منذ أيام قليلة انتهى عُرس معرض القاهرة الدولى الذى حَلَّ هذه المرة فى ظروف استثنائية لم يكن يتوقعها أحد.. مثلما لم يتوقع أحدهم
أن يذهب الملايين من أبناء مصر التى تعانى اقتصادياً إلى هناك لشراء الكتب والقصص والروايات وسماع الشعر ولقاء الشعراء والبحث عن كتب التاريخ والفقه والنوستالجيا.
هذه حالة مصرية خالصة.. تؤكد أننا شعب عصىّ على التوقع والحصر والمحاصرة.. مثلما تماماً لا يمكن أن تقرأ لوحته بعين واحدة.. أو ترسم ملامح وجهه بريشة واحدة.. هكذا هو صلاح جاهين الذى اختارته إدارة معرض القاهرة للكتاب رمزاً لدورتها المنقضية وسمّته «شخصية العام».
دائماً نحن نستدعيه على اسم مصر ودائماً نحن نستطيع أن نقول ما نشاء عن خفة وكلمة وشقاوة وبهجة محمد صلاح الدين بهجت حلمى جاهين، الذى أصبح هو وعدد غير يسير من أيامنا شيئاً واحداً لا يمكن أن نفصلهما أو نفصلهما.
يعنى عشان تقول إنك كفّيت ووفّيت فى قراءة شخصية العام.. شخصية صلاح جاهين.. فهذا ظلم بيّن للرجل ولمن يقرأونه.
شاعر السلطة والشعب
يستسهل البعض التعامل مع تجربة صلاح جاهين فى الغناء ويصفونه بأنه شاعر الأغنية الوطنية.. أو شاعر الثورة.. أو شاعر يوليو.. أو شاعر جمال عبدالناصر، وهناك من يستخف دمه ويراه «شاعر زوزو» الذى أنهكته انحيازاته ليوليو فوقع أسيرها وأسير رعايتها والترويج لها، فلما وقعت فى «يونيو» وقع هو الآخر وراح يمارس حزن الشعراء منتحراً على مهل، حتى جاءت زوزو ومن بعدها انتصار أكتوبر فاختفى فى رسمة صغيرة فى مربع صغير إلى جانب صفحة فى الأهرام حتى مضى وهو يغنى مع حبيبته سعاد «يا تجيبلى شكولاته يا بلاش يا ولا».
كل هؤلاء.. مَن تعمدوا السخرية من أدب وفن يوليو فى شخصه.. ومن تعمدوا الانتقام من ديكتاتورية ناصر ورفاقه فى شخصه أيضاً.. والذين وقفوا فى الاتجاه المعاكس يمدحونه أيضاً.. جميعهم ظلموا الرجل.. فهو مبدع كبير لا يمكن قراءة أوراق شجرته فى عمر واحد.. أو فى اتجاه واحد.. كل الطرق تؤدى إلى صلاح جاهين وكل الأزمنة تحتاج هذا العاشق الذى أقسم يوماً «أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء».
** جاهين العاشق.. مُغنّى العشاق
ما أتعرض له هنا هو بعض نتاج رحلة هذا العاشق الذى تأثر برواد العشق الصوفى للبلد، حتى ظننا أنه لا يملك حياة عاطفية خاصة يكتبها أو يكتب لها.. ذلك أن إنتاجه من الغناء السياسى منذ عام 1956 وحتى عام 1972 طغى تماماً على صلاح جاهين الفتى العاشق الذى يكتب الأغنيات العاطفية مثلما يكتب «منشوره السياسى» الذى يناصر «المعلم» و«القائد» فاتح باب الحرية الريس «كبير القلب».
جاهين نفسه هو صاحب «القلب الكبير» الذى توارى، إلا فى بعض أغنيات لا تزال تعيش بيننا وستظل، لكننا لا نعرف أو ربما لا نريد أن نعرف أنها من إبداع وتجليات شاعر الثورة.. وكأنه مكتوب على الساسة والثوار ألا يعشقوا.
من أول ما بان
كان الموسيقار كمال الطويل ابن الباشوات الثورجى الشيك رفيق العندليب صاحب «أبو عيون جريئة» هو الأقرب إلى عقل جاهين وكلماته ومنشوراته التى تترجم خطابات عبدالناصر... وكان هو أيضاً الأقرب إلى فهم تفاصيل عبدالناصر.. وكان هو أيضاً الأقرب إلى فهم تفاصيل رسائل صلاح الغرامية التى يكتبها على فترات بعيدة أو التى يراها لا تعبر عنه كما يريد أحياناً.
«الطويل» هو من احتضن بشياكة جملته الموسيقية وروقان إيقاعاته «صوت نجاة» التى لم تجد طريقاً ناعماً كحرير موسيقى الطويل، فكان من الطبيعى أن تحملها أغنية أولى تختلف عما تغنيه مع محمود الشريف والموجى وعبدالوهاب فكانت «عيون الحليوة»
بان عليّا حبه
يا ماكنت أتمنى
حبه من زمان
ده عيون الحليوة
يا عينى.. بحر من الحنان
جاهين «الوصاف» يقتصد فى وصف ملامح حبيبه وكأنه لا يريد لهم أن يعرفوا أن ذلك «الرَّبعة الجرم» يحب، وأن «عيون حبيبه بحر من الحنان».. فهو يقفز سريعاً ليبرز لهم حبه من أول «طلّة» من أول ما بان.. ولأنه سيد البساطة فهو يستخدم المفارقة فيما بين ظهور الحليوة «بان».. وبين فردية ذلك الحب الذى ظهر على جاهين «بان عليّا» نعم هو يخشى الآخرين من كشفه ومعرفة تلك الغرف السرية التى يمارس فيها عشقه الذى لا يحب أن يتشاركه مع الجماهير التى كان يشاركها الظهور فى «الصورة» فى «ميادين مصر» حتى إنه يهدد غير الموجودين فيها بأنهم «عمره ما هيبان فى الصورة».
«بان»، إذن، مفردة عاطفية خالصة بإمضاء جاهين، لا أعتقد أن كثيرين استخدموها.. مثلها تماماً مثل «ابن الحلال» التى أهداها لصباح من تلحين رفيق دربه الثانى «سيد مكاوى» وهو صاحب التجارب الثقيلة فى تجربة جاهين الغنائية.. الرباعيات.. الليلة الكبيرة.. وغيرها.. فكيف سيحب ذلك الشيخ المعمم على طريقة صلاح جاهين، أو قُل كيف يسحب عمنا جاهين ببنطاله الواسع الفضفاض وقفزاته السريعة على الأرض ذلك الشيخ بجلبابه الواسع الذى مرح طويلاً على طريقته فى «الليالى» مع سيدة الغناء أم كلثوم وهو يردد «يا مسهّر النوم فى عينيا سهّرت أفكارى وياك»؟
جاهين.. يعرف لمن يكتب.. وكأنهم ممثلون فى روايته على المسرح. ولذا كان سهلاً أن ينجح فى تمرير أغنياته العاطفية عبر أفلام السينما أو خشبة المسرح أو مسلسلات التليفزيون.. وكأنه يقول «يا جماعة ده تمثيل.. مش أنا اللى بحب» حتى شوفوا
«أنا هنا.. هنا يا ابن الحلال
لا عايزة جاه ولا عايزة مال
باحلم بعشّ
أملاه.. أنا
سعد وهنا
أنا هنا.. يا بن الحلال»
جاهين ابن حارة.. يعرف جيداً «دلع بنات الحارة» وكيف يبعثون برسائلهم لعشاقهم.. وها هى فرصته مع تلك الأنثى الشابة التى ترتدى «عباية بلدى» فى حارة مصرية تشبه حارته فى شبرا
مليتلك القلة
عطشان تعالى
لم تكن قلة صلاح جاهين بعيدة عن قلة «مرسى جميل عزيز» ولا هى تختلف عن «القلل» التى رصتها نجاح سلام فى بلكونتها البحرية.. هى «رمز» البيت المصرى فى تلك الفترة.. ولمن يريد الاقتراب فليراجع استخدام مفردة «البيوت.. بيتنا.. شباكنا.. ستايره» ومثيلاتها وأغنيات تلك الفترة التى نجح الأبنودى أن يمرر من خلالها شكل البيت الريفى مثلما هو الحال فى البيت الأخضرانى.. ويرسم مرسى جميل ابن الزقازيق ملامح ريف آخر غير صعيدى مختلف عن بيت الأبنودى.. لكن جاهين وهو أستاذهم لا يتركهم فى حالهم ويرسم بمزاج وعلى طريقته شكل هذا البيت وشكل الحب الذي يريده بداخله.. «الحب الحلال»
«أربع إيدين على
الفطار وبيشربوا
الشاي باللبن»
وهى واحدة من أجمل ما كتب فى ظنى فى «الغرام» مثلها تماماً مثل
«حبيبى سكر
طعم الهوى
فرّق ما بينا البين
ما عدناش
سوا»
وهى تجربة أكثر حداثة ورُقياً وعذوبة تناسب تلك المرحلة الشاهينية التى سمحت لأجيال مختلفة من الشعراء بممارسة أقصى حالات جنونهم ولعبهم باللغة والموسيقى.. لكنه قبل ذلك.. قبل أن يصل إلى محطة «ماجدة الرومى» حاول مجاراة حب أبناء الستينات.. أبناء يوليو.. وخاصة فى أغنيات محمد رشدى الذى كتب له جاهين ولحن سيد مكاوى
«آه.. بعد آه
بعد آه
على قلبى واللى رآه
من يوم ما فُت الحبايب
غريب بلاد الله
وحمام الغية يا مروّح بلاد النيل
أمانة عليك سلملى على الزغاليل
وزيد فى سلامى
على الحلوة أم رمش كحيل.. حبيبتى
يا حمام بنى.. بعادى عنها جنننى
أمانة تقولها إنى
باصر المهر.. شهر بشهر
ويا الشبكة فى المنديل
وسلملى»
الله يا عم صلاح على جمال وجمال «الصُّرَّة»
صُرَّة الغريب الذى ذهب إلى بلاد الله خلق الله يبحث عن «تحويشة» شهر بشهر ليجمع «مهر العروسة» الحلوة أم رمش كحيل.. تلك التى تسكن «بلاد النيل»
كل الجنينة.. ولد وبنت
لم يكتب جاهين كثيراً فى المجال العاطفى فى فترة الستينات وهو أمر مفهوم.. فقد شغلته أغنية السياسة.. التى تحولت عند جاهين إلى ما يشبه الصحيفة اليومية عما عداها من أشكال الغناء.. وعن العشق أيضاً.. لكنه وبعد انتصار أكتوبر راح يبحث عن عشق جديد مع جيل جديد وأغنية جديدة تختلف بالكلية عما كتبه فى فترة يوليو فكانت أغنياته القليلة فى السبعينات هى تعبير عن القلق.. الذى كان يعيشه عل حد وصفه فى أغنية لأحمد عدوية
«قلق.. جبتولنا القلق»
وكأنه كان يحتاج إلى هروب من ذلك القلق بدأه مبكراً مع سعاد حسنى وكمال الطويل وإبراهيم رجب وسيد مكاوى.. فى «خلى بالك من زوزو» وربما أيضاً فى «شفيقة» العاشقة التى أنصفها جاهين.. بشكل مجنون وصادم جعلها تكشف زيف الجميع
«جربنا الحلو المتعايق
أبو دم خفيف
وبقينا معاه
إخوة شقايق
فاكرينه شريف
أتاريه مش كده
على طول الخط
الطبع الردى من جواه نط
خلاص بقى مهما انشال وانحط
ما فيش دمعة حزن عشانه»
جاهين وكأنه ينتقم لنفسه من عشاقها المزيفين، هؤلاء الذين صنعوا القلق.. فراح يبحث عنها فى «ولد وبنت» تلك التى غناها على الحجار
ومن بعدها فى ابنته التى رسمت صورتها موسيقى مدحت الخولى مع صوت محمد منير
يا بنت يام المريلة كحلى
يا شمس هلّة وطالّه م الكولة
أنا قلت عنك فى الغزل قولة
ممنوع عليّا.. ولّا مسموحلى
العاشق الخائف من فضح حبيبته بالغزل.. ها هو يستأذن من أم المريلة الكحلى.. مثلما استأذن العالم كله عندما قرر أن «عيون الحليوة.. بحر من الحنان» وأنه العاشق.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان أمير كرارة تصوير مسلسله الجديد «رأس الأفعى » المقرر عرضه فى الموسم الرمضانى.
تأكد بشكل كبير خروج مسلسل «اسأل روحك » للفنانة ياسمين رئيس من السباق الرمضانى.
اتفق الفنان أحمد العوضى على تقديم مسلسل جديد، يعرض خارج الموسم الرمضانى، بعد الانتهاء من مسلسل «على كلاى».
تواصل الفنانة ياسمين عبدالعزيز تصوير مسلسلها «وننسى اللى كان »، المقرر عرضه فى الموسم الرمضانى المقبل.