العربي في الحرب العراقية الإيرانية وإحراق المنشآت النفطية الكويتية أثناء حرب الخليج الأولى وتلوث البيئة بالإشعاع الناتج من استخدام معدات وذخائر اليورانيوم المستنفذ في حرب الخليج الثانية، وتلوث الهواء وتقطيع الأشجار وإتلاف التربة وتدمير التنوع الحيوي في أرجاء واسعة من العالم في كوسوفو وزائير ورواندا ونيكاراجوا وغيرها.

ويهدف القانون الدولي إلى حماية السكان المدنيين خلال النزاعات المسلحة وضمان بقائهم على قيد الحياة، كما يسعى إلى حماية البيئة الطبيعية التي من دونها تكون الحياة البشرية مستحيلة ويراعي القانون الدولي الإنساني حماية البيئة.

وتنطبق الأحكام العامة المتعلقة بسير العمليات العدائية على البيئة، إذ تكون البيئة في الغالب ذات طبيعة مدنية ولا يمكن بالتالي شن هجمات ضدها إلا في حال تم تحويلها إلى هدف عسكري كما يتعين مراعاة التدمير الذي تتعرض له البيئة عند تقييم مدى التناسب في الهجوم على أهداف عسكرية.

ويعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 جريمة حرب كل الأعمال التي تلحق ضررا واسع النطاق وطويل الأجل وشديداً بالبيئة الطبيعية وينتهك مبدأ التناسب.

Katen Doe

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

اليوم الدولي للحوار بين الحضارات
يوم البيئة العالمى

المزيد من تقارير منوعة

"السياحة والآثار" في أسبوع.. تنشيط السياحة الوافدة وافتتاح متحف "توت عنخ آمون"

تنشيط الحركة السياحية الوافدة لمصر والترويج للمقصد المصري، وافتتاح متحف مستنسخات كنوز الملك توت عنخ آمون، كانت من أهم أنشطة...

"فقاعة الذكاء الاصطناعي".. السيناريوهات المحتملة للتوسع التكنولوجي

طفرة غير مسبوقة يشهدها العالم في تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، مما أدى إلى ارتفاع التوقعات بحدوث...

المتحف الكبير محايد كربونيا وويل سميث في الأهرامات.. أهم حصاد "الآثار" بأسبوع

اعلان المتحف المصري الكبير منشأة محايدة كربونيا وزيارة ويل سميث الأهرامات خلال إجازته في مصر.. كانت أهم حصاد وزارة السياحة...

معرض الكتاب.. نجيب محفوظ محور الدورة الـ57 ومشاركة 1457 دار نشر

"من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قرونا".. كلمات الأديب الكبير نجيب محفوظ ، وشعار معرض الكتاب 2026 في دورته السابعة...