إحسان عبد القدوس.. صحفى بشَّر بثورة الجيش واختلف معها لاحقاً

هو الكاتب الصحفى والروائى الذى صاغته ظروف نموذجية قبل ثورة يوليو 1952، كان مولده فى يناير 1919 وهو العام الفارق فى حياة المصريين،

 فيه عرف الناس معنى ـ نهضة ـ وهى من النهوض الذى هو مضاد الرقاد والنوم، ولم يكن معنى ـ ثورة ـ قريباً من الأذهان، رغم أن ـ الثورة البلشفية ـ بزعامة ـ لينين ـ كانت قد سيطرت على روسيا وقضت على حكم القياصرة فى أكتوبر 1917، وعاش المصريون نهضة كانت فى القلب منها فتاة لبنانية يتيمة اسمها «فاطمة» اكتسبت اسم ـ روزاليوسف ـ ولمعت على خشبة المسرح وتزوجها فنان زميل لها كان يعمل فى هندسة الطرق اسمه ـ محمد عبد القدوس ـ وعاشا معاً فترة قصيرة لا تزيد على العامين وافترقا، كان ثمرة هذا الزواج شاب مبدع اسمه ـ إحسان ـ وهذا الشاب كان صورة لعصره، أمه فنانة وصحفية وصاحبة مجلة تحمل اسمها «روزاليوسف» ووالده فنان ومهندس، وجده لوالده شيخ أزهرى يعمل فى القضاء الشرعى ويرتدى الزى الأزهرى، ولما انتقل من مهنة المحاماة إلى مهنة الصحافة وجد نفسه يملك صحيفة ويتولى منصب رئيس التحرير ويتواصل مع الجهات التى ترسم المشهد السياسى عقب الحرب العالمية الثانية ـ تخرج فى كلية الحقوق 1947 ـ وجاءت حرب فلسطين 1948 لتكون نقطة التحوُّل فى حياته الصحفية ويختاره الضباط الأحرار ويمدونه بمعلومات عن السلاح الفاسد الذى قتل الضباط والجنود فى جبهة فلسطين ويكتب ـ إحسان ـ مقالات ويقود حملة ضد قادة الجيش الملكى وتتعمق العلاقة بينه وبين جمال عبد الناصر الزعيم الحقيقى والرأس المفكر فى تنظيم الضباط الأحرار ويكتب ـ إحسان ـ قصة الثورة فى فيلم ـ الله معنا ـ ويكتب مقالة بعنوان: الجمعية السرية التى تحكم مصر، ويغضب عليه مجلس قيادة الثورة، ويودع فى السجن وفى السنة ذاتها 1954 يُفرج عبد الناصر عن فيلم الله معنا الذى تعرض للحجب لأنه احتوى على مشاهد تحكى عن محمد نجيب ـ الطرف الثانى فى صراع مارس 1954 الذى انتهى بعزله من رئاسة الجمهورية وإيداعه قصر زينب الوكيل تحت الإقامة الجبرية ـ والعجيب أن إحسان الذى بشر بثورة الجيش واختلف معها لاحقاً هو صاحب مجموعة أفلام عبرت عن هذه الثورة من أهمها: الله معنا، شىء فى صدرى، أنا حرّة، فى بيتنا رجل، النظارة السوداء لأنه كان المؤرخ والصحفى والروائى الذى شهد مراحل تكوُّن ومولد وازدهار هذه الثورة وكان شاهداً على نهايتها أيضاً.

يوسف إدريس.. كاتب ومناضل اقترب من عبد الناصر وتمرّدعليه

حكاية يوسف إدريس حكاية «وفدية» لكنه لم يكن وفدياً، هو ابن الرجل المستور اجتماعيا الذى استطاع من عوائد عمله فى استصلاح الأرض البور فى الدلتا أن يُلحق ـ يوسف ـ بكلية الطب، وعاش يوسف الطالب المتفوق فى بيت جدته ورأى الفقر الريفى وانتقل إلى القاهرة والتحق بمنظمة تُسمى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى، كان لها الدور المهم فى نقل منشورات «الضباط الأحرار» من داخل معسكرات الجيش إلى الشارع المصرى وكان لها ضباط يؤمنون بأفكارها كان لهم دور فى ليلة الثورة «23 يوليو 1952» ودخل يوسف السجن فى العام 1954 وخرج منه ليقترب من ـ عبد الناصرـ الزعيم السياسى صاحب امتياز جريدة ـ الجمهورية ـ ويرى القائمون على السينما فى إبداع يوسف إدريس ما يستحق أن يشاهده الناس، فتتحول روايتاه «العيب، الحرام» إلى فيلمين مهمين، وتتحوّل قصتاه «لا وقت للحب، خمس ساعات» إلى فيلمين يرويان مقدمات ثورة يوليو، ويكون له حضور على خشبة المسرح فى ظل اهتمام وزارة الثقافة ـ فى عهد وزيرها البارع ثروت عكاشة عضو الضباط الأحرار عن سلاح الفرسان ـ وتمضى الأيام رائعة ونجمه يعلو ويرتفع ويسطع فى زمن كان الكاتب فيه له الوجاهة والبريق الذى احتله الممثل السينمائى والتليفزيونى فى وقت لاحق، وفى لحظة تمرّد يوسف على عبد الناصر وكتب مسرحية «المخططين» وانطفأت الأنوار، واختفى الكاتب النجم الصاخب الأسطورى الحضور، ودخل فى متاهات كثيرة، وقنع بدور الكاتب الصحفى فى جريدة الأهرام وحاول أن يستدعى الموهبة القديمة التى كانت متدفقة، ولم يستطع.. ومات حزيناً لأنه كان يتمنى أن يحوز «جائزة نوبل» التى تجاوزته واختارت نجيب محفوظ.

نجيب محفوظ.. وفدىّ الهوىَ عاش فى كَنَف «يوليو» آمناً مطمئناً

كل روايات وقصص نجيب محفوظ فيها ـ سعد زغلول ـ فى صورة الأب الغائب والحلم الذى مرق سريعاً والحكيم الذى لن تجود الأيام بمثله، رغم أن نجيب محفوظ لم يسمع سعد زغلول الخطيب المفوّه الساحر العبارة القوى المهاب الجانب، وهو المولود فى العام 1911 وسعد زغلول توفاه الله فى العام 1927 وفى رواية ـ السمّان والخريف ـ انتقاد لرجال الحلقة الأخيرة من عصر الوفد الذى تصدّع منذ العام الذى خرج فيه أحمد ماهر والنقراشى والعام الذى خرج فيه مكرم عبيد وفيه صعد فؤاد سراج الدين ورغم ذلك كان نجيب محفوظ وفدىّ الهوى، يعيش فى كنف ثورة يوليو وينعم بخيرها ويصعد وظيفياً ويلمع نجمه بقرارات منها ومن قادتها، وقلبه هناك، مع بيت الأمة وسعد زغلول وأم المصريين والنحاس باشا ومجلس النواب ومجلس الشيوخ وجريدة المصرى، ورغم أن ثورة يوليو هى التى عوضت ـ نجيب محفوظ ـ عن سنوات الصبر والكفاح وهى التى أخرجته من دائرة الكتاب الورقى إلى دائرة ملايين المستمعين وملايين المشاهدين من خلال رواياته التى تحولت إلى مسلسلات إذاعية فى عصر ازدهار الإذاعة، وأفلام فى ظل ازدهار سينما ثورة يوليو مثل «بداية ونهاية، القاهرة الجديدة، بين القصرين، السكرية، قصر الشوق، عصر الحب..» وهى التى منحته أرفع المناصب الوظيفية فى الرقابة على السينما ومصلحة الفنون واحتفلت بعيد ميلاده فى مبنى الأهرام برعاية هيكل وحضور أم كلثوم كان هو الكاتب الأكثر قسوةً وانتقاداً للثورة، فى روايته «الكرنك» و»ميرامار» و»ثرثرة فوق النيل» وكان هو الكاتب الذى يخالف نظرتها للصراع العربى الإسرائيلى، فهو كان من أنصار هدنة أو سلام يسمح لنا بالاستعداد للحرب النهائية وهذه ليست رؤيته وحده بل شاركه فيها فصيل من كتّاب من أبناء جيله ـ منهم صلاح حافظ الصحفى فى روزاليوسف ـ وهو الذى اختاره هيكل ليكون ضمن طاقم الكتّاب الكبار الذين انضموا إلى مؤسسة الأهرام فى عهده على غرار المؤسسات الصحفية الكبرى فى أوروبا، ومن ثمار هذا الانضمام جنى ـ محفوظ ـ الحضور على صفحات الأهرام عبر روايات مسلسلة نشرت وقصص قصيرة ومقالات رأى، ورغم قسوة النقد الذى كتبه الكاتب الكبير ضد عبد الناصر وضد حكوماته ووزرائه لم يُصب بسوء، ولم يُعتَقل ولم يُسجن، ولم يغيّر عقيدته الوفدية، والعقيدة الوفدية ليست سوى تشكيلة فكرية سياسية أو «خلطة» من الوطنية المستندة لتراث فرعونى مُستدعَى فى ظل ثورة 1919 والديمقراطية بمعناها الغربى فى زمن السيطرة الأوروبية على العالم ـ قبل هيمنة أمريكا على الكوكب وإفراغ الديمقراطية من مضمونها ـ والميل لخلق استقرار اجتماعى عبر توفير الحد الأدنى من أسباب العيش للطبقات المحرومة، ورغم أن ثورة يوليو تجاوزت هذا كله وقضت على الإقطاع وأعتقت الفلاحين من الفقر الرهيب ومنحت مجانية التعليم لكل الطبقات إلا أن نجيب محفوظ لم ينس أنه وفدىّ حتى اللحظة الأخيرة من حياته رحمه الله.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نجيب
محفوظ
نجيب
نجيب محفوظ.. مواطن شارك فى تحقيق أهداف الدولة الوطنية المصرية
فى ذكرى ميلاده (3) أفكار فلسفية وشخصيات عبثية فى مسرح نجيب محفوظ
نجيب محفوظ.. رواياته منحت الدراما المصورة حب الجماهيرالعريضة
فى ذكرى ميلاده شكل القصة وجوهر المسرح فى حكايات نجيب محفوظ
فى ذكرى ميلاده  نجيب محفوظ.. روائى فى عصـــر المسرح

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات