"الرقائق الإلكترونية".. مستقبلنا في شريحة

تمنح الأجهزة الحديثة ذكاءها .. وتتحكم في مستقبل البشرية.. وتمثل قلب صناعة التكنولوجيا العالمية .. ومحور التنافس العالمي الجديد .. وقد تشعل حربا عالمية .. إنها "الرقائق الإلكترونية".

فكل ما نستخدمه في حياتنا اليومية يرتبط بدارات صغيرة جداً تسمى بالرقائق الإلكترونية CHIPS، بدءا من محمصات الخبز وأفران المايكرويف، لغسالات الملابس للهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والألعاب، مرورا بما يشغل الراديو في السيارة، وصولا إلى السيارات والصواريخ والطائرات، وحتى مركبات الفضاء.استخدمت "الرقائق الإلكترونية" للمرة الأولي في أجهزة الراديو، قبل أن تصبح بمثابة العقل لكل الأجهزة الإلكترونية التي غيرت العالم.فما هي الرقائق الإلكترونية؟ وما مكوناتها؟ وكيف تعمل؟ وكيف يبدو مستقبل صناعة الرقائق الإلكترونية؟ هل يمكن أن تصبح الرقائق الدقيقة أصغر حجمًا وأكثر قوة؟ وهل يمكن أن تشعل حربا عالمية بين الصين وأمريكا؟- ماهي الرقائق؟ الرقائق الإلكترونية قطع صغيرة مصنوعة من السيليكون، يتم تغليفها في حاوية من البلاستيك أو الخزف تسمى الحزمة،وتطبع عليها دوائر كهربية من أشباه الموصلات Semiconductors التي تجمع البيانات وتخزنها.وتعمل الرقائق الإلكترونية على تضخيم الإشارات الكهربائية، أو تعمل كمفتاح تشغيل/إيقاف في تطبيقات الحاسب الآلي، ومن الممكن أن تكون الرقاقة عبارة عن ترانزستور واحد، أو دائرة متكاملة تضم مجموعة مترابطة من الترانزستورات.والترانزستورات تعد أهم عنصر في الدائرة الإلكترونية، وتعمل كصمامات تسمح بتدفق التيار في اتجاه واحد، وتتكون الدائرة الإلكترونية من عناصر أخرى بجانب الترانزستورات مثل المكثفات والمقاومات، حيث تعمل المقاومات على توفير كمية محددة من المقاومة للتيار بينما تقوم المكثفات بتخزين الشحنة الكهربائية، وهناك عنصر في الدائرة الإلكترونية يعمل على تخزين الطاقة في شكل مجال مغناطيسي يسمى بالمحرّض.وتتميز الرقائق الإلكترونية بأنها تحوي مجموعة من الأبواب الكهربائية التي يمكن التحكم فيها للسماح بتدفق التيار الكهربائي أو حجبه.- مصانع عملاقةعادة ما يستغرق تصنيع الرقاقة أكثر من ثلاثة أشهر، وتحتاج مصانع عملاقة وغرفًا خالية من الغبار وآلات بملايين الدولارات وقصدير مصهور وليزر.وتختلف الرقائق الإلكترونية في الحجم والتعقيد والتصميم والأداء، ويتطلب تصنيعها استخدام تقنيات حديثة ومتطورة، في عملية تتطلب مراقبة دقيقة لدرجة الحرارة والضغط وتركيز المواد المستخدمة، كما تتطلب إجراءات تنظيف وتحضير دقيقة للسطح قبل إضافة العناصر الإلكترونية.بالإضافة إلى ذلك، تحتاج صناعة الرقائق الإلكترونية إلى تقنيات متطورة لاختبار وتحليل أدائها، حيث يتم إجراء عمليات اختبار دقيقة للرقائق الإلكترونية لضمان جودتها ومتانتها وموثوقيتها.لذلك، تعد الرقائق الإلكترونية من الابتكارات المهمة في عالم الإلكترونيات، وتتمتع بأهمية كبيرة في تحسين أداء ووظائف العديد من الأجهزة الإلكترونية المتوفرة في السوق.والهدف النهائي هو تحويل رقاقات السيليكون - عنصر مستخرج من الرمال العادية - إلى شبكة من مليارات المفاتيح الصغيرة، تسمى "الترانزستورات" التي تشكل أساس الدائرة التي ستمنح الهاتف أو الكمبيوتر أو السيارة أو الغسالة أو الأقمار الاصطناعية القدرات الفائقة.الترانزيستورات، الناقلات التي تعطي الرقاقات وظيفتها، صغيرة للغاية وبمقاسات النانومتر، وهي مليارات الأجزاء من المتر.وبالمقاس الـ5 نانومتر للرقائق فإننا نتحدث عن قطعة أصغر من فيروس، وكلما كانت الناقلات أصغر كلما أمكن إعطاء الرقاقة قدرات معالجة أعلى.- نفط المستقبلبات جيلسنجر، الرئيس التنفيذي لشركة "إنتل Intel"، أكد أن احتياطيات النفط حددت الجغرافيا السياسية على مدى العقود الخمسة الماضية، ووجود سلاسل توريد التكنولوجيا وأشباه الموصلات سيحدد الجغرافيا السياسية للأعوام القادمة.الرقائق الاكترونية التي ينتج منها عالمياً ما يقارب تريليون سنوياً، باتت تتحكم في مستقبل البشرية إما بالإيجاب نحو التحول التكنولوجي، أو بالسلب نحو الاحتكار أو التعرض لأزمات التوقف عن الإنتاج.ويتسبب نقص الرقائق في إحداث دمار في العديد من الصناعات، لذلك تبذل الولايات المتحدة جهودا واضحة للاستثمار في صناعة أشباه الموصلات التي يعدها البعض "النفط الجديد".- "عقل" المعدات ضمن حلقات إنتاج الرقائق، هنالك حلقة مفتاحية تسمى: "رقاقة المنطق Logic chip"، القطعة السيليكونية الأغلى والأكثر تعقيداً التي تعطي المعدات ذكاءها. هذه القطعة الحساسة صممت في الغرب عبر شركة "أبل" الأمريكية، وشركة "كوالكوم" وعدة شركات أخرى بمنشآت عالية التطور.ولكن التصميم الذي أنجز وتم ومحمي بحقوق الملكية ليس شيئاً دون إنتاج هذه الرقائق عالية الدقة، وهي التي تنتج اليوم في تايوان وتقريباً في شركة واحدة فقط هي شركة TSMC في تايوان.- تايوان.. قلب الصناعة تايوان، الجزيرة التي تعتبرها الصين جزءاً منها، والتي تورد لها الولايات المتحدة السلاح، هي قلب صناعة التكنولوجيا العالمية اليوم، حيث تصنع تايوان اليوم معظم الرقاقات الإلكترونية في العالم، ويعج العالم بأكمله بمكوّنات بها رقاقات إلكترونية تصنع أغلبها في عدد قليل من المصانع تقع على الجزيرة.تمثل تايوان نحو 92% من الإنتاج العالمي لصناعة أشباه الموصلات بدقة أقل من 10 نانومترات، مما يجعلها المزود الرئيسي للغالبية العظمى من الرقائق التي تشغل أكثر الأجهزة تقدما في العالم، بدءا من هواتف "آيفون iPhone" لشركة "آبل Apple" وحتى الطائرات المقاتلة "F-35"، وحوالي 60% من الرقائق التي تصنعها شركة "تي إس إم سي" هي لشركات أمريكية.إحدى الشركات الكبرى المصنعة في الجزيرة هي "شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة"، التي تأسست عام 1987 بمباردة حكومية، وهي تصنع الآن الكثير من الرقاقات الإلكترونية الصغيرة الأهم في العالم لصالح شركات عديدة مثل "أبل" و"إنفيديا" و"كوالكم"، وغيرها من آلاف الشركات. قبل ثلاثين عاما، حين كانت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (TSMC) قد شرعت لتوها في صناعة الرقاقات الإلكترونية، كانت شركة "إنتل" (Intel) الأميركية تصنع نحو 65% من الرقاقات الإلكترونية في العالم، أما اليوم، فتصنع "إنتل" أقل من 10%، في حين تقارب حصة الشركة التايوانية 53%.- كارثة عالمية هذا الخطر المتمثل بالاعتماد العالي على شركة واحدة في تايوان، ترتبط بكل الدول والشركات العالمية مسألة تسعى الصين إلى حسمها، وتحاول الولايات المتحدة أن تمنع هذا الحسم.في حال أحكمت الصين سيطرتها واستولت على تايوان، فهناك أمران من الممكن حدوثهما لإمداد الرقاقات الإلكترونية هذه: . الأول، أن تقع هذه المصانع تحت سيطرة الصين. والثاني، أن تُدمر هذه المصانع في خضم صراع بين البلدين. وفي كلتا الحالتين، هناك كارثة عالمية ستحدث لا محالة. ففي السيناريو الأول، بإمكان الصين أن تقرر تقييد وصول الولايات المتحدة وحلفائها إلى الرقاقات الإلكترونية المتقدمة، ومن ثم تقليص مزايا التفوق التكنولوجية والعسكرية والاقتصادية الأمريكية. ولكن في حال حدث السيناريو الثاني، فسيشهد العالم أزمة اقتصادية لم نشهد مثلها منذ الكساد الكبير (1929).- سبب ندرة الرقائق الإلكترونية؟تقلص عدد الشركات في مجال صنع الرقاقات الدقيقة إلى حد بعيد رغم العمر القصير للصناعة، فبعد أن كان هناك 25 شركة في عام 2000 وصلنا اليوم إلى ثلاث فقط: سامسونج الكورية الجنوبية، TSMC التايوانية، وإنتل الأمريكية.ويمكن تصنيف الرقائق الإلكترونية ضمن السلع النادرة نسبيا لعدة أسباب من بينها:. تكلفة التصنيع: فتصنيع الرقائق الإلكترونية يتطلب استخدام تقنيات ومعدات متطورة ومكلفة، وهذا يجعل تكلفتها باهظة الثمن.. الطلب العالمي: يزيد الطلب على الرقائق الإلكترونية من الدول المتقدمة تكنولوجيا، ويحدث هذا في الوقت الذي يشهد اتساعا في استخدام الرقائق الإلكترونية في العديد من الصناعات والتطبيقات، ومن ثم يؤثر هذا الطلب العالمي على توفر الرقائق الإلكترونية في الأسواق.. الاعتماد على المواد النادرة: تحتوي الرقائق الإلكترونية على عدد من المواد النادرة مثل التنجستن والتانتالوم والكوبالت والجاليوم وغيرها، والتي تُستخرج من مناجم خاصة في بعض الدول، وهذا يجعل توفرها صعبا ويزيد من تكلفة الإنتاج.- تصاعد التوتر الدوليتصاعد التوتر الدولي في السنوات الأخيرة حول قطاع اشباه الموصلات الإستراتيجي .. وتدور معركة شرسة بين الصين والولايات المتحدة في هذا المجال، وضاعفت واشنطن في الأشهر الأخيرة العقوبات على مصنعي الرقاقات الصينيين تحت شعار الأمن القوم

Katen Doe

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير منوعة

"السياحة والآثار" في أسبوع.. تنشيط السياحة الوافدة وافتتاح متحف "توت عنخ آمون"

تنشيط الحركة السياحية الوافدة لمصر والترويج للمقصد المصري، وافتتاح متحف مستنسخات كنوز الملك توت عنخ آمون، كانت من أهم أنشطة...

"فقاعة الذكاء الاصطناعي".. السيناريوهات المحتملة للتوسع التكنولوجي

طفرة غير مسبوقة يشهدها العالم في تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، مما أدى إلى ارتفاع التوقعات بحدوث...

المتحف الكبير محايد كربونيا وويل سميث في الأهرامات.. أهم حصاد "الآثار" بأسبوع

اعلان المتحف المصري الكبير منشأة محايدة كربونيا وزيارة ويل سميث الأهرامات خلال إجازته في مصر.. كانت أهم حصاد وزارة السياحة...

معرض الكتاب.. نجيب محفوظ محور الدورة الـ57 ومشاركة 1457 دار نشر

"من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قرونا".. كلمات الأديب الكبير نجيب محفوظ ، وشعار معرض الكتاب 2026 في دورته السابعة...