.. الجزائرى لخضر حمينة يرحل بعـد تـرميم فيلمه «وقائع سنين الجمر» فى «كان»

بالتزامن مع ترميم أهم وأشهر أفلامه، توفى محمد لخضر حمينة، الممثل والمخرج السينمائى الجزائري، مؤخرا، عن عمر يناهز الـ95 عاما.

ويعد الراحل اسماً لامعاً فى تاريخ السينما العربية والعالمية، وهو العربى الوحيد الذى حصد السعفة الذهبية من مهرجان كان السينمائى الفرنسى عام 1975 عن فيلمه التاريخى «وقائع سنين الجمر»، والذى أعلن المهرجان ترميمه فى دورته الـ78، التى انتهت فعالياتها مؤخرا.

وُلد حمينة فى 26 فبراير 1934 بولاية المسيلة، جنوب شرقى العاصمة الجزائر. ونشأ فى بيئة جزائرية محافظة فى مرحلة ما قبل الاستقلال. بدأ مسيرته التعليمية فى مدينته، ثم انتقل إلى مدينة دلس بولاية بومرداس، لدراسة مبادئ الصناعة، ومنها إلى «قالمة» ليتخصص فى العلوم القانونية، غير أنه التحق بعدها بالجيش الفرنسى، قبل أن يفر منه ويلتحق بالحكومة الجزائرية المؤقتة فى تونس عام 1959.

فى تونس، تلقى تدريباً سريعاً فى قسم الأخبار بالتليفزيون التونسي، مما مهد له طريق السينما. أُرسل بعدها إلى «براغ» لدراسة السينما، لكنه لم يُكمل تعليمه الأكاديمي، مفضلاً العودة إلى تونس لتصوير أفلام وثائقية حول الثورة الجزائرية.

تولى حمينة عام 1963 رئاسة «الديوان الجزائرى للأخبار»، الذى أنشئ بعد عام من الاستقلال، وبقى على رأسه حتى عام 1974 حين أُلحق بالمؤسسة الوطنية للتجارة السينمائية، ليتفرغ بعدها للإخراج السينمائى.

يرى النقاد أن حمينة يمثل نموذجاً عالمياً فى الإخراج السينمائي، ويقارنه البعض بمخرجين كبار مثل لويس بونيل، فرانسوا تروفو، وجان لوك جودار. ويؤكد النقاد أن معظم أفلامه -باستثناء «حسان الطيرو» – تستمد قوتها من تجاربه الشخصية وذاكرته العاطفية.

خلال الثورة الجزائرية، أخرج من تونس أفلاماً وثائقية بارزة منها «صوت الشعب»، و»بنادق الحرية» (بالاشتراك مع جمال الدين شندرلي، 1962). وبعد الاستقلال أخرج عدداً من الأفلام القصيرة منها «النور للجميع» و»عود جويلية»، و»البحث عن اللوم» 1963،  و»يوم من نوفمبر» 1964.

وفى عام 1966، قدّم أول أعماله الطويلة «رياح الأوراس»، تلاه «حسان الطيرو «1968، و»ديسمبر «1973. غير أن ذروة مسيرته تجلت فى تحفته «وقائع سنين الجمر»، التى كتبها وأخرجها ومثل فيها، ونال عنها السعفة الذهبية فى مهرجان كان. ووصف بأنه من أهم الأفلام التاريخية غير الهوليوودية، وواحد من علامات سينما العالم الثالث فى تلك الحقبة.

من أبرز أعماله اللاحقة أيضاً: «رياح رملية» 1984 و»الصورة الأخيرة» 1986.. وبعد انقطاع قرابة 30 عاماً، عاد بفيلم «غروب الظلال» الذى عرض لأول مرة عام 2014. ورفض حمينة ترشيحه لمهرجانى «كان» و»البندقية»، واختار المشاركة فى سباق جوائز الأوسكار لعام 2016.

رغم الإشادة الواسعة دولياً بأعماله، لم يسلم حمينة من الانتقادات محلياً، إذ وُجهت له اتهامات بتشويه بعض محطات التاريخ الوطني، خاصة ما تعلق بالثورة الزراعية والثقافية عقب الاستقلال، وهو ما اعتُبر خيانة لقيم الثورة الجديدة.

نال فيلمه الأول «رياح الأوراس» عام 1966 عدة جوائز منها: الكاميرا الذهبية فى مهرجان كان، وأفضل سيناريو فى موسكو، والغزال الذهبى فى مهرجان طنجة 1968. ومع ذلك، تبقى أبرز إنجازاته السعفة الذهبية عام 1975 عن فيلم «وقائع سنين الجمر»، الذى يبدأ زمنياً قبل الحرب العالمية الثانية، وينتهى عند انطلاق الثورة الجزائرية، موثقاً المسار الطويل والمؤلم نحو الحرية.

حمينة هو بحق رائد السينمائى الجزائرية، وأحد رموزها العالمية، وأسهم فى نقل صوت الحرية، انطلاقا من الجزائر وقضيتها إلى العالم عبر الشاشة الكبيرة، بإبداع فنى وصدق تاريخي. ويُعدّ حمينة من أبرز مخرجى السينما الجزائرية والعربية، ليس فقط بما حققه من جوائز دولية - وعلى رأسها السعفة الذهبية فى مهرجان كان - بل أيضاً بما تميزت به أعماله من حس بصرى فريد، وتقنيات صورة تعكس رؤيته الفنية والفكرية. فسينما حمينة ليست فقط رواية سردية لوقائع تاريخية أو اجتماعية، بل هى فى الأساس شعرية بصرية تسكنها الرموز وتخترقها الإيحاءات.

اعتمد الراحل فى أفلامه على الصورة، كأداة تعبير قائمة بذاتها، تتجاوز البلاغة السردية، لتصبح عنصراً مستقلاً لتوصيل الفكرة. لا تظهر الصورة عنده بوصفها مجرد خلفية للأحداث، بل كعنصر درامى فاعل. فى فيلمه الأبرز «وقائع سنين الجمر»، تتحول المشاهد الطبيعية - من الرمال والجبال إلى لهيب الشمس والضوء المعتم - إلى رموز تعكس الاضطراب النفسى والجمعى للشعب الجزائري، إبان الاستعمار الفرنسى.

فى أفلامه، ركز حمينة على التكوينات التشكيلية الدقيقة التى توظف الضوء والظل لصناعة لوحات سينمائية تضج بالمعنى. تبرز هذه التقنية بوضوح فى «رياح الأوراس»، حيث يُستخدم التباين الحاد بين الأبيض والأسود لتجسيد الفقد، والحزن، والمقاومة الصامتة. ويتقن فن توزيع الإضاءة على الوجوه والأماكن ليعبر عن التحول النفسى للشخصيات دون حاجة إلى حوار كثير.

الكاميرا عند لخضر حمينة ليست محايدة، بل تنحاز للإنسان، للوجع، وللقضايا، تتوقف عند التفاصيل التى تعكس عمق المأساة. فى «الصورة الأخيرة» نلحظ ميله إلى اللقطات الطويلة التى تمنح للمشاهد متسعاً من الزمن للتفكر والانخراط العاطفى مع اللحظة. الكاميرا تراقب الأفق، تصعد مع الدخان، وتنزل إلى الأرض حين يركع الشعب بحثاً عن الحرية.

تعتمد تقنيات حمينة أيضاً على الإيقاع البصري، حيث يدمج بين المَشاهد البطيئة الساكنة، ومشاهد أخرى سريعة الإيقاع تبرز التوتر أو الانفجار العاطفي. فى «وقائع سنين الجمر»، يُوظف المونتاج ليصنع تناوباً بين مشاهد المعاناة الفردية، ومشاهد الغضب الجماعى، مما يمنح للصورة طاقة درامية تتجاوز حدود اللغة.

لم يكن المخرج الراحل يصنع أفلاماً فحسب، بل كان يرسمها بعدسته ويكتبها بنور العدسة وظلال الواقع. تقنياته فى توظيف الصورة ترتكز على الحس الجمالى المرهف، وعلى رؤية سياسية ملتزمة. فى أعماله، تتقاطع التقنية بالفن، ويُستثمر البُعد الجمالى للصورة لخدمة الذاكرة الجماعية، مما يجعل من سينماه تجربة إنسانية وبصرية عميقة، تستحق أن تُدرّس فى معاهد السينما كنموذج للسينما الجمالية الملتزمة.

يُعدّ «وقائع سنين الجمر» تحفة سينمائية جزائرية، وأول فيلم عربى يفوز بالسعفة الذهبية فى مهرجان كان. أخرجه وكتبه حمينة، ويُجسد فيه ملحمة شعبية تروى جذور الثورة الجزائرية، عبر رحلة فلاح بسيط يكتشف وعيه الوطنى عبر سلسلة من المعاناة والمآسى. الفيلم مقسم إلى سبعة فصول، ترصد التحولات الاجتماعية والسياسية التى مهدت للثورة، ويتميز بلغة بصرية قوية، حيث تُستخدم الطبيعة، والضوء، والموسيقى كعناصر درامية. الكاميرا لا تروى فقط، بل تتأمل، والشخصيات تُجسّد شعباً بأكمله فى بحثه عن الكرامة.

«وقائع سنين الجمر» ليس مجرد فيلم تاريخي، بل تجربة بصرية وشاعرية توثق آلام المستضعفين وتحوّلهم إلى ثوار. ببراعة فنية والتزام سياسي، صنع حمينة عملا خالدا فى ذاكرة السينما العالمية.

Katen Doe

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

ياسمين صبرى وأمير كرارة فى فيلم جديد

يواصل الفنان أمير كرارة تصوير مسلسله الجديد «رأس الأفعى » المقرر عرضه فى الموسم الرمضانى.

«اسأل روحك» خارج الموسم الرمضانى

تأكد بشكل كبير خروج مسلسل «اسأل روحك » للفنانة ياسمين رئيس من السباق الرمضانى.

أحمد العوضى يصور «الأستاذ » بعد رمضان

اتفق الفنان أحمد العوضى على تقديم مسلسل جديد، يعرض خارج الموسم الرمضانى، بعد الانتهاء من مسلسل «على كلاى».

ياسمين عبدالعزيز تصالح شقيقها فى «وننسى اللى كان»

تواصل الفنانة ياسمين عبدالعزيز تصوير مسلسلها «وننسى اللى كان »، المقرر عرضه فى الموسم الرمضانى المقبل.