أصرت أسرتها أن تخرج جنازتها من مسجد المستشفى العسكرى
الطقس فى ذلك الصباح الشتوى (4 فبراير 2020) كان شديد البرودة، ورذاذ الأمطار يتساقط على الرؤوس، والأجواء تنذر بيوم عاصف.. وتوحى بأن مشهد الوداع لن يليق بالنجمة الكبيرة.
لم يكن الطقس وحده الذى حرمها من الجنازة التى تستحقها، بل كانت هناك عوامل أخرى، فى مقدمتها التوافق بين إدارة المستشفى العسكرى وبين أسرة الفقيدة على أن تخرج جنازتها من المسجد الصغير بحديقة المستشفى، ذلك أن نقل الجثمان إلى واحد من المساجد الشهيرة كان يحتاج إلى ترتيبات وإجراءات يصعب توفيرها والانتهاء منها قبل صلاة الظهر.. وحتى لو حدثت المعجزة فإن أسرتها كانت قد اتخذت قرارها بأن يتم تشييعها فى هدوء بعيدًا عن صخب الكاميرات وتدافع الفضوليين، وكانت المشاهد فى جنازات سابقة لا تشجع على تكرار التجربة.
إذن ستتم صلاة الجنازة على الفنانة الكبيرة داخل المستشفى العسكرى وفى مسجده الصغير، إنه أمر واقع ينبغى التعامل معه.
(1)
لكن ما العمل والدخول إلى المستشفى يحتاج إلى تصاريح معقدة، خاصة إذا ما تعلق الأمر بحضور جنازة وليس بزيارة مريض؟
وعندما تضيف إلى كل تلك العوامل من سوء الحظ أن الوباء اللعين – الكورونا – كان فى بدايات انتشاره المرعب، وأغلب الناس تتحسب من الاختلاط والظهور فى أماكن التجمعات، فما بالك بجنازة، بكل طقوسها التى يكون الزحام والتلامس خلالها أمورًا لا بد منها؟.. إذن نحن أمام جنازة متواضعة لا تليق بنجمة ملء السمع والبصر، ووداع لا يليق بنادية لطفى.
على باب المستشفى حدث المتوقع، وكانت إجراءات الدخول صارمة..
فى عشرات المرات التى زرت فيها نادية لطفى خلال إقامتها الطويلة والممتدة بالمستشفى، كان مجرد اتصال تليفونى بها كفيلا بفتح الأبواب والوصول إلى غرفتها بيسر، بل إنها أتاحت لى الدخول إليها فى غرفة العناية المركزة حينما كانت تتلقى علاجها بمستشفى قصر العينى قبل انتقالها إلى مستشفى المعادى العسكرى، حيث امتدت إقامتها لنحو 4 سنوات، حولت فيها غرفتها إلى بيت حقيقي، رتبته وزينته على طريقتها، وسرعان ما أصبح هو عنوانها الذى نقصده للاطمئنان عليها، وكان لعلاقتها الطيبة بإدارة المستشفى الدور الأهم فى تسهيل دخولنا، لكن ما العمل الآن وصاحبة لقب أشهر مريضة بالمستشفى ودعت الحياة، وتنتظر منا أن نودعها؟!
فجأة، وقبل الدخول فى حوار عقيم مع موظفى الأمن، ظهر الدكتور أشرف البيومي، أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعة الإسكندرية وأستاذ أحمد زويل بكلية العلوم، والذى كان قد عاد من رحلة عمل طويلة استقر خلالها لسنوات أستاذا فى جامعة ولاية ميتشجان الأمريكية، وكانت تربطه بنادية لطفى علاقة صداقة قديمة بحكم علاقتهما المشتركة بالقضية الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات، ولذلك كان د.البيومى على رأس المدعوين الذين اختارتهم قبل رحيلها بشهر واحد للاحتفال معها بعيد ميلادها بالمستشفى.
وكان لى الحظ أن أكون من بين المدعوين لعيد ميلاد بولا الأخير، وكان كل حضوره من خارج الوسط الفنى، وأغلبهم كانوا من أبطال حرب أكتوبر الذين يتلقون علاجهم بالمستشفى العسكري، وكنا – د.أشرف البيومى والمخرج مجدى أحمد على وأنا – الاستثناء من تلك القاعدة للمدعوين.
ورأيت ليلتها تقديرها للدكتور البيومي، وسمعت منها ومنه ذكرياتهما القديمة عن ياسر عرفات وأيام حصار بيروت، ووجهت عتابًا وملامًا للإعلام وتقصيره فى حق العلماء المصريين الحقيقيين من أمثال الدكتور البيومي، وهو ما اعتبرته طلبًا يستوجب التنفيذ، وتكرم الدكتور البيومى بعد الحفل بتوصيلنا بسيارته – مجدى أحمد على وأنا – إشفاقا منه علينا فى هذا الجو العاصف.
وبعد سلام وتبادل لكلمات العزاء فى الفقيدة دخل د.البيومى مباشرة من بوابة المستشفى، وربما أوحت هذه الثقة لموظفى الأمن بأنه طبيب بالمستشفى، وهكذا وجدت نفسى بعد دقيقة أمام مسجد المستشفى الذى كان يترقب العاملون فيه وصول الجثمان ومعهم أحمد البشارى الابن الوحيد للفنانة الكبيرة الراحلة.
كان العدد محدودًا، ثم سرعان ما بدأ تدفق المحبين، وكان أول الحاضرين صديقة عمرها الفنانة كوثر شفيق أرملة المخرج الكبير عز الدين ذو الفقار.. ثم جاءت الفنانة دلال عبد العزيز وكانت من أقرب صديقات بولا.. وكذلك الفنانة ميرفت أمين التى وقفت تمسح دموعها من تحت نظارتها الشمسية الضخمة.. وجاء نقيب الممثلين د.أشرف زكى الذى قام كعادته بتسهيل الإجراءات والتصاريح.. ومعه كانت عضوة مجلس إدارة نقابة المهن التمثيلية الفنانة نهال عنبر.. وجاء الإعلامى وائل الإبراشى رحمه الله، وكان بجانبى فى صلاة الجنازة.
وحدثت المعجزة وامتلأ المسجد عن آخره، أغلب الوجوه ربما لا تعرف الفقيدة.. كانوا عبارة عن زوار وموظفين بالمستشفى، لكنهم بمجرد معرفتهم بأن صلاة الجنازة على نادية لطفى كانوا يتراصون فى الصفوف خلف جثمانها.
وحملتها سيارة المستشفى إلى مثواها الأخير .. وبدأت الأمطار فى الهطول وكأنها تشاركنا فى بكائها.
(2)
كنت مشفقًا على نجلها أحمد البشارى الذى بدا وكأنه غائب عن الوعي، فلم تكن دموعه جفت بعد على زوجته وأم بناته التى رحلت قبلها بنحو شهر بعد رحلة قاسية مع المرض، وقبل أن يفيق من صدمته وجد نفسه مع صدمة جديدة وفقد جديد، وهذه المرة لوالدته.
وكانت والدته قد أصرت على أن تشاركه فى محنته، وحصلت على تصريح من إدارة المستشفى بالخروج للمشاركة فى عزاء زوجة ابنها الوحيد.. ويبدو أنها بذلت جهدًا مضاعفًا – بدنيًا ونفسيًا – فعادت منهكة وتدهورت حالتها الصحية بسرعة شديدة، فاضطر الأطباء إلى إدخالها غرفة العناية المركزة، حيث فارقت الحياة بعد أيام..
هذا التدهور الحاد والسريع بدا مذهلا، فالذين حضروا عيد ميلادها الأخير لفت نظرهم أنها كانت فى كامل اللياقة الذهنية والنفسية، حتى لو اضطرتها ظروفها الصحية للجلوس على كرسى طبى متحرك.
فى تلك الليلة أعدت لضيوف عيد ميلادها وليمة فاخرة بدت غريبة ولا تتفق مع طقوس أعياد الميلاد بأكلاته وحلوياته، إذ كانت تشكيلة من المحاشى والكوارع والممبار، وكان أحد جيرانها من المحاربين القدماء نزلاء المستشفى قد قالها على سبيل المداعبة حينما سألته: تحبوا تاكلوا إيه فى عيد ميلادى؟.. فأجاب بتلقائية: نفسنا فى كوارع، لكنها لم تعتبرها مداعبة ولا نكتة، وأصرت على أن تحقق له ما تمنى .. بل وأكثر مما تمنى!
ليلتها كانت نادية لطفى حاضرة الذهن والذاكرة، وحكت كثيرًا من ذكرياتها، وتعالت ضحكاتها صافية من القلب، وهى حالة أغرت صديقنا المخرج الكبير مجدى أحمد على بأن يطلب منها أن تسمح له بتوثيق تلك الذكريات، فى شكل حلقات قصيرة مدة كل منها لا تزيد على خمس دقائق، تحكى فى كل منها حكاية أو موقفا، وهو شكل سيجذب حتمًا جمهور الشباب من متابعى وسائل التواصل ومنصاته، وسيضمن أن ملايين من أبناء الأجيال الجديدة يعرفون تاريخها وتفاصيل سيرتها بذلك الإيقاع السريع الجذاب.
وبلا تردد وافقت نادية لطفى على العرض، وهو أمر بدا غريبا على من يعرفها، فمثل هذه الأمور تحتاج منها إلى تفكير وحسابات طويلة ومعقدة قبل أن تحسم قرارها.. لكنها هذه المرة وافقت بلا تفكير ولا تردد.
وبلا تفكير ولا تردد قام مجدى أحمد على بعمل معاينات لأماكن التصوير المتاحة، سواء فى غرفتها أو ردهات المستشفى وقاعاته.. وبدأ فى إعداد تصوره الخاص بزوايا التصوير وديكوراته ومعداته.
وأمام حماسه قالت لى بولا: «أعطونى يومين ارتاح فيهما، وآخذ نفسى من علقة عيد الميلاد.. وأتفق مع الأستاذ مجدى على ميعاد بعدها، وهاتوا الكاميرا وتعالوا».
ولأننى كنت شاهدًا على تجارب سابقة ومشروعات لم تتم لتسجيل ذكرياتها تلفزيونيًا، فقد رأيت أنها فرصة لتحقيق هذا الحلم، خاصة فى وجود مخرج سينمائى كبير له رؤيته وثقافته.
وفى طريق العودة بسيارة د.أشرف البيومى كان ذهن مجدى أحمد على مشغولًا بترتيب الكاميرا ومواعيد التصوير ومضامين الحلقات.
ثم جاءت وفاة زوجة ابنها، وتدهور مزاجها وحالتها النفسية، وتصميمها على الخروج للمشاركة فى عزائها.. لتعطل المشروع الحلم، قبل أن ينتهى إلى الأبد مع رحيل بولا المفاجئ.
(3)
كعادتها كانت متشبثة بالحياة.. ولذلك لم تهتم كثيرًا بتجهيز مقبرة أسرتها التى كان يفترض أن تُدفن بها حينما يحين الأجل.. ولما حان بتلك السرعة لم يكن هناك بد من دفنها بجوار زوجة ابنها، فى المقبرة الحديثة التى كان قد اشتراها على طريق الفيوم.
ظلمتها ظروف الرحيل، ولم يكن مشهد الوداع يليق بواحدة من ألمع وأهم نجمات السينما المصرية، أو العندليبة الشقراء كما كان يسميها العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، بعد أن وقفت أمامه بطلة لفيلمين من أشهر أفلامه: «الخطايا» و«أبى فوق الشجرة».. لكن تبقى سيرتها أطول من العمر وأبقى.
وفى ذكرى رحيلها الرابعة.. نتمنى على أسرتها أن تهدى جزءًا من مقتنياتها لمكتبة الإسكندرية، فقد كانت تملك وثائق نادرة، بينها مثلًا توثيقها لرحلتها مع المقاومة الفلسطينية وقت حصار بيروت والعدوان الإسرائيلى على لبنان فى صيف عام 1982، فقد كانت معها كاميرتها الخاصة التى صورت بها تفاصيل تلك الأيام التاريخية.. فضلًا عن خطابات ووثائق مهمة تخص أحداثا تاريخية وطنية فارقة مثل حرب أكتوبر المجيدة.
نتمنى فى ذكراها الخامسة أن نشهد افتتاح ركن نادية لطفى بمكتبة الإسكندرية..
إنها لم تكن مجرد فنانة.. بل شاهدة على عصر وزمن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان أمير كرارة تصوير مسلسله الجديد «رأس الأفعى » المقرر عرضه فى الموسم الرمضانى.
تأكد بشكل كبير خروج مسلسل «اسأل روحك » للفنانة ياسمين رئيس من السباق الرمضانى.
اتفق الفنان أحمد العوضى على تقديم مسلسل جديد، يعرض خارج الموسم الرمضانى، بعد الانتهاء من مسلسل «على كلاى».
تواصل الفنانة ياسمين عبدالعزيز تصوير مسلسلها «وننسى اللى كان »، المقرر عرضه فى الموسم الرمضانى المقبل.