مى أبوزيد: «على مصطبة الزمـان» وليدة شعورى باليأس

الكتابة أشبه بالزائر الذى «طب» فجأة / عملى فى الصحافة الثقافية أفادنى كثيرًا / حياتى وكتابتى مقسمة بين عالم القرية وعالم المدينة

صدرت حديثا المجموعة القصصية "على مصطبة الزمان" للكاتبة الشابة مى أبو زيد، والمجموعة تتناول حكايات عن القرية وعن المدينة، والعديد من المواقف الإنسانية، حيث تجلس الساردة على مصطبة، وتحكى للقراء عن بشر مروا بها، ومى أبو زيد كاتبة وصحفية عملت كمحررة ثقافية ومؤسسة للقسم الثقافى بجريدة البديل، وصدر لها رواية "ليست مرآة واحدة"، وشاركت فى كتابة مسلسل "أحلام سعيدة" مع المخرجة هالة خليل، وشاركت فى كتابة وتمثيل فيلمى "قهوة عادى" و"عينان"، تحدثنا معها فى هذا الحوار عن المجموعة القصصية وعن الكتابة وعملها القادم.

كـيـف كــــانت بـدايتـك مـع الكتابة؟

لم أجرب نفسى فى الكتابة الأدبية قبل الرواية إلا قليلا، لكنى وبحكم عملى فى قسم الثقافة، كنت أقرأ كثيرا وأكتب بأسلوب أدبى، أما الرواية فقد مررت قبلها بحالة غريبة من التوتر والقلق، وعندما وصفت حالتى لصديقى الروائى الراحل مكاوى سعيد، نصحنى بالبدء فى الكتابة، وبالفعل نهضت من نومى ذات ليلة على إثر جملة ترددت بذهنى كثيرا، أسرعت فى تدوينها على ورق، سرقنى الوقت وسرقتنى الكتابة حتى طلوع الصباح، ولم تنته حالة القلق والتوتر إلا مع نهاية الرواية، لكن أتدرين؟ فى العام الماضى عندما زرت أهلى فى القرية، طلبت منى أمى أخذ الكتب والأوراق التى أحتفظ بها فى البيت، تفحصتها، وفوجئت بكشكول منذ الثانوية العامة دونت فيه انطباعاتى عن بعض المدرسين وبعض اليوميات، كما اكتشفت عددا من القصص كتبتها وقت دراستى الجامعية.

 من أهم الكُتاب الذين تأثرتِ بهم ؟

 ليس تأثرا، ولكن إعجابا بما قدموه، أعجبت بيوسف إدريس جدا، بسبب قصة درسناها فى المرحلة الثانوية، وبحكم عملى فى الصحافة الثقافية تعرفت على كثيرين وقرأت لهم: يحيى حقى، نجيب محفوظ، محمود البدوى، إبراهيم أصلان، خيرى شلبى، يــوسف أبـو رية، فــى الــواقع أحب أيــة كتـــابة جميلــة وصــادقة وتلتقــط تفاصيل البشر.

 ما دوافع كتابة مجموعتك القصصية "على مصطبة الزمان"؟

المجموعة جاءت وليدة شعور باليأس، واليأس عندى عدو لدود، لا تنتهى الحرب بيننا أبدا، أحيانا يتقدم، لكنه ولا مرة انتصر. اليأس كان قد بدأ يقتحم حصنى، بعد عامين كاملين من التعطل عن العمل، طارحا أسئلة من قبيل؛ ماذا أفعل؟ ماذا أنجز؟ وماذا أقدم للناس؟ وفى ليلة هببت من جلستى وقلت: فليكن العمل هذه المرة مجموعة قصصية، والحقيقة أن الناشرة ولاء أبو ستيت تحمست كثيرا بمجرد طرح الفكرة عليها.

 ما القضايا التى كنتِ حريصة علـــى طــــرحهــا أو تنــــاولها فى المجموعة القصصية؟

لم تكن هناك قضية بعينها، أو خط محدد تسير عليه كل قصص المجموعة، الساردة تجلس على مصطبة وتحكى للقراء عن بشر مروا بها، لكنها مهمومة وهى تحكى عنهم بفكرة المصائر وما يفعله الزمن بهم، ويؤرقها موضوع الخصوصية فى مجتمع يكاد لا يعترف بها.

 عالم القرية تناوله العديد من الأدباء فما الذى جذبك لهذا العالم؟

جذبنى رغما عنى، فهو مكون رئيسى فى شخصيتى، لأننى نشأت فى الريف ومازلت أزوره إلى الآن.

 أين القرية المصرية من الإبداع فى مصر الآن؟

كى أكون دقيقة، ولكى أجيب عن هذا السؤال، فهذا يتطلب أن أكون ملمة إلماما كبيرا بما تم ويتم نشره، على الأقل فى السنوات الخمس الماضية، وهو أمر صعب، لكن ما لفت نظرى هو إعجاب كل من قرأ المجموعة بالقسم الخاص بحكايات القرية، وما أثاره فيهم من شجن وكأن هذا العالم يتوارى ببطء من أمام الأنظار.

 روايتك "ليست مرآة واحدة" كانت عن حياة الفتيات اللاتى يعشن فى الأقاليم البعيدة عن القاهرة، وفى "على مصطبة الزمان " تعودين إلى عالم القرية والأقاليم مرة أخرى.. هل النشأة والبيئة لها تأثير على المبدع ومنتجه الإبداعي؟

بالفعل، الرواية تحكى عن حياة فتاة انتقلت من القرية إلى المدينة، والمجموعة أيضا تنقسم إلى قصص القرية وقصص المدينة، نصحنى أصدقاء كتاب بالتوقف والاكتفاء بما قدمته من مزاوجة بين القرية والمدينة، ولا أعرف إن كان يجانبهم الصواب أم لا، وعودة لنص السؤال، أعتقد أن النشأة والبيئة مكونان رئيسيان فى شخصية أى كاتب، هما العالم الذى يعرف أسراره وأشكال العلاقات فيه ومشاكله وأفكاره، وأنا حياتى مقسمة بين العالمين، وعليه، هل سأتمكن من الإخلاص لمكان واحد فيهما؟ الأيام وحدها تملك الإجابة.

 هل كنت تهتمين فى كل قصة تكتبينها بأن يكون لها مغزى بـــالنسبــة للأوضــاع الاجتمـاعية المعاصرة، أم تكتبين لتعبرى عن مشاعرك وما بداخلك؟

أهتم جدا وأراعى المغزى من القصة، واشتباكها مع الواقع، ولابد للقصة المؤثرة من مغزى فى النهاية، وإلا ما الفارق بينها وبين الكلام العادى، أما مجرد التعبير عن المشاعر فهذا له شكل كتابة تختلف كلية عن شكل كتابة القصة القصيرة، أحيانا أقرأ قصصا ينشرها أصحابها على وسائل التواصل الاجتماعى، وأتساءل كيف يجرؤون على تسميتها قصة، لأن القصة لها شروط فى الكتابة، صحيح إنى أخليت بهذه الشروط فى قصتين بالمجموعة، وصوت داخلى طلب منى أن يخرجا هكذا، لكنى أعترف أنهما لا تنطبق عليهما شروط كتابة القصة.

 هل الكتابة وسيلة تستطيع  المرأة من خلالها التنفيس عن الإحباطات التى تواجهها فى الحياة اليومية؟

الـكتـــابة ليسـت وسيـلــة للتنفيس، الصراخ قد يحقق ذلك، المشى، التبضع.. إلخ، أعتقد أن الغرض منها يختلف من شخص لآخر، وهى عندى أشبه بالزائر الذى "طب" عليّ فجأة، وقتها أصاب بتوتر بالغ لا ينتهى إلا بانتهاء الكتابة، لكنها أيضا تخرج صادقة وتتسم لغتها بالشاعرية عندما أكون فى حالة شجن.

 ما الذى يدفع المرأة للكتابة؟ هل هو تحقيق للحرية؟

مبدئيا، أين هى هذه الحرية؟ أيكتب أحد فى بلدنا بحرية رجلا كان أم امرأة؟ سؤالك يعنى إن كانت الكتابة شكل من أشكال الحرية، وإجابتى بالنفى، مازالت المحظورات الثلاث حاضرة وبقوة، برغم انهزام التيار المتشدد وتراجعه ظاهريا، لكنه متغلغل فى النفــوس، وفـــى أركــان المـــؤسسات الثقـــافية والإعــلاميـة والفنية، هذا طبعا فيما يتعلق بمحظور الدين والجنس، أما السياسة فأعتقد أن الوضع الحالى واضح للجميع.

 هل هناك صعوبات تواجه الأديبات فى مصر؟

كنت أسمع قبل زواجى عن صعوبات تواجه الأديبات تتعلق بكونها أنثى فى مجتمع يغلب عليه الذكور، ويدعى كثيرون فيه أنهم من أنصار المرأة وداعمون لحقوقها، وكنت أسمع عن اتهامات توجه لهن للاعتقاد أن ما يكتبنه وقائع خاصة بهن، أقول كنت أسمع. الآن، أنا زوجة وأم لثلاثة أطفال، سأحدثك عن الصعوبات التى تواجه كاتبة هى زوجة وأم، عن مساحة الوقت التى تسرقها حرفيا من الزمن، عن تحدى أن تكتب نصا يلح عليها، تتخلله مطالبات الأطفال بالأكل واللعب ودخول الحمام وفض المنازعات والصراخ.

 أعمالك متنوعة بين الرواية والـقصــة الــقصـيـــــرة وكتــــابـــة السيناريو والتمثيل، كيف جاء التحول بين كل نوع أدبى والآخر؟

هو ليس تحولا، هو أشبه بلوحة أصابع البيانو، كل الأصابع مصفوفة، وعلى العازف أن يضغط على أصابع مختلفة عند كل لحن، شخصية صلاح جاهين تحضرنى دائما، وأنا لا أشبّه نفسى به ولا أجرؤ، لكنه كان يميل إلى عدة أشكال فى التعبير، وأعتقد أن رغبته الأولى كانت التعبير عما يريد قوله، بغض النظر عن شكله.

 أيهما أفضل للكاتب التخصص فى نوع أدبى بعينه أم تنوع الأشكال الأدبية؟ وهل هذا التنوع مفيد للمبدع أم ضده؟

إجابة هذا السؤال فردية تماما، أى تختلف من كاتب لآخر، هناك من أخلص لنوع واحد فى الكتابة، مثل نجيب محفوظ، وهناك من تنقل بين عدة أشكال مثل صلاح جاهين، المعيار هو الإخلاص والصدق فيما تكتب أيا كان شكله.

 هل جيلك أخذ حقه نقديا؟ وهل أنصفك النقد وتعامل مع تجربتك بما تستحقينه؟

لأنى انعزلت لفترة طويلة عن الوسط الثقافى، فهناك موضوعات لا ألم بها الآن، ومنها علاقة جيلى بالنقد، أنا حتى لا اعرف من هو جيلى، أقصد جيل الكتابة، لكن ما لاحظته هو ثبات الأسماء فى قائمة النقاد التى كنت أعرفها منذ ١٢ عاما، وأتمنى أن أكون مخطئة، أما عن كتابتى، تحديدا الرواية، فأنا لم أعمل على الترويج لها كما ينبغى، برغم فوز مخطوطتها بجائزة، وكان من ضمن لجنة التحكيم الناقد الكبير الدكتور حسين حمودة والكاتب الكبير جمال الغيطانى، وبغباء نفذت نصيحة أحد الأصدقاء ورفضت أن يكتب الدكتور جابر عصفور مقدمة نقدية للرواية، لكنى تعلمت الدرس.

 هل عملك فى الصحافة أفادك فى الكتابة أم أن الصحافة قد تضر المبدع؟

أفادتنى الصحافة الثقافية كثيرا، تعلمت منها أهمية الاختزال حينما يتطلب الأمر ذلك، التركيز على الفكرة الرئيسية، الكتابة بأسلوب أدبى فى بعض الموضوعات، وبسببها عرفت وصادقت الكثيرين فى الوسط الثقاقى، وحضرت فعاليات وندوات تناقش أعمالا أدبية، فاكتسبت معرفة جيدة، وكونت علاقات مع عدد من دور النشر، وكل ما سبق مفيد جدا للكتابة الأدبية.

 ما مشروعك الأدبى القادم؟

يلح علىّ حاليا كتابة متتالية قصصية، تتناول موضوع الزواج والإنجاب.

 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد