مفتي الجمهورية : التكفير أخطر ما ابتليت به الأمة

  • أ ش أ
  • السبت، 31 يناير 2026 08:17 م

أكد الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن منطلق الحوار الإسلامي لا بد أن يقوم على أصل شرعي راسخ يتمثل في مفهوم أهل القِبلة الذي قررته السنة النبوية الصحيحة وأجمع عليه جمهور العلماء، مشيرًا إلى ما ورد في صحيح البخاري عن النبي "من صلَّى صلاتنا واستقبل قِبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم"، فذلك يمثل الحد الأدنى الجامع الذي يثبت به الانتماء إلى جماعة المسلمين ويترتب عليه صيانة الدماء والأموال والأعراض.

جاء ذلك خلال كلمة فضيلته في ندوة بعنوان "الأزهر والحوار الإسلامي.. مقتضيات الاستجابة لنداء أهل القبلة"، بجناح مجلس حكماء المسلمين بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، بحضور الدكتور سمير بودينار، مدير مركز الحكماء لبحوث السلام، وعدد كثيف من الباحثين وروَّاد معرض الكتاب.

وأوضح المفتي أنَّ هذا المفهوم ظل عبر التاريخ الإسلامي سدًّا منيعًا أمام دعاوى التكفير والإقصاء، وأن الخلافات الفقهية والكلامية لا تُخرِج صاحبها عن دائرة الإسلام ما دام من أهل القبلة، مستشهدًا بموقف الإمام أبي الحسن الأشعري الذي أعلن قبل وفاته براءته من تكفير أيٍّ من أهل القِبلة كما نقل الإمام الذهبي، كما أن العلماء شددوا على خطورة التكفير لما يترتَّب عليه من استباحة للدماء المعصومة، وهو ما قرره الإمام الغزالي حين ذكر أن الخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد.

كما بيَّن أن أحاديث الفِرقة الناجية والطائفة المنصورة قد أسيء توظيفها في المجال الدعوي والفكري، إذ حُملت على غير مقاصدها الشرعية، فبدلًا من أن تكون تحذيرًا من الفُرقة والاختلاف تحوَّلت عند بعض التيارات إلى أداة لتكريس الانقسام وشرعنة الإقصاء، مشددًا على ضرورة تجاوز الخلافات التي وقعت في القرون الأولى وعدم استدعائها في واقع المسلمين المعاصر، على أن تدرس في إطارها العلمي والتاريخي فقط، وترك الحساب فيها إلى الله تعالى، امتثالًا لقوله سبحانه: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 134]، محذرًا من استغلال أعداء الأمة لهذه الخلافات لبثِّ العداوة والبغضاء بين المسلمين.

وقال مفتي الجمهورية إن نداء أهل القِبلة يمثل مقاربة مختلفة للوحدة الإسلامية، كونه نداءً مؤسسيًّا توافقيًّا صدر عن مؤسسات دينية رسمية، ولا يتصادم مع أي مذهب من المذاهب الإسلامية، ولا يدعو إلى التنازل عن الأصول أو صهر المذاهب في قالب واحد، بل يقر بشرعية التعدد المذهبي ويؤكد أن مجرد الصلاة واستقبال القبلة والأكل من ذبيحة المسلمين كافٍ للدخول في دائرة الإسلام. كما يتميز النداء بوعيه بطبيعة التحديات المشتركة التي تواجه الأمة الإسلامية اليوم، وبابتعاده عن الخوض في المسائل الخلافية التي لا تخدم نهضة الأمة ولا وحدتها.

وأشار إلى أن الأزهر الشريف بما يحمله من تراث علمي عريق يمثل الأنموذج الأبرز في الجمع بين الثوابت الشرعية والانفتاح على خطاب الوحدة والتقريب، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم والسُّنة النبوية قررا مبدأ الأمة الواحدة، ونهيا عن التنازع والتفرق لما يترتب عليه من ضعف وفشل، وأن خطاب الوحدة الإسلامية يتجدد مع كل جيل من علماء الأزهر، بدءًا من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وصولًا إلى الشيخ محمد مصطفى المراغي الذي حذر من توظيف الخلافات المذهبية في خدمة العصبيات السياسية، وانتهاء بجهود الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب الذي جعل من الحوار الإسلامي الإسلامي مشروعًا مؤسسيًّا واقعًا، مشيرًا إلى أنَّ التعددية المذهبية تمثل سَعة ورحمة إذا بقيت في إطارها العلمي والاجتهادي، لكنها قد تتحول إلى اختلاف مذموم حين تُستثمر لإثارة التعصب والتحريض، مؤكدًا أن تحصين وعي العامة يقتضي مواجهة الجماعات المتطرفة التي تدعي امتلاك الحق المطلق، والتصدي للفتاوى الشاذة غير الصادرة عن جهات مؤهلة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تروجها تيارات العنف، ووقف المحتويات الإعلامية التي تتعمد إثارة الطائفية سعيًا وراء الشهرة والمكاسب المادية، إلى جانب تحرير العقل الديني من الجمود المذهبي الذي عاق كثيرًا من مشروعات التقريب بين المسلمين.

وعلى صعيد متصل أشار مفتي الجمهورية إلى أن نداء أهل القبلة جاء أيضًا لمواجهة ظاهرة التبشير الطائفي التي تستغل حاجات الناس الاقتصادية والاجتماعية لإحداث اختراق مذهبي داخل المجتمعات الإسلامية، موضحًا أن هذه الممارسات تمثِّل اعتداءً على وَحدة الأمة وتهديدًا للسلم الأهلي، وتتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت لحفظ الدين والنفس والمجتمع، مشددًا على ضرورة تبنِّي خطاب إفتائي مؤسسي جماعي يرفض هذه الممارسات ويدينها ويكشف زيفها. وتابع: إن أهداف نداء أهل القبلة تتجسَّد في لمِّ شمل الأمة الإسلامية تحت راية واحدة، واستعادة دورها الحضاري، ومواجهة الفتن الطائفية والتحديات الفكرية والثقافية المعاصرة، وبناء ثقافة التسامح المذهبي والعيش المشترك، وذلك أن الطائفية دخيلة على الإسلام، وأن من يروج لها لا يمثل جوهر الدين، وإنما يوظفه لخدمة مصالح ضيقة، داعيًا إلى تغليب الأخوة الإسلامية ومستقبل الأمة على المصالح السياسية الوقتية والعمل على مشروع إسلامي جامع يعيد للأمة وحدتها وحضورها الحضاري.

وفي هذا الإطار، لفت فضيلته النظر إلى أهمية الدَّور الذي يقوم به مركز سلام لدراسات التطرف التابع لدار الإفتاء المصرية في متابعة المستجدات الفكرية، مثل قضايا الشذوذ والإلحاد والتفكك الأسري والانهيار القيمي والعنف الطائفي، وغيرها من الظواهر التي يفيد رصدها وتحليلها في مجال الفتوى، بما يسهم في رأب الصدع، وتعزيز قيم التعايش، وترسيخ الأخوة الإسلامية والإنسانية، مؤكدًا أن التنبيه إلى هذه الأفكار ومعالجتها علميًّا يسهم في توحيد الصف وعدم تفريقه.

 

Katen Doe

أ ش أ

وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ) هي وكالة أنباء مصرية رسمية، تأسست عام 1956

أخبار ذات صلة

محمود فوزي
مفتي
رئيس الشيوخ الخارجية
ندوة دار الإفتاء
نظير محمد عياد مفتي الجمهورية
مفتي
الدكتور عباس شومان الأمين العام لهيئة كبار العلماء
نظير محمد عياد مفتي الجمهورية

المزيد من مصر

وزير الدفاع يلتقى بعدد من قادة وضباط القوات المسلحة

إلتقى الفريق أول عبد المجيد صقر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى بعدد من قادة وضباط القوات المسلحة...

الرئيس السيسي يستقبل ملك الأردن..اليوم

يستقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم الأحد، جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، عاهل المملكة الأردنية الهاشمية.

وزير الخارجية يؤكد لنظيره الكيني عمق العلاقات بين البلدين

أكد الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج على عمق العلاقات المصرية - الكينية.. مشيدا بالزخم الإيجابي...

طقس اليوم.. استمرار الارتفاع الطفيف في درجات الحرارة والعظمى بالقاهرة 26

تتوقع هيئة الأرصاد الجوية أن يسود، اليوم الأحد، استمرار الارتفاع الطفيف في درجات الحرارة ليسود طقس بارد في الصباح الباكر...